في لحظة دقيقة، بلغ الانسداد بين حزب الله ورئاسة الجمهورية مرحلة غير مسبوقة منذ انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية. عملياً، لم يكن أيّ من الطرفين يتمنّى – أو ربما يخطّط – للوصول إلى هذا الواقع، إلا أنّ المسار انتهى بهما إليه، كلٌّ لأسبابه.
فرئيس الجمهورية وجد نفسه تحت ضغط أميركي متواصل، مع مطالب لا تنتهي في ما يخصّ حزب الله وسلاحه، مقرونة بإيحاءات دائمة بأن عون لا يُظهر تشدّداً كافياً في هذا الملف. في المقابل، اعتبر الحزب أنّ بعض التعابير والمصطلحات الصادرة عن رئيس الجمهورية «غير مناسبة وغير مقبولة»، فضلاً عن كونها «غير معهودة»، وجاءت في سياق داهم وحسّاس. عند هذه النقطة، اختار الحزب مقاربة أسباب هذه المواقف ومحاولة فهم إطارها كي يبني عليها: هل هي نابعة من قرار بالمواجهة، أم نتيجة سوء تقدير؟
ما خلص إليه الحزب أنّ رئيس الجمهورية لا يضمر مواقف سلبية تجاهه، وأنّ ما أُعلن سابقاً لا ينطلق من نية استهداف، وإن كان عون لم يُخفِ تحسّسه من بعض المواقف الصادرة عن مسؤولين بالحزب. في المقابل، لا يضمر الحزب أي ضغينة تجاه الرئيس وهو ما بات الأخير في صورته، فيما حُسمت المواقف التي صدرت وجزء منها صدر عن محيطين بالطرفين على أنّها لا تعبّر عن أيّ منهما.
بطبيعة الحال، فضّل الطرفان أخذ وقتهما في تقدير ما نتج عما يمكن وصفه بـ«المواجهة الناعمة». وإلى حين نضوج الاستنتاجات النهائية، بات ثابتاً لدى الجانبين أنّ خيار القطيعة غير مطروح، وهو قرار متّخذ من دون الحاجة إلى تواصل مباشر بشأنه. أمّا التواصل القائم حالياً، هدفه الأساسي تبريد الأجواء وتوفير ظروف للقاء يجمع الرئيس عون ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، وهو لقاء لا يزال متعذّراً في الظرف الراهن لأسباب تتوزّع بين تقنية وأمنية. وفي انتظار توافر الظروف، يترك الطرفان أيّ تحرّك لوقته المناسب، مع إبقاء خيار تهيئة الأجواء والاستفادة من المرحلة لإرساء أوسع مناخ إيجابي.
من وحي ما يحصل، يظهر بوضوح – بل تؤكده تصرّفات قيادة الحزب ورئاسة الجمهورية – مقدار الحرص المتبادل. فالرئيس، الذي يتعمّد البعض النقل عنه أو عن محيطه أنّه أقفل الأبواب في وجه الحزب حتى استيضاح الكلام الأخير للأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم وتحديداً كلمة "طويلة على رقبتكم"، إلى حدّ نسج روايات عن لقاءات لم تحصل، لا يرى خياراً في المواجهة، بل في تنفيس الاحتقان. بل أكثر من ذلك، حين حاول وسطاء من مستويات رفيعة التدخّل تحت عنوان «إصلاح العلاقة» بين بعبدا والضاحية، جاء ردّ عون واضحاً بأنّه لا يحتاج إلى وسيط للتواصل مع الحزب، ويفضّل ترك هذه المسألة له، وهو الموقف نفسه الذي يعتمده حيال أيّ ترتيبات تتّصل بأيّ مكوّن لبناني آخر. في المقابل، تعامل الحزب بالمنطق ذاته، رافضاً دخول وسطاء من خارج العلاقة للتقرير في شأن يخصّ رئيس الجمهورية.
وحين لمس الحزب دخول «شياطين التفاصيل» على خط العلاقة بينه وبين قصر بعبدا، واتّساع بعض المواقف وصولاً إلى التعرّض لشخص الرئيس، تحرّك مسؤولون فيه نحو الإعلام، مؤكدين متانة العلاقة مع رئيس الجمهورية وحرصهم عليه، ورافضين المساس به أو بموقعه.
من هذه الزاوية، كان الحزب يختبر النيّات، ليس تلك العائدة إلى فريق الرئيس – فهي معروفة – ولا ما يتصل بالرئيس نفسه، إذ يدرك الحزب طبيعة الظرف الذي أتى به والمهمّة الملقاة على عاتقه.
كذلك، راقب الحزب أيّ تعليقات إسرائيلية، خصوصاً أنّ تل أبيب بدت منتشية بإمكانية تحوّل التباين إلى قطيعة بين الحزب والرئيس، مصنفة ذلك ورقة قوّة يمكن استثمارها على أعلى المستويات، للقول إنّ الحزب يتمرّد على الشرعية اللبنانية، وصولاً إلى محاولة تقديم نفسها داعمة للحكومة اللبنانية، ولم لا تعميق المواجهة المفترضة بينها وبين الحزب، على غرار ما تفعله مع دروز سوريا في نزاعهم مع الدولة هناك.
في لحظة الانسداد هذه، وما تحمله من مخاطر قد تقود إلى حافة الهاوية في العلاقة، بدا أنّ ترطيب الأجواء أضحى مسألة ضرورية لا بل ذات مصلحة، لا سيّما بعد التحركات التي حصلت في الشارع والتي أنذرت بما يمكن أن تبلغه الأمور في حال تطورها، علما أن تلك التحركات لم يقف الحزب خلفها بشهادة معنيين، كما لم يقف خلف كثير من الحملات والهجمات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. عندها، حصل تواصل محدود بعيداً عن الإعلام، تُرجم لاحقاً بحركة من محيط الرئيس هدفت إلى تقريب المسافات مع الضاحية، تمثّلت في استقباله وفداً من أبناء قرى العرقوب، استفاد الرئيس منها بأن أطلق بعض المواقف الهادئة في مضمونها، قرأها الحزب على أنّها إعادة تنظيم للخطاب بما يتجاوز ما قيل سابقاً، سواء في المقابلة التلفزيونية أو في حضور السفراء الأجانب.
في المقابل، تعامل الحزب بإيجابية مع الإشارات الصادرة من بعبدا، فواكبها بمواقف أطلقها الوزير السابق والنائب الحالي حسين الحاج حسن، أعاد فيها التأكيد على متانة العلاقة مع الرئيس، نافياً أيّ صلة للحزب بالهجمات أو الشتائم التي وُجّهت إليه. وهو ما انسحب أيضاً على مواقف الوزير السابق محمد فنيش، التي شدّد فيها على احترام رئيس الجمهورية وموقعه، ورفض التطاول عليه أو على مقامه، والأهم الملفت مان تعميم أجواء داخل الحزب بضرورة الهدوء وترك الأمور للمعالجة.
في الخلاصة، يؤكّد الحزب أنّه مستمر في التعاون مع رئاسة الجمهورية. وتبقى مسألة شمال الليطاني بحاجة إلى حوار فعلي وهادئ بين الحزب والرئيس، بعيداً عن خطابات المنابر.
