جعجع من الدولة الواحدة إلى الدولة المتناثرة

عارف العبدالجمعة 2026/02/06
GettyImages-1240800433.jpg
جعجع: تغليب بعض المخاوف على عمق المصالح الوطنية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في آخر حديث تلفزيوني له، عبر برنامج "صار الوقت" على شاشة (أم تي في)، والذي بث بالتوازي مع الذكرى الـ 40 لقيادة الدكتور سمير جعجع لـ"القوات اللبنانية"، سئل، ما هو رأيكم بقانون الانتخاب الحالي فرد بالقول: 

"المسألة ليست مسألة قانون انتخاب.. الوضعية اللبنانية كلها بحاجة لإعادة ترتيب". وقد درج رئيس حزب القوات في المدة الأخيرة، على تكرار لازمة يقول فيها: "الوضع هيك بالبلد مش ماشي الحال، وما فينا نبقى هيك ". من دون أن يوضح ما هو الذي لا يمشي وما هو الحل والمقترح.

لكن الذي ظهر وبدر، من شخصيات قيادية في القوات، خلال الفترة الماضية وفي أكثر من مناسبة، أرسل إشارات باتجاهات إيحائية، من دون تصريح أو موقف واضح ومحدد.

تمثل ذلك، على سبيل المثال في تصريح عضو قيادة القوات نائب رئيس الحكومة السابق غسان حاصباني، أكثر من مرة، بضرورة تقسيم بلدية بيروت إلى أكثر من دائرة، بحجة التشبه بالعاصمة الفرنسية باريس! وألمح إلى إعداده مشروع قانون بذلك، لكنه عاد ووضع الموضوع جانباً ولم يعد يذكره أو يطرحه، إلى أن جاء موقف مسؤول التواصل في الحزب شارل جبور في كلامه الصارخ، حين قال احتجاجاً على التظاهرات المحيطة بالسفارة الأميركية "انتو ما بتشبهونا" وما "بدنا إياكم في مناطقنا" و" حلوا عنا".. وكلام من هذا القبيل، والذي ذهب مثلاً وتحول مدار تندر بين المتخاصمين والمتقابلين، إلى الكلام الذي صدر من دون مناسبة عن النائب الدكتورة غادة أيوب في خطاب مصور أمام جمهور محصور، حين قالت: "نحن في مواجهة مستمرة من أكثر من 1400 سنة وما زالت هذه المواجهة مكملة ومستمرة ونراها كل يوم في حياتنا"!  

أضف إلى ذلك، فإن أغلب الدعاة إلى الصيغة الفدرالية والكانتونات في لبنان مؤخراً، هم من محيط القوات اللبنانية والمقربين منها. 

لكن الذي لم يفصح عنه جعجع، في الحديث على شاشة (أم تي في)، قاله بصراحة في حوار عبر "بودكاست" موجه أكثر للشباب من "أهل البيت"، مع الإعلامي بيار نحاس، حيث قال كلاما صريحاً وواضحاً، كشف فيه عن جزء من ما يريد ويعد له وما هو مقدم على إعلانه. 

وقد جاء الحوار المثير والمهم على الشكل التالي: 

"س: هل من المعقول أن يكون قدر الشباب مواجهة الأزمات باستمرار، حروب أو اغتيالات وأزمات؟"

جعجع: هذ هي المهمة التي علينا أن نعمل عليها جميعاً، نحن من وقت الاستقلال حتى الآن، لم نر أي يوم رياحة في هذا البلد، هذا ماذا يعني؟

يجب النظر إلى الأمور بشكل علمي وموضوعي. هناك مشكلة جوهرية وبات واضحاً ما هي المشكلة.

أضاف: أنت في لبنان لديك مجتمع تعددي، بامتياز، يطرحون في بعض الأحيان الخلاف بشكل كوميدي كامل وهزلي: " كمثل الكبة النية والتبولة.. وكذا... هول ما بيعملوا وطن... لكن في المقابل، لديك مجتمع تعددي بامتياز.

 " اكتر شيء بيّن وظهر هذا الواقع، اللي طول عمرو موجود، مع حزب الله، بآخر 10 أو 15 سنة".

 وقال: "اليوم إذا رحت على الضاحية، لما تقطع صوب عين الرمانة من الضاحية صرت بعالم آخر مختلف تماماً، أو العكس".

"روح على عين الرمانة وانظر حولك، قطاع مترين فقط".

س: ما هو، الفرق هوية يعني؟

جعجع: بكل شيء، باللبس والثياب، بالتصرف بالثقافة وعلى شوي باللغة، بالمفاهيم السياسية، بالولاء بكل شيء. 

 وقال: "ما معنى ذلك؟ معناه، أن المجتمع تعددي بامتياز"، كيف لمجتمع تعددي بامتياز، وأنت تضع عليه دولة مركزية بامتياز؟

س: الحل بالدولة اللامركزية إذا؟ 

جعجع: طبعاً معلوم، لا مركزية فضفاضة، وليس لا مركزية حصرية، بالمعنى الإداري الزغير للكلمة، بدك لا مركزية حتى "تنفس" كل الوضعية الراهنة. و" بيبطل" عندك كل خمسة أو عشر سنين مشكلة. 

 ومضى قائلاً: كل ما بدنا نعمل ساقية في عكار بدو يصير مشكلة عليها.

وكل ما بدك تعمل بير (بئر) بالنبطية، بدو يوافق عليها ابن دير الأحمر؟ يا أخي ليش مشربك هالناس ببعضهم؟ وسعها عن بعض، وتروك الأمور تأخذ مداها الطبيعي. عندها تخف التشنجات بين المجموعات اللبنانية!

 وقال: "يجب الأخذ بعين الاعتبار وجود مجموعات لبنانية، متمايزة عن بعض.

 يا أخي كلنا لبنانية، ولبنان وطن نهائي، بحدوده الدولية المعترف بها "قد ما بتريد" ، لكن هناك مجموعات لبنانية عندها أولويات مختلفة".

 ومضى قائلاً: "أنت ما بدك نسوانك ينزلوا على البحر بالمايوه على الشط هذا حق لك، لكن أنا بدي ينزلوا نسواني على البحر بالمايوه وهذا حق لي. ما بدها مشكلة كل يوم حكي على الفسق والفجور.. على شواطئ كسروان وجبيل.. يا أخي أي فسق وفجور هيدا".

 انتهى الحوار مع الدكتور جعجع للبودكاست.

كلام الدكتور جعجع، ليس بحاجة لكثير من التفسير، هو في الحقيقة بمثابة الجانب الآخر من الدعوة إلى الفدرالية وصيغة "الكانتونات"، التي يدعو إليها ويحمل رايتها أصدقاء وحواريو رئيس حزب القوات، فهو لم يقلها أو يطالب بها، لكنه في كلامه سوغها وقدم لها المبررات وان كان لم يعلنها صراحة.

الدكتور جعجع عمليا وفعليا يمكن القول انه تحدث ودعا إلى الصيغة اللامركزية والفدرالية من باب التسويق التمويهي، ومن باب والاختبار، وقد يكون قبل التبني العلني والنهائي.

لم يعلن جعجع الخروج من اتفاق الطائف والتمرد على الدستور.. لكنه وقف على المفترق قرب الباب باتجاه الخروج عنه.

 كلام رئيس حزب القوات اللبنانية ليس كلاما عابرا أو بسيطا في هذه الأيام، وهو حمال أوجه ومخاطر ومطبات معقدة، في هذه المرحلة بما تحمله من دلالات ومؤشرات.

الواقع، من حق كل طرف من الأطراف، كما من حق جعجع ومحيطه، الشعور بالقلق والانزعاج، بل التبرم، والرهبة من التطورات المحيطة في ظل تجربة حزب الله وإيران وتشبث حزب الله بخطابه وخطه وارتباطه بدولة الولي الفقيه، وما جره على لبنان واللبنانيين خلال العقدين الاخيرين.

يمكن القول براحة، أن أكبر مصائب لبنان خلال العقدين الأخيرين، ومنذ 2005 قد تفاقمت وازدادت وانفجرت، بسبب سياسة حزب الله ومواقفه وارتباطه بالسياسة الإيرانية مباشرة بعد خروج جيش نظام ال الأسد من لبنان إضافة إلى عدوانية وأطماع اسرائيل تجاه بلدنا.

ماهو معروف ان لبنان بفعل مقاومته المسلحة وتضحيات اجياله الشابة من وطنية واسلامية، وبالرغم من كل الملاحظات، كان نجح في اخراج جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوبه وإفساح المجال لتطبيق القرار الدولي 425.

الذي جرى ان ارتباط حزب الله باطماع وسياسة سوريا الأسد، وإيران خامنئي، عادت وأدخلته في الأتون والحروب والويلات. التي لم تنته حتى الان.

دوافع جعجع والقوات وقسم كبير من البيئة المسيحية بات مفهوما، ومتوقعا. لكن المشكلة ليست في الواقع المعروف فقط، بل بطريقة المواجهة والعلاج. 

يسجل للقوات اللبنانية موقفين بارزين في مفترقين وطنيين كبيرين؛

الأول، ان موقف القوات برعاية ورضى البطريك الراحل والاستثنائي نصرالله بطرس صفير، أتاح لاتفاق الطائف أن يرى النور، وللبنان أن يخرج من حفرة الحرب العميقة.

الثاني، تبني القوات مصالحة الجبل والسير والالتزام بمفاعيلها حتى الان، مما اضفى طابعا عميقا للاستقرار الاهلي والسياسي في لبنان خلال الفترة الاخيرة.

الخوف كل الخوف ان تمضي القوات في تغليب بعض المخاوف على عمق المصالح الوطنية اللبنانية، وتقع في فخ الاستسهال والتهور للخروج من صيغة الوحدة الاشكالية الراهنة التي تحتاج إلى اصلاح وتدعيم، إلى صيغة الازمة المفتوحة والدولة المتناثرة التي ستصيب الجميع وليس القوات ومحيطها وحدهم. 

فلبنان الموحد مكسب للجميع، وليس لفئة واحدة. وان ظهرت بعض الفروق واللهجات والسياسات العابرة. حين تقطع "مترين فقط من الشياج باتجاه عين الرمانة، ولو نزل "بعض النسوان هون وهون" إلى البحر بالمايوه او بالشادور!
 

 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث