110 مواقع عسكرية تقريباً هي التي بناها الجيش اللبناني في القطاع الأوسط فقط من جنوب لبنان، حيث بات ينتشر على كامل هذا القطاع تقريباً، باستثناء بعض النقاط المتقدمة التي لا يزال جيش العدو الإسرائيلي ينشئ مواقع داخلها، ما يتعذّر على الجيش التقدّم نحوها. وبالرغم من ذلك، لا يزال الجنود الإسرائيليون يتسلّلون إلى داخل الأراضي اللبنانية المحرّرة، في هذا القطاع أو في غيره، غالباً عند الفجر، لتنفيذ عمليات بحث أو تفجير تطال أبنية سكنية غير مأهولة.
في معظم الأحيان، يستغل الإسرائيليون الظلام الدامس للتسلّل نحو الأراضي اللبنانية، معتمدين على مسالك ترابية بعضها يقع بين نقاط الجيش. يستخدم الإسرائيليون معدات تتيح لهم التنقّل بصمت في العتمة، مستعينين بمناظير ليلية متطورة، وأجهزة تشويش إلكتروني وبطائرات مسيّرة تحوم فوقهم وأمامهم لتأمين المسالك. وفي بعض الحالات، كان يُكتشف التسلّل بعد حصوله، ما يدفع الجيش إلى التوجّه نحو المسلك المعتمد لإقفاله عبر استحداث نقاط عسكرية جديدة وتكليف جنود بمهام الرقابة والاستطلاع، ثم إبلاغ قوات الأمم المتحدة بالخرق وبالنقطة التي جرى بناؤها. وفي أحيان أخرى، كادت بعض الاحتكاكات عقب اكتشاف تسلل جنود إسرائيليين أن تتطوّر إلى اشتباك وهو أمر يبقى حدوثه محتملاً، لولا تدخّل قيادة الجيش بالتنسيق مع «اليونيفيل» لإجبار الإسرائيليين على التراجع.
مهمة شاقة تزيد من عملية إستنزاف الجيش الذي إلى جانب مهمته العسكرية ثمة عمليات ذات بعد إنساني يقوم بها كمواكبة زوار البساتين والمنازل المدمرة وصولاً لتأمين صهاريج المياه! ازاء ذلك، لا ينبغي فهم هذا الواقع على أنه غياب رغبة لدى الجيش في التصدّي للتسلّلات أو تفضيل تمريرها بأقل أضرار ممكنة، بل إن المشكلة تكمن في نقص القدرات التقنية واللوجستية. وهو ما يفرض عليه، في كثير من الأحيان، اللجوء إلى «اليونيفيل» لإجبار الإسرائيليين على التراجع.
بين القتال والانتحار
تفصل بين الانتحار والقتال شعرة رفيعة. هذه وضعية جنود الجيش عند تخوم الجبهة الأمامية، حيث يواجهون تحديات عسكرية دائمة. صحيح أن السلطة السياسية، عبر توجيه من رئيس الجمهورية إلى قائد الجيش، طلبت التصدّي للتوغلات الإسرائيلية عقب حادثة استشهاد شرطي بلدي داخل مبنى بلدية بليدا، إلا أن هذه المطالب لم تُقرن بتزويد الجيش بالقدرات العسكرية اللازمة وحتى الأوامر المباشرة. وبذلك، بات التصدّي، في ظل وجود نقاط ومراكز عسكرية مكشوفة للجيش في المنطقة، أقرب إلى الانتحار حرفياً، إذ يمكن لإسرائيل، في حال تكبّدت خسائر في صفوفها، أن تجد أهدافاً جاهزة لضربها فوراً. فالدولة التي لم تستطع تحمّل دماء ستة جنود سقطوا أثناء تفكيك مخزن سلاح في وادي زبقين، هل بمقدورها تحمّل دماء عشرات الضباط والجنود الذين قد يسقطون نتيجة مغامرة خاسرة، ولو كان هدفها سامياً ويتمثّل في الدفاع عن الأرض؟
إنتاج نظرية ردع!
مفهوم الردع الوحيد الذي يمارسه الجيش حالياً، يتمثّل في تكثيف الانتشار العسكري، وتعزيزه في مواقع متقدمة وأمامية عند قرى الحافة كمحاولة منه لقطع الطريق على الإسرائيليين.
وقد لمست قيادة الجيش، التي أوعزت بتنفيذ هذه المقاربة، رغبة لدى الميكانيزم في تجنّب الاحتكاك العسكري مع الإسرائيليين. بل إن جنود الجيش لمسوا، في بعض الحالات، عدم رغبة لدى الجيش الإسرائيلي في مواجهة عسكرية مفتوحة معهم، ليس خشية من الجيش اللبناني بحد ذاته، بل لدوافع سياسية تتصل بالرغبات الأميركية، التي ترى في الجيش شريكاً لا ينبغي إزعاجه جنوب الليطاني، طالما أن الهدف من انتشاره يتمثّل في إبعاد حزب الله عن الحدود وتثبيت ما يُسمّى دعائم الدولة.
فكرة شائكة ومربكة، صحيح، لكن الوقائع فرضتها. كأننا أمام قواعد فضّ اشتباك غير معلنة تسري على طول الحدود الممتدة لنحو 120 كيلومتراً، من دون اتفاق مباشر عليها، ومن دون أن يعني ذلك أن الإسرائيليين تخلّوا عن نهج التضييق على نقاط الجيش في كثير من الأحيان.
عمليات جنوب الليطاني مستمرة
عملياً، يواصل الجيش اللبناني عمله جنوب الليطاني، كما تواصل الميكانيزم التنسيق معه وتفعيل آلية التواصل مع جيش الاحتلال. وخلال الأيام الماضية، زوّدت الجيش بنحو 190 هدفاً محتملاً مصدرها معلومات مزعومة قدّمها جيش الاحتلال، غالبيتها مواقع ومنازل. وقد قام الجيش بفحصها على مدى أيام، ليتبيّن أن نسبة كبيرة منها تعود لمنازل مدنيين، ما أسفر عن إخراج هذه المواقع من لائحة الأهداف العسكرية، وهكذا تستمر اللجنة في محاولة منع قصف مواقع جنوب النهر، من دون أن ينسحب ذلك على شماله.
هذا الواقع يؤكّد أن المهام العسكرية جنوب الليطاني لم تنتهِ، خلافاً لما يُروَّج إعلامياً. ولهذا، يخطّط الجيش حالياً لرفع عديده في هذا القطاع إلى 15 ألف عنصر، بعدما بات العدد الحالي يقارب 12 ألفاً. وبذلك، بات قطاع جنوب الليطاني، إلى حدّ ما، جيشاً داخل الجيش، وإن كان خاضعاً بطبيعة الحال لقيادة اليرزة، مع تمتّعه بهامش واسع من الاستقلالية. وهي معادلة قد تفضي لاحقاً، بحكم الأمر الواقع وطبيعة المهمة، إلى تحويل قيادة القطاع من مجرد قيادة ميدانية إلى فرقة عسكرية، تُعدّ الأكبر ضمن الجيش، وتتولى قيادة المنطقة وتخضع لها جميع القوى العسكرية المنتشرة فيها.
توسيع رقعة العمل
ليس سراً أن البحث بدأ منذ فترة في احتمال توسيع رقعة عمل قيادة قطاع جنوب الليطاني، وصولاً إلى تكليفها مهام شمال النهر. ويتطلّب ذلك قراراً من قيادة الجيش بتعزيز المهمة، مرفقاً بقرار من مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الدفاع. فكرة قيد البحث، تنطلق من نجاح القطاع في حصر السلاح من دون «ضربة كف»، ومن استمراره في بناء علاقة متينة مع الأهالي، بل الاستثمار فيها. وقد شكّل ذلك موضع اعتراف واضح من ضباط أميركيين يزورون المنطقة دورياً، ويؤكدون، خلافاً لما يُروَّج، نجاح الجيش في تنفيذ مهمته.
الجيش بدلاً من اليونيفيل؟
رغم كل ما سبق، تبقى قضية أساسية يتعامل معها الجيش جنوب الليطاني بحساسية عالية، وتتصل بقرب انتهاء مهمة قوات «اليونيفيل» أواخر العام الحالي، وفق قرار مجلس الأمن. عملياً، يُفهم أن طلب الجيش رفع عديده يندرج في إطار ملء الفراغ الذي قد ينجم عن انتهاء تفويض القوات الدولية. وبالتوازي، فُتح النقاش على مصراعيه بشأن احتمال تفويض قوات أوروبية البقاء في جنوب لبنان كقوة مراقبة. غير أن حسم هذا الخيار لا يزال مبكراً، نظراً للتعقيدات التقنية والسياسية، واحتمال اعتراض دول كبرى داخل مجلس الأمن، حيث قد يواجه أي قرار من هذا النوع فيتو ثلاثياً روسياً–أميركياً–صينياً، في ظل عدم رضا هذه الدول عن وجود قوات أوروبية على الأراضي اللبنانية.
أمام هذه المعضلة – وفق توصيف المستوى السياسي اللبناني – تبرز حلول يُعتقد أن الأميركي المشارك في الميكانيزم قادر على توفيرها، انطلاقاً من رغبته في عدم بقاء قوات متعددة الجنسيات جنوب لبنان.
في الواقع، لم يعد هذا الموقف سراً، إذ عبّرت عنه مستويات أميركية لمسؤولين لبنانيين، في ما فُهم على أن واشنطن تسعى إلى إنهاء كامل «تركة» القرار 1701، وإعادة السلطة كاملة إلى الجيش اللبناني جنوب الليطاني، ولكن تحت المظلّة الأميركية عبر «الميكانيزم». وفي هذا السياق، بدأت تُطرح أفكار تقوم على الاعتماد على مراقبين دوليين موجودين حالياً بأعداد محدودة ضمن فرق مراقبة خط الهدنة. ما يعني أن لبنان قد يكون مقبلاً على بديل لـ«اليونيفيل» يتمثّل بمراقبين أجانب فقط، وهو ما قد يُدرج في إطار محاولة إحياء اتفاق الهدنة. إلا أن ذلك قد يفتح عملياً الباب أمام توسيع خط الجبهة ليشمل تداخلاً مع الجولان، في إطار ما يُفهم منه توحيد المسارات بين لبنان وسوريا، وهي مقاربة بدأت واشنطن تعتمدها منذ فترة.
أبراج المراقبة مرة أخرى
إلى جانب ذلك، ثمة أفكار أخرى قيد البحث لسدّ الفراغ المحتمل الناتج عن خروج القوات الدولية، أبرزها زيادة عدد أبراج المراقبة، وهي فكرة بريطانية قديمة دُعمت سابقاً، وتقضي بإقامة أبراج على طول الحدود الجنوبية، شبيهة بتلك المنشأة على الحدود الشرقية. حتى اليوم، جرى استحداث ستة مواقع تضم أبراج مراقبة، تقع ضمن مواقع عسكرية لبنانية وليست مستقلة عنها. إلا أن المفارقة تكمن في أن هذه الأبراج بُنيت من دون تزويدها بالتقنيات البرمجية الحديثة التي كان يفترض بالولايات المتحدة تمويلها. ولاحقاً، تبيّن أن واشنطن غير متحمّسة لهذا المسار، بل إنها قررت، على الأقل خلال العام الحالي، تجميد تقديم أي مساعدات عسكرية ضخمة واستثنائية للجيش اللبناني جنوب الليطاني، متذرّعة بأسباب تقنية تتصل بآليات الإنفاق في وزارة الدفاع الأميركية، وبما تبقّى متاحاً من اعتمادات. وعملياً، يقتصر البحث الجاري حالياً، على هامش زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، على مساعدات محدودة تتصل ببرامج وزارة الخارجية الأميركية لمكافحة الإرهاب.
ويشمل هذا الجمود أيضاً مراكز الرصد المتطورة التي أُنشئت في مقار الجيش جنوب الليطاني، والمتصلة بتجميع وتحليل البيانات، والتي كان يُفترض أن يبدأ تشغيلها مع مغادرة قوات الأمم المتحدة وبعد استكمال تزويد الجيش بالمعدات من بينها طائرات مسيرة .
