لا يمكن فهم ما يعيشه لبنان اليوم، ولا ما آلت إليه تداعيات الحرب الأخيرة، من دون التوقف عند المعضلة البنيوية التي تحكم الحياة السياسية فيه منذ سنوات: انفصال السيادة عن المسؤولية، وانفصال المسؤولية عن السيادة. في هذا الانفصال لا يكمن فقط سبب الانقسام، بل سبب العجز المزمن عن تحويل الخسارة إلى مراجعة، والكارثة إلى سياسة.
منذ سنوات، لم يعد قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا جامعًا، بل تحوّل إلى ممارسة أحادية تملك أدواتها وتفتقد إطارها السياسي. فحزب الله، بوصفه الفاعل العسكري الأقوى، يمارس شكلًا من أشكال السيادة الفعلية، لا القانونية: يقرّر التوقيت، وحدود التصعيد، وشروط الاشتباك، من خارج مؤسسات الدولة ومن دون تفويض جامع. هذه السيادة، رغم قدرتها على الفعل، تفتقر إلى عنصر أساسي: المساءلة الوطنية. فلا آلية سياسية تسبق القرار، ولا محاسبة تليه، ولا نقاش جدي حول كلفته على مجتمع متعدّد لا يتشارك كله تعريف الخطر ولا أولويات المواجهة. وعندما تقع الخسارة، تُستدعى سردية الضحية لتفسير ما جرى، لا لمساءلته.
في الجهة المقابلة، تقف بقية القوى السياسية في موقع معاكس، لكنه لا يقل إشكالية: موقع المسؤولية بلا سيادة. فهي تعترض، وتحذّر، وتدين، لكنها لا تمتلك أدوات فرض القرار البديل، ولا مشروعًا سياسيًا قادرًا على انتزاع القرار من منطق الأمر الواقع. لا يمكن لأي معارضة أن تكتفي بدور الاعتراض الأخلاقي أو الإعلامي من دون أن تُنتج شكلًا آخر من الخلل. فالمعارضة التي لا تمتلك أدوات الفعل، ولا مشروعًا سياسيًا قادرًا على تحويل الرفض إلى بديل، تتحوّل تدريجيًا إلى شاهد عاجز على القرار الذي تعترض عليه. ومع الزمن، لا يعود اعتراضها عنصر توازن، بل جزءًا من المشهد العاجز نفسه، يبرّئها من المسؤولية من دون أن يمنحها قدرة التأثير. وتصبح الخسارة حدثًا يتكرّر من دون مراجعة، لأن لا أحد يملك السلطة كاملة، ولا أحد يتحمّل المسؤولية كاملة.
في مجتمع متعدّد الطوائف مثل لبنان، لا يُقاس الاستقرار بغياب الصراع، بل بوجود آليات تضبطه. فالتعدد، في ذاته، ليس المشكلة؛ المشكلة تبدأ حين يُدار هذا التعدد من دون قواعد مشتركة للقرار والمسؤولية. في مثل هذا النظام، لا يمكن لأي قوة، مهما بلغت قدرتها العسكرية أو شعبيتها، أن تحتكر القرار المصيري من دون أن تُنتج انقسامًا بنيويًا، لأن الاحتكار يُلغي مبدأ الشراكة الذي يقوم عليه الكيان أصلًا. فالقرار الأحادي، حين يُفرض في مجتمع متنوّع، لا يُقرأ كقوة، بل كإقصاء، ولا يُستقبل كحماية، بل كتهديد.
في هذا السياق، تتكاثر سرديات الضحية. حزب الله يقدّم نفسه بوصفه ضحية العدوان. خصومه يقدّمون أنفسهم بوصفهم ضحايا قراره الأحادي. الدولة تظهر كضحية الجميع. لكن هذه السرديات المتجاورة لا تُنتج سياسة، بل شللًا. الخروج من هذا المأزق لا يمرّ عبر شيطنة طرف أو تبرئة آخر، بل عبر إعادة وصل ما انقطع: ربط السيادة بالمسؤولية، وربط المسؤولية بالقدرة. أي تحويل القرار العسكري إلى شأن سياسي خاضع للمساءلة، وتحويل خطاب الدولة من شعار أخلاقي إلى مشروع قابل للفرض. من دون ذلك، سيبقى لبنان يدور في حلقة سيادة بلا مساءلة، ومسؤولية بلا فعل، وستبقى الخسارة تتكرّر بوصفها قدرًا.
