في دارة أل سلام في المصيطبة، حيث تختلط الرمزية البيروتية بالسياسة، أعلن الحفيد صائب تمام سلام ترشّحه للانتخابات النيابية عن دائرة بيروت الثانية، في مؤتمرٍ صحافي خال من الأسئلة. "بيروت عم تنادينا، وأنا قرّرت لبّي"، قالها بلهجة مباشرة، قبل أن يضيف: "أنا صائب سلام أعلن ترشّحي عن دائرة بيروت الثانية".
عند دخوله إلى القاعة وقبل الصعود إلى المنبر استئذن الحضور لالتقاط صورة "سيلفي" معهم على سبيل الذكرى. بداية انخراط شبابية وخطوة لها دلالاتها.
تزامناً مع لحظة الإعلان رفع صوت المؤذن لصلاة الظهر. انتظر سلام انتهاء الآذان قبل أن يبدأ كلمته، في مشهد فسره الحاضرون على أنه رسالة احترام للمدينة وطقوسها، و استدعى تعليقا سريعاً من أحدهم: "برافو". تفصيل صغير، لكنه يعكس محاولة رسم صورة المرشّح الذي يعرف جمهوره ويخاطب ذاكرته".
"مدينة تُترك وتنكسر"
قدّم سلام ترشّحه بالقول إنّه يرى مدينته، "مدينة الفكر والعيش المشترك"، تُترك وتُهمل وتنكسر، فيما أهلها تعبوا من الوعود المتكرّرة وسياسات التغييب". خطاب يلتقط مزاجاً بيروتياً عاماً، في لحظة يتراكم فيها الإهمال المزمن، وتتراجع الخدمات الأساسية، ويتقلّص الدور الاقتصادي والاجتماعي للعاصمة.
ضمن هذا السياق، يقدّم سلام مشروعه السياسي على أنّه "واضح وغير معقّد، دولة تُدار بالقانون، والناس في صلب أولوياتها". يتحدّث عن تشريعات تحمي تعب المواطنين، وتُحاسب من سرق ومن لا يزال يسرق، معتبراً "أنّ استعادة الدولة لا تبدأ بالشعارات، بل بتطبيق القانون كمدخل وحيد لإعادة الاعتبار للمؤسسات".
يعد بـبيروت مختلفة: مدينة نظيفة، واقتصاد محلّي قادر على تشغيل شبابها، وعمل نيابي لا يكتفي برفع الصوت، بل يسعى إلى تغيير الأداء نفسه: "أنا نازل على المجلس مش لزيد صوت، بل لغيّر أداء"، يقول، في محاولة للتمايز عن نمط نيابي اعتادت عليه العاصمة، حيث الحضور السياسي لا يوازي الفعل، والمواقف لا تُترجم سياسات.
تحالفات بلا أسماء… حتى الآن
في ما يتعلّق بالتحالفات، أبقى سلام مقاربته في إطار عام، من دون الدخول في أسماء أو اصطفافات محدّدة. فتحدّث عن شراكات مع القوى التي تريد لبيروت أن تكون قوية وغير مرهونة، ومع من يسعون إلى دولة تُدار كمؤسسات لا كمزرعة، مؤكّداً انفتاحه على كل من يملك صدق النيّة والجدّية، شرط أن يكون مستعداً للعمل لا للاكتفاء بالشعارات.
وفي هذا السياق، شدّد على أنّ بيروت "لا تحتاج إلى جبهات ومتاريس، بل إلى أكتاف"، داعياً إلى تحالفات تجمع ولا تفرّق، تبني ولا تهدم، وتحمي المدينة من سياسات الزواريب والحسابات الضيّقة.
عزوف سابق… وقرار مختلف اليوم
في خطابه، استعاد صائب سلام إرث العائلة بوضوح، مؤكّداً أنّه ينتمي إلى "بيت سلام، البيت الذي لم يعرف السياسة تجارة، ولا المنصب مكسباً". ومن سليم سلام، إلى صائب سلام، وصولاً إلى تمام سلام، يقول إنهم تعلّموا أنّ "الكلمة موقف، وأنّ المسؤولية شرف، وأنّ خدمة العامة التزام". استحضار هذا الإرث لم يأتِ بوصفه تذكيراً عاطفياً، بل كمحاولة لربط الترشّح الحالي بسلسلة مواقف سياسية لطالما قدّمت نفسها على أنّها خارج منطق الاستثمار الشخصي في السلطة.
من هنا، لا تأتي عودة عائلة سلام إلى الاستحقاق الانتخابي من فراغ. فالعائلة كانت قد عزفت لسنوات عن خوض الانتخابات، وفي عامَي 2018 و 2022، حين قال تمام سلام، في مقابلتين مع "المدن"، إنّه لا ينوي الترشّح ويفضّل ترك المجال أمام جيل الشباب. يومها، بدا القرار أقرب إلى موقف سياسي - أخلاقي، في لحظة انهيار شامل وتآكل واسع في الثقة بالطبقة السياسية.
وعلى الرغم من أنّ صائب سلام أنهى خطابه من دون فتح باب الأسئلة، موضحاً عبر المستشار الإعلامي لتمام سلام أنّ المؤتمر مخصّص حصراً لإعلان الترشّح، على أن يُنظَّم لقاء لاحق للإعلام، فإنّ المشهد لم يُقفل عند هذا الحد.
وما تجنب الابن قوله، ربما قاله الأب تمام سلام الذي حضر إلى القاعة، وتولى الإجابة على أسئلة الصحافيين. وردّاً على سؤال "المدن" عما سيحمل إبنه (جيل الشباب) اليوم من جديد، قال: "بدنا ننتظر ونشوف. هيدا تحدّي، والتحدّي بدّو أكتاف. إن شاء الله ربنا يقدّروا ويعمل الفرق، لراحة وعزّ أبناء بيروت".
من اعتكاف 1984 إلى ترشّح 2026
اليوم، تبدو الحسابات مختلفة. في بيت سلام، ثمة من يعتبر أن بيروت عاشت في السنوات الماضية حالة ضياع في التمثيل السياسي. صحيح أن وجوهاً جديدة دخلت البرلمان، لكن ذلك لم يترجم بالضرورة استعادةً لدور العاصمة أو وزنها. من هنا، يبرز منطق يقول إن العائلات السياسية، كما القوى الجديدة، قادرة على إنتاج شخصيات مختلفة، شرط أن تلتقط اللحظة السياسية وتقرأ التحوّلات.
في الذاكرة البيروتية، لا تزال محطة عام 1984 حاضرة. يومها، وبعد سقوط بيروت بيد الميليشيات وهيمنة منطق الحرب، أعلن صائب سلام اعتكافه السياسي وغادر المدينة، احتجاجاً على انهيار الدولة وتحوّل السياسة إلى صراع مسلّح.
اليوم، يعود الحفيد في لحظة مختلفة شكلاً، لكنها تحمل في جوهرها أسئلة مشابهة: دولة تتآكل، مدينة تُهمَل، ومنطق حرب يُستعاد بأشكال سياسية واقتصادية مختلفة. من هنا، يقدّم صائب سلام ترشّحه كمحاولة للخروج من هذا المسار وفتح أفق سياسي جديد.
