خمس سنوات على قتل لقمان سليم: لماذا الاغتيال السياسي؟

لقمان سليم.jpg
مارس مناصرو حزب الله بحق سليم ترهيباً واسعاً قبل اغتياله (الأرشيف)
حجم الخط
مشاركة عبر

في مثل هذا اليوم (4 شباط)، قبل خمس سنوات، حدث اغتيال المثقف والباحث والناشط السياسي لقمان سليم.  

 

"لمصلحة من كل هذا؟"، يتساءل بعض المعترضين على اتهام حزب الله والنظام السوري بتنفيذ تلك الاغتيالات المتتالية في أثناء تصفية غالبية القادة المؤثّرين في قوى 14 آذار. وغالباً ما ينزلق النقاش نحو سرديات "المؤامرة الكبرى" التي تُفسَّر من خلالها مفاعيل العنف بوصفها أدوات بيد "مشجّعي التحريض"، أي الولايات المتحدة وإسرائيل. تكمن خطورة هذا النمط من التفكير لا في كونه يغيّب فاعل العنف السياسي فحسب -القاتل الذي يضع حداً لحياة الناس بكبسة زرّ- بل أيضاً في كونه يطرح سردية ونمطاً تحليلياً يُقصي الضحية من قصّة السرد السياسي نفسه. وهو يلغي، على نحو أوسع، دور الإنسان "العادي" في تشكيل المستقبل السياسي لبلده. فالاغتيال ليس فعلاً اعتباطياً، أو شرارة حرب أهلية مفتعلة من "الخارج"، بل عملية بالغة الخطورة تتطلّب استثماراً وحذراً وموارد كي تنجح. ومن يُقدِم على تنفيذ الاغتيال يدرك تماماً أحد شروط العمل السياسي الأساسية: الجرأة على الكلمة، والاستعداد للمبادرة.

والعمل السياسي الريادي لا "يستفز" منفّذ الاغتيال. فالاغتيال ليس ردّاً "عفوياً غاضباً" على استفزاز. الاغتيال، والعنف السياسي عامةً، هو خطة مدروسة تردّ على خطة مدروسة. الاغتيال هو الجواب "المنطقي السريع" على من يريد تغيير الكوكب بجهده ووقاحته المعلنة أو السرية

 

الهدف الأول: تعطيل "وقاحة المبادرة"

الإنسان هو محور العمل السياسي، وهذه العبارة ليست مجازاً. فكل محطة سياسية هي من صُنع أولئك الذين يمتلكون وقاحة التعبير والاستعداد العملي نحو تغيير موازين القوى. وكل من قُتل في لبنان في سياق صراع سياسي محتدم كان، على اختلاف موقعه، من المبادرين بشراسة إلى التجييش والتنظيم وبناء أدوات مواجهة فعلية. رفيق الحريري وعماد مغنية، وبرغم اختلاف المعسكرات والأدوات، جمعهما الهوس بالمشروع: كسب الحلفاء ضمن دوائر محلية وإقليمية واسعة (دول، عائلات، عشائر، رجال أعمال، مخاتير، صحافيون، وغيرهم) إضافة إلى مراكمة الموارد المالية (أو العسكرية) والخبرة، وصياغة رؤية جذابة وقابلة للاستدامة لجيل شاب متحمّس للسياسة بوصفها فعلاً تحوّلياً. فالعمل السياسي، في جوهره، عمل ريادي شاق، يتطلّب تضحية يومية كبيرة في سبيل تحقيق أهداف قد تبدو بعيدة المنال.

والمبادرة هذه لا تنحصر بثنائية رفيق الحريري وعماد مغنية. سمير قصير، جبران تويني، لقمان سليم، جورج حاوي، مهدي عامل، كامل مروة، حسين مروة، -صحافيون وباحثون وأساتذة وكتّاب- أدّوا أدواراً سياسية مباشرة. ما يجمعهم أولاً هو "وقاحتهم" المعلنة، وانخراطهم في عمل تنظيمي وإعلامي جريء ضمن مؤسساتهم، ثم ممارستهم للسياسة بجدارة وقناعة واضحة في الحيّز العام. وهم، في الوقت ذاته، ليسوا "مشاريع فردية"، بل فاعلون داخل بيئاتهم: بين طلابهم ورفاقهم وزملائهم وقرّائهم. كل واحد منهم كان ابن مدرسة سياسية ملتزمة، وسعوا إلى بناء مؤسسات -إن كانت إعلامية، بحثية، أو سياسية- قادرة على تكريس التمرّد بوصفه قيمة مركزية في التغيير السياسي.

فالإنسان هو محور العمل السياسي، والاغتيال يهدف أولاً إلى إجهاض التمرّد من جذوره، عبر التخلّص من مصدر هذه الروح ريادية جريئة.

 

الهدف الثاني: تعطيل الرأي العام

في قضية لقمان سليم، مارس مناصرو حزب الله بحقه ترهيباً واسعاً، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وُضعت ملصقات على باب منزله تطالبه بالتوقف عن "مهاجمة" الحزب. هنا يُستَخدم خطاب الكراهية لتكوين رأي عام يبرّر الاغتيال، عبر تجريد الضحية من قيمتها الإنسانية، وتصويرها بوصفها عنيفة، غير أخلاقية، وخارج الإجماع، أي شخص "يستحق الإعدام". حتى أكثر الصحافيين شجاعة، حين يعودون ليلاً إلى منازلهم، يضطرون لمواجهة حقيقة أنهم مهدَّدون من قبل منظومة أو جماعة تملك تاريخاً طويلاً من الاغتيالات. هذا الواقع زعزع مجمل النقاش العام في لبنان، وعكس بوضوح كيف أن حزب الله أولاً، والمنظومة الأمنية ثانياً، أخذا البلد بأكمله رهينة الخوف والذعر والتهديد.

وعادة لا تُبنى هذه الحملات فقط للتحريض على الخصم، بل تشكّل أيضاً رسالة مبطّنة إلى جمهور حزب الله نفسه: "من يغرّد خارج السرب، سيتعرّض للتشهير، للاغتيال المعنوي، وربما للاغتيال الفعلي". في هذا السياق، يتحوّل العنف إلى حالة مُطبَّعة، مقبولة، وبل متوقّعة، من دون أي ردّ فعل شعبي يُذكر. فالاغتيال هنا ليس ضربة "خاصة"، بل رسالة عامة مفادها: لا شيء يستحق المخاطرة: "خلّيك عاقل". وتتحوّل الرسالة إلى سلسلة من الوقائع المتداولة، وقد تُطرح بشكل فكاهي "يلا ناطرك الإنفوي/ envoy".

 

الهدف الثالث: تطبيع "المعرفة الكاذبة"

حصار. خيانة. سفارات. عروبة. تحرر. ذلّ. مقاومة. استكبار. كرامة. استهداف. أصالة.

مصطلحات باتت جزءاً من وعينا السياسي المعاصر: نشأت أولاً كردٍّ على هيمنة الاحتلالات والحروب والاستغلال، ثم تحوّلت لاحقاً إلى "سلّة معرفية" توظّفها الأنظمة والميليشيات للحفاظ على ما تعتبره حقّها في القتل. من كامل مروة إلى سمير قصير إلى لقمان سليم، تتكرّر التبريرات نفسها، وتُعاد إنتاج المعرفة الناقصة ذاتها، الهادفة إلى صناعة رأي عام مُكبَّل و"عاطل عن العمل".

مثال آخر هو قضية انفجار المرفأ والقاضي طارق البيطار، وهو قاضٍ محقق تعهّد بكشف حقيقة التفجير. لكن الطبقة السياسية عموماً آنذاك، وحزب الله خصوصاً، يحاولون إسكات هذا التحقيق باستخدام أدوات متعددة، منها الإعلام. في السنوات الأخيرة، وظّف حزب الله صحافيين وناشطين ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي للكتابة ضد القاضي البيطار واتهامه بالتسييس، والقول إنه سيكشف معلومات مزيفة ولن يقدّم تقريراً موضوعياً. لذلك، مهّد الزعيم الطريق بخطاب علني لجمهوره، يقول فيه إن شخصاً ما يجب إقصاؤه، لأنه يشكّل تهديداً، ولأنه قد يكون خائناً. وفيما يخص عمل القاضي الحالي، يُقدَّم الأمر على أنه عمل استدعاء وتسوية سياسية.

ثم يتكرر ذلك على ألسنة المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام وسم مثل: "البيطار_يلعب_بالنار، البيطار قاضٍ مسيّس". الهدف هو تدمير صورته عبر اغتيال معنوي مقصود وهادف. نرى هذا يُنفَّذ على ثلاثة مستويات مختلفة: قد يكون مجرد ناشط يدعم حزباً سياسياً، أو صحافياً يكتب عموداً في وسيلة إعلامية رئيسية، ثم هناك أداة أخطر وأكثر جدية تستخدمها اليوم أحزاب سياسية مختلفة، وهي "الجيش الرقمي".

 

مثال آخر هو ما حصل مع الممثل حسين قاووق، والمخرج محمد دايخ بعد عرض كوميدي ينتقد فيه الأحزاب اللبنانية، حيث اتهمته صحيفة لصيقة بحزب الله على أنه يهدّد بيئة المقاومة، بعدما تهكّم على تقاضي عناصر حزب الله أجورهم بالدولار. ما جرى مع حسين ومحمد ليس سجالاً فنياً، بل تهديد مباشر وحملة كراهية وصلت إلى التحريض على القتل. الخطورة الحقيقية أن كليهما من سكان الضاحية الجنوبية، أي أن الخطر عليهما يومي وقريب وغير قابل للاحتواء. استخدام لهجة أبناء الجنوب أو الضاحية جرى تصويره كجريمة سياسية، وتحويل النقد إلى "خيانة". هكذا تُستخدم الشيطنة كسلاح، لا لإسكات رأي فقط، بل لتعريض أشخاص حقيقيين لخطر فعلي.

في سياقنا الحالي، فإن رفض هذه المعلومات الزائفة، ورفض الاغتيال السياسي والمعنوي، ورفض تأسيس الخوف كخطاب سائد، لا يعني استهداف فريق سياسي يتعرض لحملة عسكرية إسرائيلية عنيفة وظالمة. بل إن هذا الرفض يعتبر شرطًا أساسيًا لإزالة الحواجز التي تؤدي إلى شيطنة الآخرين، وللبناء على أرضية مشتركة تعطي الأولوية لحياة الإنسان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث