بكلمة مكتوبة، أوجز رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد زيارته إلى بعبدا، حيث استقبله رئيس الجمهورية جوزاف عون، بالقول إنه "لقاء صريح ومسؤول"، ليُبدي حرص حزب الله "على التفاهم والتعاون"، ثم أكد أن حزب الله معنيّ "بالحفاظ على مناخ الوحدة، لا سيما ما هو مرتبط بإنهاء الاحتلال، بعيدًا من المزايدات".
وللجملة الأخيرة أبعادها وتفاصيلها التي تقصد رعد إثارتها والتوقف عندها ليس في البيان فحسب. جاء اللقاء بقوة دفع من رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي نصح الطرفين باستمرار التواصل وعدم القطيعة. حضره الدكتور أحمد مهنا والمستشار الخاص لرئيس الجمهورية العميد أندريه رحال، وهما اللذان عملا بلا انقطاع على ترتيب موضوعات البحث طوال الفترة الماضية.
ليست كمجرد صورة
وللمرة الأولى تُنشر صورة رباعية لتضع حدًّا لكل ما أُثير من لغط بشأن قنوات التواصل بين بعبدا وضاحية بيروت الجنوبية. على امتداد ساعة ونصف الساعة استغرق لقاء رئيس الجمهورية مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة. كان لقاءً مريحًا لكلا الطرفين، سادته الصراحة والمصارحة.
احتل الوضع في الجنوب مجمل البحث، إلى العلاقة الثنائية بين طرفين تجمعهما مقاربة واحدة حول مصلحة البلد والمخاطر المحيطة. كان رعد صريحًا وواضحًا خلال الجلسة، وقد تبادل مع رئيس الجمهورية الرأي حول المرحلة المقبلة وما الذي يستوجب فعله.
"جاهزون للتفاهم"، قال رعد لرئيس الجمهورية، ليشكّل هذا عنوانًا للنقاش حول موضوع الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب ومهام الجيش بشأن حصرية السلاح في شمال الليطاني بعد الانتهاء من جنوبه. أبدى موفد حزب الله استعدادًا للتعاون بناءً على تجربة جنوب الليطاني، قائلاً: لقد أنجز الجيش مهامه في جنوب الليطاني، ويفترض أن تقوم إسرائيل بخطوة بالمقابل بأن توقف عدوانها وتنسحب من النقاط التي تحتلها، قبل الحديث عن المرحلة الثانية في شمال الليطاني، خصوصًا أن لبنان يقدّم المزيد من التنازلات من دون مقابل.
أعاد رعد التأكيد لعون أن حزب الله التزم بقرار وقف النار والاتفاق الذي انبثق عنه، بينما لم تلتزم إسرائيل بتنفيذه وتستمر بانتهاكه يوميًا. وأكمل رعد: إن قرار السلم والحرب بات بيد الدولة، ونحن نقف خلف ما تقرّره الدولة، ولكن إسرائيل تستمر في حربها، ويجب على لبنان إلزامها تطبيق الاتفاق ووقف العدوان. وتابع: جاهزون للحوار بشأن حصرية السلاح بالدولة، ولكن لا يمكن الانتقال إلى شمال الليطاني بينما إسرائيل لم تقدّم للبنان أي خطوة من قبلها.
اتفق عون مع رعد على أن المطلوب في نهاية المطاف "مصلحة شعبنا وأهلنا في الجنوب، وقد آن الأوان لينعموا بالاستقرار، ونشهد إعادة إعمار، ونريح الوضع ليرتاح العالم، وهذا شرطه وقف الخروقات الإسرائيلية المتكررة، وهذا ما يعمل عليه لبنان".
وتطرق المجتمعون إلى الوضع في المنطقة والحرب الأميركية المحتملة على إيران، فأوضح رعد أن حزب الله غير ملزم بالقرار الإيراني بشأن الحرب، وأن كلام الأمين العام الشيخ نعيم قاسم لم يعنِ مساندة إيران بالحرب بالشكل الذي تم تظهيره.
وفي الشأن الانتخابي، أكد الطرفان ضرورة إجراء الاستحقاق في موعده الدستوري.
خلفيات الزيارة وأبعادها
بعد البرودة التي سادت، لم يكن حزب الله يرغب في مجرد لقاء مجاملة في وقت يعيش فيه البلد أيامًا مصيرية وحساسة تتطلب موقفًا ثابتًا وصريحًا، وقد سبق أن لُدغ في السابق مما اعتبره وعودًا لم يتم الإيفاء بفحواها.
شهدت الفترة الماضية تباينًا في المواقف بين عون وحزب الله، وشكّلت لدى كل طرف انزعاجًا وفتورًا في علاقته مع الطرف الآخر. كان حزب الله يرى أن توقيت الزيارة إلى بعبدا مرتبط بتوافر مقدمات لنجاحها كي لا يكون مجرد لقاء عابر، خصوصًا وأن البلد أمام لحظة مفصلية، ولا خطوات تراجعية من قبل المقاومة، لأن القرار 1701 ومندرجاته واضحة.
كما أن التزام حزب الله باتفاق وقف النار لم تقابله أي خطوة مقابلة من قبل إسرائيل، ولم يتم تفعيل دور الميكانيزم بما يمنع حصول الانتهاكات، فضلًا عن استمرار وجود أسرى في سجون الاحتلال، وهو ما يعتبره حزب الله غير مبرر، فضلًا عن استمرار الاحتلال والعدوان والدمار اليومي للقرى الجنوبية وعدم الشروع بورشة الإعمار. ملفات يعتبرها حزب الله ملحّة.
ضمنًا، يأخذ على الدولة عدم اتخاذها موقفًا ينهي حال الحرب الإسرائيلية المستمرة والاغتيالات المتكررة للمواطنين. يحرص حزب الله على علاقته برئيس الجمهورية الحريص، من موقعه، على متانة العلاقة مع حزب الله.
جلسة طويلة حضرت خلالها ملفات داخلية ربطًا بالمنطقة، وعلى ضوء الجلسة تقرر عقد لقاءات ثانية تفصيلية. ويبدو أن حزب الله، كما الآخرين، في انتظار ما سينتج عن زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، والمرونة الأميركية التي سيحملها تجاه ملفات الداخل، وضمنًا خطة السلاح شمال الليطاني، ومدى إلزام إسرائيل بوقف العدوان مقابل جنوب الليطاني، ليستكمل بعدها البحث بالمراحل المتبقية.
كان البعض يقول إن العودة في العلاقة إلى مستوى الزيارة مرتبطة بتعهدات معينة وبموقف الرئاسة حول شمال الليطاني، فهل حصل اللقاء مع مندرجاته بحيث سبقته تعهدات معنية أم أنه جاء كمقدمة لمناقشة الأمور الحساسة والأساسية التي يمكن أن تستشف من خلال ما ورد في كلمة رعد الذي تحدث عن إيجابية وحرص على الاستقرار وأكد أن المشاورات مستمرة؟ اللقاء اتسم بالصراحة والوضوح ولكن وعلى ما يبدو فإن الكلمة الفصل ستكون بعد عودة قائد الجيش من واشنطن وما ستشهده المنطقة.
