فجأة، ومن دون تحديد مواعيد مسبقة، حصل اللقاء الذي تترقبه الأوساط السياسية بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وحزب الله. وقام رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد بزيارة قصر بعبدا مساء اليوم، في ما يمكن اعتباره لقاء كسر للجليد مع رئيس الجمهورية. وحضر اللقاء الدكتور أحمد مهنا والمستشار الخاص لرئيس الجمهورية العميد أندريه رحال.
وكان لافتاً أن رعد تلا بياناً مكتوباً بعد الاجتماع، جاء فيه: "حريصون على التفاهم والتعاون لما فيه تحقيق أهداف اللبنانيين جميعًا، وتولّي الدولة مسؤولية السيادة، ومساندتها عند الاقتضاء". وأضاف: "لكلٍّ، من موقعه، الحق في التعبير عن وجهة نظره وموقفه"، معتبرًا أن "أقوَمَ المواقف هو ما يجمع، وأرجَحَ التفاعلات هو ما ينطوي على الواقعية والإيجابية والنصيحة". وأضاف: "اللبنانيون اليوم معنيون، أولًا وقبل أي شيء، بالحفاظ على مناخ الوحدة والتماسك فيما بينهم، ولا سيما ما هو مرتبط بإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة بعيدًا عن المزايدات". وأكد الاتفاق على استمرار التواصل.
"فوبيا" الانتخابات
وبينما تقرع طبول الحرب في المنطقة ولبنان، وتتصاعد الضّغوط الدّوليّة لنزع السّلاح، بدأت تهبّ على السّاحة الداخليّة "فوبيا انتخابيّة". ووجدت القوى السّياسيّة نفسها أمام استحقاقٍ يتسبّب لها بإرباك، وقد يقلب الطّاولة. ولذلك، سارعت إلى تحرّكاتٍ لجسّ النبض، في محاولة لتركيب تحالفاتٍ أو "شبه تحالفات" تهدف إلى تأمين المصالح أو حجز الأماكن قبل فوات الأوان.
على إيقاع هذا القلق، ظهرت اليوم إشاراتٌ سياسيّةٌ متقاطعةٌ، بين زيارة موفد "القوّات اللّبنانيّة" إلى الرّئيس جوزاف عون، وحراكاتٍ أخرى معلنةٍ وخلف الجدران، فيما تبدو القوى كأنّها تحصّن مواقعها سلفًا، لا استعدادًا لمعركةٍ انتخابيّةٍ فقط، بل خوفًا من مفاجآت الداخل وتقلّبات الخارج معًا.
في وقتٍ يحتدم فيه صراع "القوّات اللّبنانيّة" مع "التّيّار الوطنيّ الحرّ" على السّاحة المسيحيّة، بدت زيارة الموفد إلى بعبدا محاولةً لتثبيت تموضعٍ سياسيٍّ عنوانه الالتصاق بمؤسّسات الدّولة، ولا سيّما الرّئاسة والجيش، بما يتيح لـ"القوّات" حشد جمهورها تحت شعار الاستقرار، وتحويل الاستحقاق إلى معركة "شرعيّة" بوجه أيّ تسويةٍ تفرغ الانتخابات من معناها.
اللّايقين هو الوقود
السّبب الحقيقيّ وراء قلق الأطراف كافّةً هو اللّايقين. فالجميع يعرف أنّ الانتخابات مرشّحةٌ جدّيًّا للتأجيل، أشهرًا أو عامًا أو اثنين، لكنّ الجميع يريد التّحوّط من احتمال إجرائها في موعدها من دون استعدادٍ، فيتعرّض لـ"الغدر" والخسارة. والأخطر، للمرّة الأولى منذ عقود، أن الأحزاب تدخل الانتخابات وهي عاجزةٌ عن التنبّؤ بسلوك الناخب بدقّة، ما يجعل الحراك السّياسيّ المحموم أقرب إلى "إدارة خوف" منه إلى دليلٍ على حيويّةٍ ديموقراطيّة. وفي الواقع، تحاول الأطراف اللّبنانيّة كلّها رسم خرائط طرقٍ بديلةٍ، ليس فقط للفوز بالمقاعد، بل لضمان بقائها في مواجهة رياح التغيير الإقليميّة والدّوليّة.
القوات ترفض التأجيل وإعلان ترشّحٍ بيروتيّ
وأكّد عضو كتلة "الجمهوريّة القويّة" النائب ملحم رياشي، موفدًا من رئيس حزب "القوّات اللّبنانيّة"، من قصر بعبدا، أنّ "القوّات اللّبنانيّة متضامنةٌ مع الرّئيس جوزاف عون في إجراء الانتخابات النيابيّة في موعدها المحدّد، ولن نقبل بأيّ تأجيلٍ، حتّى ولو كان تقنيًّا، لأنّه لزوم ما لا يلزم".
في المقابل، أعلن الحفيد صائب تمام سلام ترشّحه للانتخابات النيابيّة عن دائرة بيروت الثانية، في مؤتمرٍ صحافيٍّ خالٍ من الأسئلة. "بيروت عم تنادينا، وأنا قرّرت لبّي"، قالها بلهجةٍ مباشرة، قبل أن يضيف، "أنا صائب سلام أعلن ترشّحي عن دائرة بيروت الثانية".
دعمٌ مشروطٌ والانتخابات في قلب النقاش
وتكتسبت هذه الأجواء مزيدًا من الأهميّة في ظلّ "اليوم اللّبنانيّ الطّويل" في واشنطن، حيث أجرى قائد الجيش العماد رودولف هيكل سلسلة لقاءاتٍ عسكريّةٍ وأمنيّةٍ في البنتاغون، أعقبتها لقاءاتٌ مع ممثّلين للحزبين الجمهوريّ والديموقراطيّ في الكونغرس.
وواصل قائد الجيش العماد رودولف هيكل، اليوم الأربعاء، سلسلة لقاءاته في العاصمة الأميركيّة واشنطن، حيث يحمل اليوم طابعًا يتجاوز البروتوكول، وفق ما أشارت تقارير. وكانت البداية مع لقاءٍ أمنيٍّ جمعه برودي عطالله، المستشار الحكوميّ الخاصّ المعنيّ بملفّات التهديدات العابرة للحدود ومكافحة الإرهاب، وماكس فان أميرونغن، مدير ملفّ تمويل مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القوميّ الأميركيّ.
في الكونغرس، يلتقي هيكل النائب دارين لحّود، العضو في لجنة الاستخبارات ولجنة "Ways and Means" المؤثّرة في مسارات التمويل، قبل أن يجتمع بالسيناتور إليسا سلوتكن، العضو في لجنتي القوّات المسلّحة والأمن الداخليّ، حيث يتوقّع أن يبرز ملفّ الاستقرار الحدوديّ ودور الجيش في منع أيّ تصعيد.
ومن بين المحطّات الأكثر حساسيّة، اجتماعٌ أمنيٌّ مغلقٌ داخل مقرّ وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة "CIA"، حيث تعقد عادةً لقاءاتٌ بعيدةٌ عن الإعلام لتبادل التقييمات الأمنيّة وقراءة الأخطار الإقليميّة. بعدها يعود قائد الجيش إلى الكونغرس لاجتماعاتٍ مع رئيس لجنة الشؤون الخارجيّة براين ماست والنائب غريغوري ميكس، في رسالة دعمٍ عابرةٍ للحزبين الديموقراطيّ والجمهوريّ لاستقرار لبنان واستمراريّة المساعدات.
وتتواصل الجولة بلقاء النائب أبراهام حمادة، العضو في لجنة القوّات المسلّحة، قبل أن تختتم بسلسلة اجتماعاتٍ مع السيناتور جين شاهين، المعروفة بدورها في لجان الدّفاع والخارجيّة والاعتمادات، والسيناتور جاك ريد، أحد أبرز الأصوات في لجنة القوّات المسلّحة والاستخبارات، حيث تتركّز النقاشات على استمراريّة التمويل العسكريّ وشروطه.
جلسة الاستماع في الكونغرس
وبالأمس، تزامنت لقاءات قائد الجيش في واشنطن مع انعقاد جلسة استماعٍ في الكونغرس الأميركيّ تحت عنوان "السياسة الأميركيّة تجاه لبنان، العقبات أمام تفكيك قبضة حزب الله على السّلطة". وتضمّنت الجلسة مداخلاتٍ لنوّابٍ ومسؤولين سابقين، من أبرزهم النائب الأميركيّ مايك لولر الذي تحدّث عن فرصةٍ تاريخيّةٍ لإضعاف نفوذ حزب الله، وديفيد شينكر الذي حذّر من استمرار التهديد الذي يمثّله حزب الله، داعيًا إلى ربط الدّعم الأميركيّ للجيش بتقدّمٍ فعليٍّ ضدّ نفوذ الحزب، ودانا سترول، نائبة وزير الدّفاع الأميركيّ لشؤون الشرق الأوسط سابقًا، التي دعت إلى ربط دعم الجيش بالأداء والشفافيّة، وإلى التدخّل سياسيًّا لدعم انتخاباتٍ تنتج طبقةً سياسيّةً مختلفة.
إسرائيل تستحدث منصبًا "درزيًّا"
في سياقٍ موازٍ يحمل دلالاتٍ حسّاسة، عيّن الجيش الإسرائيليّ الجنرال غسّان عليّان في منصبٍ مستحدث، وهو منسّقٌ في القيادة الشماليّة للعمل مقابل الدّروز في الشرق الأوسط، خصوصًا في لبنان وسوريا، وذلك بعدما أنهى اليوم مهامّه كقائدٍ لوحدة "منسّق أعمال الحكومة في المناطق" المحتلّة، في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.
وأفاد موقع القناة 12 العبريّة بأنّ عليّان سيعيّن منسّقًا في قيادة المنطقة الشماليّة، حيث سيعمل على التواصل مع الدّروز في الشرق الأوسط، سواءٌ في لبنان أو سوريا. وفي إطار منصبه الجديد، سيواصل العمل مع مختلف أجهزة الأمن، إلى جانب قائد المنطقة الشماليّة، بينما سيتولّى منصب منسّق الحكومة الإسرائيليّة يورام هليفي، الذي رقّي قبل أيّامٍ قليلةٍ إلى رتبة لواءٍ في الجيش.
وكقائدٍ لهذه الوحدة، كان لعليّان دورٌ بارزٌ في حرب الإبادة على غزّة، من خلال منع إدخال موادّ غذائيّةٍ وطبيّةٍ ومساعداتٍ إنسانيّةٍ مختلفةٍ وطواقم إغاثةٍ إلى قطاع غزّة، وسيستمرّ، وفق القناة 12، بالعمل مع قائد القيادة الشماليّة للجيش ضمن منصبه الجديد، مع جميع الجهات الأمنيّة الإسرائيليّة.
وقال عليّان في خطاب توديع المنصب الذي شغله لمدّة خمس سنوات، "إلى جانب الفخر بالطريق التي سرت فيها، وبما حظيت بفرصة قيادته والمساهمة فيه والعمل من أجله، أشعر بألمٍ شديدٍ وبالحرج كضابطٍ وقائدٍ بسبب الإخفاق على مستوى المنظومة العسكريّة في السابع من أكتوبر 2023. كجيشٍ، لم نف بالتزامنا الأساسيّ بضمان حماية سكّان الغلاف والدّولة بأكملها".
ويأتي المنصب الجديد في سياق ما تزعم إسرائيل أنّه التزامٌ منها بحماية الدّروز في سوريا، وفي توقيتٍ حسّاس، مع تصاعد أصواتٍ داخل جزءٍ من الدّروز المحسوبين على جماعة حكمت الهجري، يردّدون علنًا ولاءهم لإسرائيل ويطلبون مزيدًا من الدّعم، فيما تتّهم إسرائيل بدفعهم نحو الانفصال عن سوريا.
وكان وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس قد قال في آذار الماضي إنّه "كوزير أمنٍ، أقدّم التحيّة العسكريّة لهم على إثر ولائهم وبطولتهم ومساهمتهم في أمن إسرائيل في فتراتٍ صعبةٍ وحاسمة، وسنستمرّ في تعزيزهم وسندافع عن إخوانهم في سورية مقابل أيّ تهديد".
بين "فوبيا" الداخل واشتداد شدّ الحبال الدّوليّ حول السّلاح والدّعم والتمويل، تتحوّل الانتخابات في لبنان إلى صراع أكبر من المقاعد، صراعٍ على الشرعيّة والتموضع، وعلى من يملك القدرة على البقاء حين تتبدّل قواعد اللعبة من حول البلاد.
