عون والحزب والسقوف العالية: عروض قوة على وقع تحوّلات الإقليم

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/02/03
` عراقجي ويتكوف(getty)
أي تسوية بين طهران وواشنطن قد تُبرد الجبهة وتُعيد ترتيب الأولويات داخليًا. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

الجميع في لبنان يترقّب مسار المواجهة الإقليميّة، باعتبارها العامل الأساسيّ الكفيل بتحديد الاتّجاه الذي سيسلكه الوضع الداخلي. والمحطّة الأبرز هي المفاوضات المنتظرة في إسطنبول، أو في أي مكان آخر يمكن التوافق عليه بعدما أظهرت طهران رغبتها في تبديل المكان، الجمعة المقبل- مبدئياً- بين وفدي إيران برئاسة وزير الخارجيّة عباس عراقجي والولايات المتّحدة برئاسة موفد الرئيس دونالد ترامب ستيف ويتكوف الذي يصل، وجاريد كوشنير، من إسرائيل، بعد محادثات مع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو وأركان الجيش و"الموساد". ويفترض أن يشارك في لقاء التفاوض ممثّلون عن ستّ دول عربيّة وإسلاميّة هي قطر، باكستان، السعوديّة، مصر، عُمان، والإمارات.

أركان الحكم والقوى السياسيّة، ولا سيّما حزب الله، يترقبون مسار اللقاء بوصفه اختبارًا مزدوجًا، لحدود التسوية بين إيران والولايات المتّحدة، ولاحتمال تحوّل التوتّر إلى ضربة عسكريّة. فالإشارات الصادرة من إسرائيل، من خلال ما يرشح في الإعلام، تحرص على إظهار الشكوك المتزايدة في نجاح المفاوضات، وعلى دفع واشنطن نحو تشدّدٍ يتجاوز الملفّ النووي إلى الصواريخ البالستيّة والنفوذ الإقليمي عبر الحلفاء في دول عدة من الشرق الأوسط، وبينها لبنان. وتميل حكومة بنيامين نتنياهو إلى إبقاء خيار الضربة حاضرًا، باعتباره مسارًا يضمن إضعاف طهران ومنعها من إعادة بناء نفوذها، أيًّا تكن نتائج طاولة المفاوضات.

هذا "الستاتيكو" الإقليمي ينعكس داخليًّا على شكل سباقين متوازيين: سباق رسميّ للتقليل من حدة "الارتدادات" على الجبهة اللبنانيّة ومنع انزلاقٍ لبنان إلى حربٍ واسعة، وسباق سياسيّ ركيزته حزب الله عنوانه تثبيت مواقع القوّة وتفادي صورة التراجع. فالدولة تُفضّل خطاب ضبط الإيقاع وتحصين المؤسّسات، وقد ظهر واضحاً اليوم تمسك الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام بالموقف الداعي إلى حصر السلاح، فيما يُبقي الحزب سقف مواقفه مرتفعًا، كي لا يُقرأ في الداخل والخارج على أنّه في موقع الضعف أو الانكفاء. وعلى الأرجح، يتعامل الجميع مع محطة الجمعة كنقطة فرزٍ أساسيّة.

 

عون: لا حرب جديدة وحصريّة السلاح "لا رجوع عنها"

رئيس الجمهوريّة جوزاف عون شدّد على "العمل مع جميع المعنيّين على عدم استدراج البلاد إلى حرب جديدة"، معتبرًا أنّ اللبنانيّين "لم يعودوا قادرين على تحمّل الحروب"، وأنّ المعطيات الدوليّة تفرض "واقعيّةً ومنطقًا لحماية لبنان". وجاء موقفه خلال استقباله وفدًا من "الجبهة السياديّة" برئاسة النائب أشرف ريفي في قصر بعبدا، حيث ربط "عودة ثقة دول الخارج" بإعادة بناء الدولة على أساس بسط سلطة القانون وتطبيق حصريّة السلاح، واصفًا الأمرين بأنّهما "لا رجوع عنهما"، مع التعهّد بتحقيقهما "بعقلانيّة وواقعيّة ومسؤوليّة".

وفي الشأن الانتخابي، قطع عون الطريق على نقاشات التأجيل، مؤكّدًا الإصرار، مع رئيسَي مجلس النوّاب والحكومة، على إجراء الانتخابات النيابيّة ابتداءً من الثالث من أيّار المقبل، ومعلنًا أنّه "يقف على مسافة واحدة" من المرشّحين، وأنّه لن يتدخّل في التحالفات، وأنّ مهمّته تقتصر على "نزاهة العمليّة الانتخابيّة وأمنها وسلامتها".

 

سلام: السيادة مسار عملي والإصلاح مفتاح الثقة

من جهته، قدّم رئيس الحكومة نواف سلام مفهوم السيادة كمدخلٍ إلزاميّ لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، معتبرًا أنّ استعادتها ليست شعارًا بل مسارًا عمليًّا يرتبط مباشرةً بالأمن والاستقرار وبناء الدولة. وفي جلسة حواريّة ضمن القمّة العالميّة للحكومات في دبي، أعاد التأكيد أنّ الإصلاحات البنيويّة هي "السبيل الوحيد" لاستعادة الثقة الدوليّة بالاقتصاد اللبناني وفتح الباب أمام الدعم والاستثمارات، لافتًا إلى معادلة طلبٍ واضحة، "دعمنا، لا أن يحلّوا مكاننا".

أمنيًّا، ركّز سلام على استعادة قرار السلم والحرب، وقال إنّ الدولة، عبر الجيش، تفرض "للمرّة الأولى منذ عام 1969" سيطرةً عملانيّةً على جنوب البلاد، متعهّدًا ألّا تسمح الحكومة بإدخال لبنان في "مغامرة جديدة"، ومذكّرًا بكلفة "مغامرة حرب إسناد غزّة" على لبنان، داعيًا إلى "الالتفاف حول الدولة" وتحصين الداخل سياسيًّا واجتماعيًّا.

 

هيكل في واشنطن: دعمٌ عسكريّ ورسائل سياسيّة

يُتابع قائد الجيش اللّبناني رودولف هيكل زيارته إلى الولايات المتّحدة، حيث افتتح لقاءاته الأمنيّة في البنتاغون باجتماع مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركيّة دان كاين، على أن يلتقي لاحقًا مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي دانيال زيمرمان، ويجتمع مع المدير بالإنابة لوكالة التعاون الأمنيّ الدفاعي، في إطار متابعة برامج المساعدات والدعم اللوجستيّ للجيش.

وفي موازاة ذلك، رحّب السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بالزيارة، معتبرًا أنّ عمل الجيش لنزع سلاح المجموعات الخارجة عن سلطة الدولة وتعزيز السيادة يكتسب أهميّةً مضاعفة. كما أشارت القيادة المركزيّة الأميركيّة إلى لقاءات تنسيقيّة عُقدت في قاعدة ماكديل الجويّة، ما يرفع منسوب القراءة السياسيّة للزيارة، بوصفها تثبيتًا لدعم المؤسّسة العسكريّة والعهد بعد مرحلة فتور، لا مجرّد محطة بروتوكوليّة.

 

قاسم: اتّهامات للحكومة وتصعيد في خطاب المواجهة

بموازاة الحراك الرسميّ، شنّ أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم هجومًا على "بعض الوزراء"، معتبرًا أنّهم "يجرّون لبنان إلى الفتنة"، وتحدّث عن مناخ سياسيّ يتصرّف فيه بعضهم "كأنّ الحكومة ورقة بيد الحزب الذي يعملون لديه". وفي المقابل، رفع سقف الردع بالقول، "كما يؤلمنا العدو نستطيع أن نؤلمه، ولكلّ شيء وقته"، مضيفًا، "بين السلّة والذلّة نحن مع الشهادة".

إقليميًّا، قدّم قاسم الصراع بوصفه "عدوانًا وجوديًّا" يستهدف لبنان كلّه، معتبرًا أنّ الحديث الغربي عن "أمن إسرائيل" يندرج في مشروع "إسرائيل الكبرى"، وداعيًا إلى الضغط على واشنطن وإسرائيل لتنفيذ الاتفاق ووقف العدوان بدل الضغط على لبنان. كما نفى، عمليًّا، أن يكون الحزب معنيًّا بإصدار مواقف تُستثمر حول ما بعد جنوب الليطاني، منتقدًا ما اعتبره "معايير مزدوجة" في مقاربة الملف.

الخلاصة التي تتقدّم في بيروت واضحة، أي تسوية بين طهران وواشنطن قد تُبرد الجبهة وتُعيد ترتيب الأولويّات داخليًّا، وأي فشلٍ في إسطنبول قد يفتح باب الاحتمالات على مزيدٍ من الضغط والتصعيد، بما يوسّع هامش المخاطر على لبنان. وبين خطاب الدولة عن السيادة والانتخابات، وخطاب الحزب عن الردع ورفض "الإملاءات"، يبقى عامل الحسم خارجيًّا، بينما تُدار في الداخل معركة التموضع، لا معركة القرار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث