بينَ مِئويَّةِ دَولةِ لبنان الكبير التي أُعلِنَتْ سنةَ 1920، ومِئويَّةِ الدُّستورِ الذي وُضِعَ سنةَ 1926، قرنٌ مرَّ على قيامِ الكيانِ، وقرنٌ شارفَ على الاكتمالِ منذُ إقرارِ الإطارِ الدُّستوريِّ، فيما لا تزالُ الدَّولةُ مؤجَّلةً قَيْد البَلْوَرَة، والدُّستورُ مُعلَّقًا على مهادناتٍ موضعيَّة، والانتظامُ العامُّ رهينةَ تسوياتٍ ظرفيَّةٍ تُدارُ ما فوق منطقِ المؤسَّساتِ ومنهجيَّة الدُّستور. هذهِ المفارقةُ ليستْ تاريخيَّةً فحسب، بل هي جوهرُ المأزقِ اللُّبنانيِّ المُزمنِ.
لبنانُ 1920 وُلِدَ دولةً بالمعنى الجغرافيِّ والسِّياسيِّ، لكنَّهُ لم يُستكملْ دولةً بالمعنى المؤسَّسيِّ والسِّياديِّ. الكيانُ سبقَ الدَّولةَ، والإعلانُ سبقَ البناءَ، والحدودُ رُسِمَتْ قبلَ أن تُرسَّخَ فكرةُ المواطنةِ الجامعةِ. منذُ ذلكَ الحينِ، عاشَ لبنانُ حالةَ تأجيلٍ دائمٍ للدَّولةِ، حيثُ استُبدِلَتِ المؤسَّساتُ بتوازناتٍ، والقانونُ بتفاهماتٍ، والسِّيادةُ بتعدُّدِ مرجعيّاتٍ. لم يكنِ الخللُ في فكرةِ الكيانِ، بل في عجزِ السُّلطةِ عن تحويلِ الكيانِ إلى دولةٍ فاعلةٍ تحتكرُ السّياسات العامَّة وتُخضِعُ الجميعَ لمنطقِ القانونِ.
أمّا لبنانُ 1926، فامتلكَ دستورًا متقدِّمًا قياسًا إلى زمنِهِ، لكنَّهُ لم ينجحْ في إدخالِ هذا الدُّستورِ في حيِّزِ التَّطبيقِ المستدامِ. الدُّستورُ، بدلَ أن يكونَ المرجعَ الأعلى، تحوَّلَ إلى نصٍّ قابلٍ للتَّعليقِ عندَ كلِّ أزمةٍ، وإلى أداةِ تكيُّفٍ مع الوقائعِ بدلَ أن يكونَ أداةَ تصحيحٍ لها. هكذا، نشأتْ ثنائيَّةٌ خطِرةٌ. دولةٌ بلا دولةٍ فعليَّةٍ، ودستورٌ بلا سلطةٍ تحكُم بالدّستور. هذهِ الثنائيَّةُ هي التي جمَّدتِ المِئويَّتَيْنِ، وحوَّلتهما إلى ذكرى بلا مضمونٍ.
إنّ المقارنةَ بينَ مِئويَّةِ الدَّولةِ ومِئويَّةِ الدُّستورِ تكشفُ أنّ الأزمةَ اللُّبنانيَّةَ ليستْ أزمةَ نصوصٍ ولا أزمةَ تواريخٍ، بل هي أزمةُ انتقالٍ معطَّلٍ من الشَّرعيَّةِ التَّاريخيَّةِ إلى الشَّرعيَّةِ الدُّستوريَّةِ الكاملةِ. فالدَّولةُ التي لا تُدارُ بدستورٍ مُفعَّلٍ، تبقى كيانًا هشًّا، والدُّستورُ الذي لا تحميهِ دولةٌ سَيِّدةٌ، يبقى إعلانَ نوايا. بينَ هاتينِ الحقيقتَيْنِ، تاهَ لبنانُ قرنًا كاملًا، مُراكِمًا الأزماتِ بدلًا من أن يبني المؤسَّساتِ، ويحقّق سياسات عامّة قائمة على رؤية أمنٍ قوميّ متكامل.
اليومَ، تكتسبُ رمزيَّةُ المِئويَّتَيْنِ بُعدًا مختلفًا، فهما لم تَعُودا مجرَّدَ مناسبتَيْنِ احتفاليَّتَيْنِ، بل أصبحتا مرآةً فاضحةً لحجمِ الفجوةِ بينَ ما أُعلِنَ وما طُبِّقَ. غيرَ أنّ هذهِ الرمزيَّةَ تحملُ، في الوقتِ نفسِهِ، فرصةً نادرةً للخروجِ من الجمودِ التاريخيِّ، إذ لبنانُ يقفُ اليومَ أمامَ لحظةِ إمكانٍ حقيقيٍّ، مدعومةٍ بزخمٍ عربيٍّ ودوليٍّ، يُعيدُ وضعَ قيامِ الدَّولةِ الدُّستوريَّةِ شرطًا لأيِّ دعمٍ أو استقرارٍ.
إنّ تحويلَ المِئويَّتَيْنِ من ذاكرةٍ جماعيَّة، مبتورة وإنتقائيّة، إلى واقعٍ حيٍّ يقتضي كسرَ منطقِ التَّأجيلِ. قيامُ دولةِ المواطنةِ الحرَّةِ السَّيِّدةِ العادلةِ المستقلَّةِ لا يتمُّ بإعادةِ إنتاجِ الصِّيَغِ نفسِها، بل بإدخالِ الدُّستورِ كاملًا في حيِّزِ التَّنفيذِ، وباستكمالِ إصلاحاتِهِ البنيويَّةِ، وبإعادةِ الاعتبارِ لمبدأِ احتكارِ الدَّولةِ للسُّلطةِ والسِّلاحِ والقرارِ ضمن مهل زمنيّة محدّدة. وحدَهُ هذا المسارُ يُنهي الازدواجيَّةَ بينَ الدَّولةِ الفاعلة شبه الدَّولةِ.
ليستْ دولةَ المواطنةِ شعارًا أخلاقيًّا، بل هي نظامُ حقوقٍ وواجباتٍ متساويةٍ، يُنهي منطقَ الامتيازاتِ، ويُعيدُ تعريفَ الانتماءِ على أساسِ القانونِ لا الطَّائفةِ. وعندما تُستعادُ المواطنةُ، يُستعادُ معها معنى السِّيادةِ، وتصبحُ العدالةُ وظيفةً مؤسَّسيَّةً لا مطلبًا موسميًّا، ويصبحُ الاستقلالُ ممارسةً يوميَّةً لا ذكرى سنويَّةً.
إنّ لبنانَ بينَ مِئويَّتَيْنِ ليسَ قدرًا مُغلقًا، بل خيارٌ مفتوحٌ. فإمّا أن تبقى مِئويَّةُ الدَّولةِ ومِئويَّةُ الدُّستورِ شاهدتَيْنِ على قرنٍ من التَّعليقِ والتّأجيل والمهادنة والمساومة والمقايضة، وإمّا أن تتحوَّلا إلى لحظةِ تأسيسٍ رابعة (1920 – 1943 – 1989 – 2005 ...) تُنهي الجمودَ، وتُدخلُ لبنانَ في زمنِ الدَّولةِ الفعليَّةِ. الفرصةُ قائمةٌ، لكنَّها مشروطةٌ بجرأةِ القرارِ، وبإرادةِ الانتقالِ من تاريخٍ مفعول به إلى حاضرٍ دستوريٍّ مكتملٍ.
