خمسُ سنوات على اغتيال لقمان. ستُ رصاصاتٍ في الرأس. وهل كان هذا الرأس يحتاج لهذا العدد كي يسكُت ويتوقّف؟ قال لقمان رأياً سياسياً، رأياً مخالفاً، لكنه لم يُغتل لأنّه كان كذلك. أصرَّ لقمان على أن يجعل الخلاف مسألة داخلية، بعيداً من اصطفافها في معسكرين. لربما كان الخطر الذي مثّله يرتكز في مواقفه وحدها، لربما أيضاً في عين الموقع الذي اختاره لنفسه. مفكِّر داخل الجماعة الشيعية، في قلبها بعيداً من هامشها، من دون ادّعاء تمثيلها أو استبدال وصايتها بوصاية أخرى. لهذا كان اغتياله محاولة لإغلاق هذا الموقع ولإسكات صوته.
ما الذي فعله لقمان سليم؟ على مدى سنوات، فكّك العلاقة بين الهوية والسلطة. كان يرفض الفكرة القائلة إنّ الجماعة تُختصر بقيادتها، أو إنّ التمثيل السياسي يمنح حق احتكار الكلام. بهذا المعنى تعدّى مرحلة أن يكون خصماً سياسياً وانتقل إلى رحلة إحداث خلل بنيويّ في نظام التمثيل القائم: مثقفٌ كبير لا يطلب الإذن بالكلام، يبتعد عن البحث عن حماية، وقطعاً لا يُقايض الموقف بالأمان.
فتح لقمان ملف الذاكرة. اختار أن يحفر وينبش في هذا الحيّز. حيِّزٌ لا يمكن حصره في خانة الشأن الثقافي أو التوثيقي، إنما أوصله لقمان على مدى عقود إلى مرتبة أداة الحكم وتوضيحها. سألَ: من يكتب تاريخ الحرب الأهلية؟ من يقرّر ما يُقال عن العنف، وما يُحذف منه؟ ولماذا يُطلب من جماعة بعينها أن تتماهى مع رواية واحدة عن نفسها، تحت ذريعة الخطر الدائم؟ لعله كان يدرك أنّ الذاكرة حين تُدار سياسياً تتحول إلى جهاز ضبط، وأنّ الخروج عنها يُعدّ تهديداً وجودياً.
لم يكن اغتيال لقمان حدثاً أمنياً أو رسالة سياسيّة غامضة. كان فعلاً إجرائياً واضح الوظيفة، ترسيم حدود الكلام داخل الجماعة. ولربما بعده، صار الصمت أكثر انتظاماً، والخوف أكثر عقلانية. لم يَطلُبِ القاتل من الجميع أن يوافقوا على ما لديه في السلّة، إنما نبّههم لأن يعرفوا أين يتوقف السؤال.
المفارقة تكمن في أن اغتيال لقمان لم يؤدِّ إلى إطفاء الأسئلة التي طرحها، إنما أقصى ما فعله هو تأجيلها بالقوة. وهذا التأجيل هو أخطر أشكال العنف السياسي، لأنه يحوّل القضايا العامة إلى محرّمات، ويحوّل التفكير إلى مغامرة فردية مكلفة. هكذا اكشتفنا مع لقمان أنّ الجماعات لا يُديرُها السّلاح فقط، إنّما الإطارُ المرسوم والمحدّدات التي يمكن التفكير فيها، وما يجب اعتباره خارج النقاش.
كان لقمان يعرف أنّ ميزان القوى ليس في صالحه، وأن الثمن سيكون فادحاً. لكنه وقف واستمرّ وراهن على الزمن، وعلى هشاشة أي نظام يُغلق أسئلته بالقوة. فالسؤال الذي يُغتال لا يختفي، إنه يعود. لا يلبث أن يعود في لحظات الانكسار الكبرى، حين تسقط السرديات الجاهزة دفعة واحدة وتنهار. وها هي أسئلة لقمان تعودُ اليوم. هل راهن لقمان سليم على لحظة انتصار؟ هل كان ينتظر تعاطفاً واسعاً؟ الأرجح أنه لا. لقمان وقفَ وقال واستمرّ.
خمسُ سنوات على اغتيال لقمان. وما زلنا نسأل عن المعنى. هل من معنى لتحويل لقمان إلى رمز أخلاقي مريح، أو إلى صورة توافقية خالية من حدّتها. هذا شكل آخر من اغتياله. ما مثّله لقمان منذ زمن هو الإجماع على شخصه وثقافته ومشروعه ورؤيته للبيئة والجماعة وما يجب أن تكون عليه في البلد هذا. سأل لقمان أسئلته، بحث عن الطمأنينة، أين هي؟ وما هو القلق الشيعي الذي أوصلها إلى هنا. سأل وسأل وسأل، ولم يكن جواباً، كان في حدّته شيء من الإصرار على السؤال في المكان الأكثر خطورة.
خمسُ سنوات على اغتيال لقمان. هل نستعيدُه اليوم بالرثاء؟ هل نرثي معه الجماعة المنكوبة؟ استعادتهُ العادلة تكون باستكمال الملف الذي أُغلق بالرصاص. من يملك حق الكلام داخل الجماعة؟ ومن يقرّر سقف السياسة؟ وأي مستقبل يمكن أن يُبنى على ذاكرة مفروضة وخوف مُدار؟ هذه هي التحية الوحيدة التي تليق بلقمان. أما ما تبقّى، فتلكَ طمأنةٌ لا يحتاجها الموتى، إنما الأحياء.
