يتطلع اللبنانيون، كما سائر المعنيين بالشأن اللبناني، إلى السنة الجارية بوصفها سنة حاسمة في ملفات مفصلية، يتقدّمها ملف السلاح، الذي يجري التداول بشأنه تارةً تحت عنوان "نزع السلاح" وطورًا تحت تعبير أكثر التباسًا هو "احتواء السلاح". ويأتي في المرتبة الثانية إقرار قانون الفجوة المالية، بما يفتح الباب أمام إعادة تفعيل القطاع المصرفي وتجفيف اقتصاد "الكاش". أما الاستحقاق الثالث فهو الانتخابات النيابية، التي يميل كثير من التحليل السياسي إلى ترجيح صعوبة إجرائها هذا العام، لأسباب متداخلة سياسية وأمنية وإدارية.
في هذا السياق، تبقى الولايات المتحدة الأميركية الدولة الأكثر تأثيرًا في المسارين العسكري والسياسي في لبنان، تليها المملكة العربية السعودية، التي وإن احتفظت بقدرة واضحة على التأثير في عدد من الكتل السياسية، فإنها لم تُقدِم بعد على الانخراط المباشر في مشروع متكامل أو طويل النفس لإدارة الملف اللبناني، مكتفيةً حتى الآن بلعب دور الضابط لإيقاع بعض التوازنات، من دون الانتقال إلى مستوى المبادرة الشاملة، وكفى بجلسة إقرار الموازنة مثالًا.
إلى جانب ذلك، يبرز الحضور الفرنسي بوصفه حضورًا تاريخيًا ذا خط دبلوماسي واضح ومستقر، لم يتعرّض لتقلّبات حادّة أو دورات انكفاء متكررة، على عكس المسار الأميركي الذي اتّسم، عبر العقود، بتدخّلات كثيفة يعقبها تراجع أو إعادة تموضع. اهتمام باريس بلبنان ظلّ ثابتًا نسبيًا، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو المؤسسي، ما منحها هامشًا مختلفًا في مقاربة الأزمات المتلاحقة.
أما قطر، فتأتي في موقع هجين، يجمع بين الانخراط العملي والابتعاد عن الاشتباك السياسي المباشر. فقد زار وزير الدولة للشؤون الخارجية محمد الخليفي لبنان، وأعلن عن بدء تمويل مشاريع حيوية في مجالات الكهرباء والبنى التحتية، إضافة إلى تمويل خطة لعودة نحو أربعمائة ألف نازح سوري إلى بلادهم، تشمل دعم إعادة إعمار بلدات سورية يقطنها هؤلاء النازحون، وتقديم مساعدات مباشرة تسهّل انتقالهم واستقرارهم في سوريا، مع تجنّب الانخراط في إعادة إعمار القرى الجنوبية التي طُرح أمرها سابقًا، التزامًا بالضغوط الأميركية التي تشترط عدم البدء بالإعمار قبل نزع السلاح.
غير أنّ التباين الأميركي–الفرنسي لا يظهر في العناوين العامة بقدر ما يتكشّف عند الدخول في كل ملف على حدة. فخلف لغة التنسيق الدبلوماسي، ثمّة اختلاف جوهري في فهم طبيعة الأزمة اللبنانية، وفي مقاربة أدوات التعامل معها. ويبرز هذا الاختلاف بصورة أوضح عند التوقف عند ملفين أساسيين: مسألة نزع السلاح، وآلية المتابعة (الميكانيزم) التي أُنشئت لمواكبة تنفيذ التفاهمات الأمنية في الجنوب.
فبينما تميل المقاربة الأميركية إلى إدارة الملف اللبناني بمنطق متحرّك ومتقلّب، تحكمه الاعتبارات الظرفية والسعي إلى "إنجازات سريعة"، تتمسّك فرنسا بخط أكثر ثباتًا، يقوم على إدراك حدود الضغط، وخطورة نقل لبنان من مأزق إلى انهيار. هذا الفارق في الإيقاع ليس تفصيليًا، بل يعكس غياب استراتيجية أميركية متكاملة تجاه لبنان، في مقابل مقاربة فرنسية ترى أن أي معالجة أمنية أو سياسية لا يمكن فصلها عن سؤال التوقيت، والقدرة، والتوازن الداخلي.
نزع السلاح: شرط أميركي أم مسار متدرّج؟
في مقاربة الولايات المتحدة، يُطرح نزع سلاح حزب الله بوصفه المدخل الإجباري لأي استقرار مستدام في لبنان. هو شرط يسبق إعادة الإعمار، وتفعيل المؤسسات، وحتى تثبيت وقف الأعمال العدائية في الجنوب. ومن هذا المنطلق، اعتمدت واشنطن خلال السنة الماضية خطابًا مباشرًا يربط أي تقدّم سياسي أو اقتصادي بإنجاز هذا الاستحقاق، ولو تدريجيًا وتحت ضغط زمني واضح.
غير أن هذا الخطاب لم يبقَ ثابتًا. ففي الأشهر الأخيرة، بدأ يتسلّل إلى القاموس الأميركي تعبير "احتواء السلاح"، في محاولة واضحة للتكيّف مع وقائع ميدانية أثبتت أن النزع الكامل، بالقوة أو بالضغط الزمني، ليس خيارًا واقعيًا من دون كلفة داخلية مرتفعة، قد تصل إلى حدّ تفجير التوازنات الهشّة في البلاد. هذا التحوّل اللفظي، وإن لم يُعلن رسميًا كتغيير في الاستراتيجية، يعكس ارتباكًا في المقاربة أكثر مما يعكس مرونة محسوبة.
في المقابل، تنطلق فرنسا من فهم مختلف لطبيعة هذا الملف. فباريس لا تنكر مركزية مسألة السلاح، لكنها ترفض التعامل معها كشرط تقني يمكن فرضه من الخارج ضمن مهلة زمنية قصيرة. وتنظر اليه كمسار سياسي معقّد، يرتبط بتوازنات داخلية لبنانية دقيقة وبسياق إقليمي لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه.
من هنا جاء التشديد الفرنسي على دعم الجيش في طرحه "استعادة السيطرة العملياتية" للجيش اللبناني في الجنوب، بدل التركيز على نزع السلاح بمعناه الحرفي. وهو توصيف مقصود يميّز بوضوح بين بسط سلطة الدولة ميدانيًا وبين الانخراط في مسار نزع شامل لا ترى باريس، ولا مؤسسات عسكرية عربية، أنه قابل للتحقيق بالقوة أو ضمن مهلة مضغوطة، من دون كلفة داخلية مدمّرة.
ولا يكتمل مشهد مقاربة ملف السلاح من دون التوقف عند الدور المصري، الذي يختلف في طبيعته وأدواته عن المقاربتين الأميركية والفرنسية. فالقاهرة كانت من أوائل العواصم التي دفعت عمليًا باتجاه فكرة "احتواء السلاح" بدل نزعِه، انطلاقًا من قراءة براغماتية لطبيعة التوازنات اللبنانية، ومن خبرة طويلة في إدارة ملفات معقّدة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والسياسية.
مصر، بخلاف واشنطن، لا تنطلق من منطق الشروط المسبقة ولا من الضغط الزمني، وبخلاف باريس لا تكتفي بإدارة الإطار السياسي العام، بل تعتمد قناة حوار مفتوحة ودائمة مع حزب الله، تُدار بهدوء ومن دون ضجيج إعلامي، وتهدف إلى تحييد السلاح عن التفجير الداخلي وربطه بسقف سياسي وأمني مضبوط. هذا الدور، الذي جذب الأضواء لفترة، ابتعد عنها، لكنه عمليًا، أسهم في إضفاء شرعية إقليمية على مفهوم "الاحتواء"، وجعله خيارًا متداولًا لا مجرد تراجع تكتيكي عن مطلب نزع السلاح.
الميكانيزم: إدارة اشتباك أم بديل عن السياسة؟
إذا كان ملف السلاح يكشف التباين في المقاربة، فإن "آلية المتابعة" تكشفه في الأدوات. فهذه الآلية، التي أُنشئت لمواكبة تنفيذ التفاهمات الأمنية في الجنوب، تحوّلت تدريجيًا من إطار تقني لإزالة الاحتكاك إلى ساحة خلاف بين باريس وواشنطن حول وظيفتها وحدودها.
من وجهة النظر الأميركية، يُنظر إلى الميكانيزم بوصفه أداة عملية كافية بحدّ ذاتها: قناة اتصال يومية، منصة لتبادل المعلومات، وآلية لإدارة التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة. هذا الفهم ينسجم مع المقاربة الأميركية العامة التي تميل إلى إدارة الأزمات بأدوات تقنية، من دون إدخال عناصر سياسية معقّدة قد تُبطئ القرار أو تُقيّد هامش الحركة، وخصوصًا بالنسبة لإسرائيل.
لكن هذه المقاربة، في نظر الفرنسيين، تحمل خللًا بنيويًا. فالآلية، رغم عملها اليومي، تفتقر إلى أي تعريف سياسي واضح لوظيفتها: ما هي "المخالفة"؟ ما هو "التهديد الوشيك"؟ ومن يملك حق تفسير هذه المفاهيم عند الاختلاف؟ غياب الإجابات عن هذه الأسئلة لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل خيارًا أميركيًا مقصودًا يتيح للطرف الأقوى فرض تفسيره للأحداث، واستخدام الغموض لتوسيع هامش عملياته، كما نراها منذ بداية العام الحالي. وهنا ترى باريس أن الميكانيزم، بدل أن يكون أداة لضبط الاشتباك، بات إطارًا يُدار داخله الاشتباك بشروط غير متكافئة، في ظل ضوء أخضر أميركي صريح أو ضمني يقيّد النقاش في الشكل ولا يقيّد الفعل على الأرض.
تستعيد باريس في هذا السياق تجربة ما بعد تفاهم نيسان 1996، حين وُجدت آلية عسكرية على الأرض ضمن إطار سياسي أعلى تولّى فضّ النزاعات عند تعقّد الأمور. أما اليوم، فقد جرى عكس المعادلة: آلية تقنية بلا سياسة، ما جعلها عاجزة عن إنتاج أي توازن فعلي.
من هنا جاء الاعتراض الفرنسي على تحويل الميكانيزم إلى بديل عن السياسة، أو استخدامه كمظلّة لإطلاق مسارات تفاوضية غير ناضجة، سواء فيما يتعلّق بالحدود أو بترتيبات أمنية أوسع. في المقابل، تميل واشنطن إلى دمج المسارين، واستخدام الميكانيزم كرافعة ضغط سياسي، سواء عبر ربطه بملف نزع السلاح، أو عبر توسيع دوره ليحلّ تدريجيًا محلّ أطر قائمة، مثل اللجنة الثلاثية أو حتى دور الأمم المتحدة في إزالة الاحتكاك.
ويزداد هذا التباين وضوحًا مع تزايد الحديث في الكواليس الدبلوماسية عن توجّه أميركي–إسرائيلي لإعادة النظر في آلية المتابعة القائمة، والبحث في صيغ بديلة تُدار مباشرة برعاية واشنطن، وتفتح الباب أمام حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل خارج الأطر المعتمدة. هذا الطرح لا يعكس خلافًا على الشكل أو على فعالية الآلية فحسب، بل يكشف اختلافًا جوهريًا في هدف التفاوض نفسه. ففي حين يركّز الجانب اللبناني على وقف الأعمال العدائية، وضبط الحدود، واستعادة النقاط المحتلّة، يميل الطرح الإسرائيلي، بدعم أميركي، إلى ربط أي مسار تفاوضي بترتيبات اقتصادية وأمنية أوسع تُطرح كنقطة انطلاق لا كنتيجة لاحقة لتسوية متوازنة.
من هنا، لا يعبّر التمسّك بالميكانيزم عن موقف تقني أو عن دفاع عن إجراء قائم بذاته، بل عن خيار سياسي جامع. إذ يحظى هذا الإطار اليوم بإجماع الرؤساء الثلاثة، ليس بوصفه حلًا مثاليًا، بل كخط دفاع وطني أخير في وجه محاولات فرض مسارات تفاوضية غير متوازنة، أو نقل الملف اللبناني إلى طاولة لا يملك لبنان شروط الجلوس المتكافئ إليها. وهو أيضًا آخر مظلّة تفصل بين إدارة الاشتباك الأمني اليومي وبين قرارات سياسية كبرى لا يزال لبنان غير جاهز لاتخاذها.
إسرائيل في قلب التباين: من يضبط من؟
في العمق، لا يدور التباين الأميركي–الفرنسي حول لبنان بمعزل عن موقع إسرائيل في هذه المعادلة. فالسؤال غير المعلن هو: من يملك حق تحديد سقف الحركة الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وبأي أدوات؟
الولايات المتحدة تميل إلى منح إسرائيل هامشًا واسعًا من الحرية العملياتية، انطلاقًا من أولوية أمنها، ومن قناعة بأن الضغط المباشر عليها غير مرغوب أو غير مجدٍ. هذا المنطق ينعكس في طريقة إدارة الميكانيزم، حيث تُترك مفاهيم أساسية، كـ "التهديد الوشيك" أو "الضرورة الأمنية"، من دون تعريف ملزم، وهو ما يسمح بتوسيع نطاق العمليات متى تشاء إسرائيل، مع الاكتفاء أحيانًا بوضع خطوط عامة تتعلّق بتجنّب مرافق مدنية محدّدة.
فرنسا، في المقابل، تؤكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنها ترى أن تحويل هذا الحق إلى تفويض دائم بالضرب والتصعيد يقوّض أي إمكانية لبناء استقرار طويل الأمد. من هنا إصرارها على ضرورة وجود أطر سياسية وقانونية تضبط تفسير الاتفاقات، وتمنع الانزلاق إلى قاعدة "القوة تصنع الحق".
لبنان بين ضغط بلا أفق وإدارة زمن فرنسية
في المحصّلة، لا يعكس التباين الأميركي–الفرنسي حول لبنان خلافًا ظرفيًا أو سوء تنسيق عابر، بل يكشف اختلافًا بنيويًا في مقاربة إدارة الأزمات في الشرق الأوسط. فبين من يراهن على الضغط السريع وتغيير الوقائع بالقوة، ومن يسعى إلى إدارة الزمن وتفادي الكسر، يجد لبنان نفسه عالقًا في مساحة رمادية تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع هشاشة داخلية مزمنة. هذا الصدام لا يجري في فراغ، ولا فوق أرضٍ محايدة. هو يُدار فوق بلدٍ هشّ، محدود القدرة على امتصاص الضغوط، ومحروم من ترف الفشل المتكرّر. فحين يُدار ملفّ السلاح بمنطق الضغط، وملفّ الجنوب بمنطق إدارة الاشتباك، من دون أفقٍ سياسيٍّ جامع، لا يعود الخلاف بين واشنطن وباريس مسألة مقاربات، بل يتحوّل إلى عبءٍ إضافيٍّ على دولةٍ تُستنزف قواها العسكرية وقدراتها الاقتصادية المعدومة.
