من أخطر مظاهر الحياة السياسية في لبنان احتقار الكلمة ومحاولة الاستهتار بعقول الناس وتلويث البيئة الثقافية والفكرية والعلمية وترفيع الحقد الى مراتب عليا وتخصيص الشتيمة والتخوين بمواقع مميزة فيها وإسقاط لغة المنطق وقوة الحجة الى مراتب دنيا .
الرمز السياسي. القائد السياسي. المسؤول السياسي. حامل أمانة. حامل قضية. يفترض أنه المبشّر. الموجّه. "الملهم" يطرح أفكاراً سياسية وقضايا وعناوين تلامس هموم ووجع وآمال وآلام الناس ويقدّم أنموذجاً في التهذيب والرقي في لغة التخاطب ومحاولة إقناع من يمثل وتزويدهم بعناصر المعرفة السياسية والمعلومات الكافية والخبرات والتجارب لتعزيز إمكاناتهم وطاقاتهم الفكرية والمعلوماتية ويشحنها بكل جديد ليتمكنوا من إقناع الآخر أو الدفاع على الأقل عن وجهة نظرهم.
للأسف، كأننا نعيش حال تصحّر سياسي وفكري. عندما نسمع بعض الذين "يجرؤون حيث لا يجرؤ الآخرون"، وأصحاب "القضايا الكبرى" والمسيرة الطويلة "والمنزّهون" عن الأخطاء "والمتنزّهون" في حدائق وأرجاء العفة "والإيمان" "والتقوى السياسية"، وبعض رموز الشعبوية والعبثية ورافضي فكرة التعلّم من التجارب، والإقرار بوقائع الواقع، وبعض معتنقي فكرة الاستقواء، والإدعاء، وعبدة أشخاص وأفكار دون الدخول الى عمقها ومعانيها، وتعميم ثقافة التحدي والخصومة والكراهية في بلد الـ 6000 سنة حضارة، والكسل الفكري في أمكنة كثيرة واستسهال أقصر الطرق ....
كل هذا يجعلنا نعيش في "متاهة" وفي "أنظمة التفاهة" فلا سياسة ولا صراع أفكار أو برامج ولا تغذية للعقل والروح بما يستوجب أن يتحلّى به "السياسي"، السياسي وليس العامل في السياسة الفاقد معنى السياسة بتجلياتها المعرفية والثقافية وأساسها القراءة والمتابعة والإطلاع واحترام الآخر والاعتراف به وبحق الاختلاف معه، وتجسيد الخلاف بالتركيز على ما هو أفضل لبلدنا وأهله في أخطر مرحلة يواجهها، من دون أي تعميم مؤذٍ ومرفوض في المبدأ يبدو الفضاء اللبناني بتلوينه المتنوع كأنه خالٍ من حرفة السياسة ومحترفيها، ومن متعة السياسة فكرة ولعبة وإدارة وإرادة وشراكة وتنوعاً وتكاملاً في مختبر التنوّع الاستثنائي لبنان.
يبدو كأن كثيرين اعتادوا واستسهلوا الحياة السياسية "والتوجيه السياسي" "والتربية السياسية" في كتب وخطاب ومناهج الحقد واللغة الرخيصة والمصطلحات البذيئة، وبعضهم يقدّم نفسه بمصاف رجال دولة ولا يتحدث بلغة الرجال والدولة، بل بلغة الحرب ولا اقول رجال الحرب، لأن في الحرب كان ثمة رجال رجال بقوا أوفياء لقناعاتهم وقضاياهم وأفكارهم واستشهد بعضهم من أجلها وكانوا أشداء أقوياء مميزين بتهذيبهم وأخلاقهم وخطابهم ونقاشهم الحضاري.
وأي نقاش لا يعطي المشاهد او المستمع أو القارئ فكرة جديدة أو مقاربة مقنعة يعتبر غير ذي فائدة في وقت يجب ان نتعلّم من بعضنا إذا تشاركنا العقول بانفتاح. للأسف، ما نعيشه اليوم، وأكرر دون تعميم، وما شهدناه في الأيام الأخيرة مشهد لا يطمئن ولا يبشّر بخير. ثمة استسهال لكل شيئ. تبسيط لأي أمر. مسافات ضوئية سياسية وفكرية تفصل بين اللبنانيين ولا يقرّب على الشاشات والمنابر والطاولات وفي المجالس بين كثيرين منهم الا الفراغ الذي يملأ بالاستهتار والخفة والعبثية والشتيمة والاساءة الى قواميس ومعاجم اللغة العربية وكبار علمائها ورجالاتها وخصوصاً في بلادنا، والرسالات السماوية وعمقها ووصاياها، كثيرون يخوضون معارك يومية بهذا المستوى تحت عنوان الدفاع عن الموقع، أو بالتعبير عن الموقف وهم يسيئون الى "هيبة الموقع وكرامة الموقف" وهذا أمر خطير.
هذا ليس لبنان الذي نريد. لبنان العقل والحكمة والموقف والموقع والكرامة المتبادلة فيه. لبنان روح الانسان والإيمان. وخاطئون الذين يرتكبون تلك الأفعال معتقدين أنهم أقوياء. ما يقولونه يعبّر عن ضعف وضيق صدر وأفق وقصر نظر ولا يعبّر عن قوة ولا يعزّز وحدة وشراكة وثقافة وعلماً.
السياسي الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن الناس يجب أن يدرك أنه مسؤول أمامهم. مسؤول عن " آذانهم " " ونفوسهم " وتربية أجيالهم، وهذا لا يترجم "بالصراخ" أو "التهديد" "والوعيد" "والاستقواء" "والعناد" "والتكبّر" "والتجبّر" "وسيطرة الأنا".
لم يكن ثمة أكبر من كمال جنبلاط في لبنان فكرياُ وثقافياً وسياسياً ومعرفياً وقد خاض الكثير من المعارك السياسية الطاحنة. كتب كتاباً عن "أدب الحياة" ومن ضمنه "أدب الحوار". أتمنى عودة الجميع إليه.
