بعد حلّ حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ عقب التحرير وإنهاء دوره في سوريا، سقط الغطاء السّياسيّ والتنظيميّ عن فروعه خارج البلاد. وفي لبنان، حاول فرعه برئاسة أمينه العام علي حجازي إعادة إنتاج نفسه عبر الإعلان عن تغيير اسمه إلى حزب "الراية الوطني"، وسط مزاج لبناني متحفّز لإقفال ملفّات الوصاية وفتح باب المساءلة.
وفي هذا السياق، تقدّم النّوّاب أشرف ريفي، وملحم رياشي، وإلياس خوري، ونزيه متّى، بتاريخ 2 شباط 2026، باقتراح قانونٍ إلى أمانة سرّ مجلس النّوّاب يرمي إلى حظر "حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ (سوريّا)" في لبنان، وجميع الوسائل المؤيّدة له، على أن يحال إلى اللّجان المختصّة تمهيدًا لمناقشته وإقراره في الهيئة العامّة. وعقد النّوّاب الأربعة قبل ظهر اليوم الأربعاء مؤتمرًا صحافيًّا في مقرّ المجلس النّيابيّ لشرح خلفيّات الاقتراح وبنوده.
وفي ردّه على سؤال حول ما إذا كانت هناك اقتراحات أو قوانين أخرى متعلّقة بحلّ الأجنحة العسكرية لتنظيمات معيّنة في لبنان، منها "حزب الله" وتنظيمات أخرى مثل "حماس"، قال النائب أشرف ريفي في رده على سؤال "المدن" إنّ القوانين في أيّ دولة تمنع وجود أيّ سلاح غير شرعي. وأضاف أنّ "النواة الأولى لحزب الله" نشأت "في زمن الوجود السوري" ضمن "المشروع الإيراني"، معتبرًا أنّ معالجة هذا الواقع تمرّ عبر بناء الدولة وإنهاء وضع السلاح غير الشرعي.
وأكد ريفي أن "القانون ينصّ كذلك على تغيير كلّ أسماء الشوارع والأماكن التي تحمل أسماء أيّ من رموز النظام السوري وحزب البعث"، مضيفًا أنّ "هذا النظام السوري الذي مات يجب أن ندفنه في مجتمعنا".
مضمون الاقتراح: حظر الرّموز والموادّ الدّعائيّة
ينصّ الاقتراح في مادّته الأولى على تحريم استعمال أيّ تسمياتٍ أو شعاراتٍ أو رموزٍ أو صورٍ أو أعلامٍ أو موادّ مكتوبةٍ أو سمعيّةٍ أو بصريّةٍ، بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ، ترتبط بحزب البعث (سوريّا) أو بقياداته أو بنظامه، في الأماكن العامّة والخاصة المفتوحة للجمهور، متى كان الهدف التأييد أو التّرويج أو التّسويق أو الدّعاية أو الدّفاع أو التّضامن مع الحزب أو نظامه.
ويحدّد النّصّ نطاق الحظر ليشمل وسائل التّعبير المكتوبة والمرئيّة والمسموعة والرّمزيّة، ويشمل أيضًا الحالات غير المباشرة، بما يعني أنّ الحظر لا يقتصر على اليافطات أو الأعلام، بل يمتدّ إلى الموادّ المنشورة أو المعروضة إذا اعتبرت مندرجةً في خانة التّرويج أو الدّفاع أو التّضامن.
الاستثناءات المشروطة: الثّقافة والإعلام والفنّ
ويستثني الاقتراح الأعمال الثّقافيّة أو الصّحافيّة أو الفنّيّة أو الأدبيّة التي تتناول الحزب في إطار التّأريخ أو التّحليل أو النّقد، لكنّه يربط هذا الاستثناء بشرطين:
أوّلًا، الحصول المسبق على ترخيصٍ رسميٍّ من المراجع الإداريّة والقضائيّة المختصّة.
ثانيًا، ألّا يتضمّن العمل أيّ مضمونٍ ترويجيٍّ أو مخالفٍ للمحظورات.
وبذلك يضع الاقتراح استثناءً ضيّقًا، مشروطًا بإذنٍ مسبقٍ، للأعمال التي تقدّم مقاربةً توثيقيّةً أو نقديّةً، مقابل منع أيّ مادّةٍ تفسّر على أنّها دعائيّةٌ أو تبريريّةٌ.
ترحيل القيادات أو المحاكمة عند الاقتضاء
يتضمّن الاقتراح بندًا يحظر إبقاء قادة ورموز حزب البعث (سوريّا) ونظامه على الأراضي اللبنانيّة، أو توفير أيّ غطاءٍ سياسيٍّ أو قانونيٍّ لهم. كما يلزم الحكومة اللبنانيّة وأجهزتها الأمنيّة والقضائيّة بترحيلهم فورًا إلى خارج البلاد.
ويفتح النّصّ خيارًا ثانيًا في الحالات التي تثبت فيها مسؤوليّاتٌ جزائيّةٌ، إذ ينصّ على محاكمتهم عند الاقتضاء في حال ثبوت تورّطهم بجرائم طالت لبنانيّين داخل لبنان أو خارجه.
الأسباب الموجبة كما وردت في النّصّ
أما الأسباب الموجبة تُلخص مبرّرات الاقتراح بالنّقاط الآتية:
أوّلًا، اعتبار أنّ حزب البعث (سوريّا) ونظامه وقادته وأجهزته ارتكبوا بحقّ لبنان واللبنانيّين جرائم منظّمةً ومتماديةً شملت القتل والخطف والحروب والتّدمير والنّهب على مدى عقودٍ، في إطار احتلالٍ ووصايةٍ قسريّةٍ وانتهاكٍ للسّيادة الوطنيّة.
ثانيًا، اعتبار أنّ الحزب ونظامه شكّلا منظومةً استباحت الدّولة اللبنانيّة ومؤسّساتها ومواردها، واعتدت على أموالها وأموال المواطنين، وفرضت واقعًا قمعيًّا طال اللبنانيّين دون تمييزٍ.
ثالثًا، اعتبار أنّ بقاء أيّ مظهرٍ أو رمزٍ أو تسميةٍ أو نشاطٍ يدلّ على الحزب أو النّظام يعدّ تطبيعًا مع الجريمة وإهانةً للضحايا ومسًّا بالكرامة الوطنيّة والذّاكرة الجماعيّة.
رابعًا، اعتبار أنّ استعمال الشّعارات أو الرّموز أو الصّور أو أيّ وسيلةٍ تدلّ على الحزب أو قادته أو نظامه بقصد التأييد أو التّرويج أو التّضامن أو الدّفاع يشكّل فعلًا تحريضيًّا يشرعن جرائم "ثابتةً وموثّقةً".
خامسًا، الإشارة إلى ما تصفه الأسباب من وقائع انكشفت بعد سقوط نظام حزب البعث في سوريّا أواخر عام 2024، لجهة السّجون والتّعذيب و"ممارسات إبادةٍ" وجرائم منظّمةٍ، وما يترتّب عليها من توصيفاتٍ قانونيّةٍ وسياسيّةٍ.
سادسًا، الخلاصة بأنّ مسؤوليّة المشرّع اللبنانيّ تفرض منع إعادة إنتاج هذا النّظام أو أدواته أو رموزه على الأراضي اللبنانيّة، عبر تدابير قانونيّةٍ "حاسمةٍ" تطوي صفحته، حفاظًا على السّيادة وصونًا للذّاكرة وردًّا للاعتبار المعنويّ للضحايا.
بهذا الإطار، يضع الاقتراح مسارًا تشريعيًّا يتدرّج من حظر الرّموز والتّرويج، إلى حلّ الكيانات والمصادرة، وصولًا إلى إلغاء التّسميات من الفضاء العامّ، مع بندٍ يتعلّق بترحيل القيادات أو محاكمتها عند ثبوت التورّط.
