بين الانتفاض على الدولة… والانتفاض من أجلها

محمد حلاويالسبت 2026/01/31
Image-1769793034
عصبية محسوبة ومسؤولية واضحة (حسن ابراهيم)
حجم الخط
مشاركة عبر

شهد محيط المجلس النيابي مساء الخميس 30 كانون الثاني، تحركًا محقًّا للعسكريين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين، أعاد إلى ذاكرة اللبنانيين مشاهد من انتفاضة 17 تشرين الأول 2019. تحركٌ لم يكن فوضويًا ولا عبثيًا، بل صرخة احتجاج على واقع معيشي بلغ حدّ الانهيار، حيث بات كثير من العسكريين عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة لعائلاتهم، في دولة تخلّت عن أبسط واجباتها تجاه من حموا أمنها واستقرارها.

 

جاء هذا التصعيد عقب كلمة وزير المالية في حكومة الرئيس نواف سلام، ياسين جابر، في مناقشة موازنة 2026. وهي كلمة يمكن الاختلاف سياسيًا حول مضمونها، لكن يصعب إنكار ما يتمتع به الرجل من سمات شخصية ومهنية: هدوء، خبرة إدارية وتقنية، واحترام للآخر، وهي صفات نادرة في مشهد سياسي لبناني اعتاد الضجيج والشعبوية.

إلا أن ما لفت الأنظار لم يكن فقط مضمون الكلمة، بل المشهد الذي تلاها، حين ظهر وجه آخر لياسين جابر: وجه رجل الدولة الذي يعرف متى يرفع صوته دفاعًا عن المصلحة العامة. فعندما حاول نائب رئيس المجلس الاقتراب من المنصة لقراءة ورقة غير متفق عليها، جاء ردّ الوزير حازمًا ومباشرًا:

"يا خيي رَوِّق شوي… كيف بدي أقراها؟"

ثم تابع، مخاطبًا بعض النواب الذين اعتادوا الاستثمار في الغضب الشعبي:

"نحنا بعدنا عايشين تداعيات سلسلة الرتب والرواتب 2017… وين آخدين البلد؟ بدنا نعرف من وين بدنا نجيب التمويل، وأنا لا أستطيع التعهّد بأي شيء غير مدروس".

 

هذا الموقف، بما حمله من عصبية محسوبة ومسؤولية واضحة، شكّل لحظة كاشفة للفارق الجوهري بين من يدير الدولة ومن يستثمر في الدولة.

فاللافت أن شريحة واسعة من المتضررين اليوم، سواء من العسكريين أو المعلمين، تنتمي اجتماعيًا وبيئيًا إلى القاعدة الشعبية لرئيس الحكومة ووزير المالية. ومع ذلك، رفض الرجلان الانصياع لمطلب محقّ إنسانيًا، لكنه غير مؤمَّن ماليًا، ما لم يُرفق بدراسة شاملة وخطة تمويل واضحة. هذا الرفض لم يكن تنصّلًا من المسؤولية، بل تحمّلًا لها، في بلد دُفع إلى الانهيار بسبب قرارات شعبوية اتُّخذت بلا حساب.

وهنا يستحضر اللبنانيون تلقائيًا ما جرى بين عامي 2016 و2017، حين تهافتت أركان المنظومة السياسية على إقرار سلسلة الرتب والرواتب، لا انطلاقًا من رؤية إصلاحية، بل بعد تيقّنهم من حتمية إجراء انتخابات 2018 إثر تمديد قسري لأكثر من أربع سنوات. يومها، ضُربت مصلحة الدولة عرض الحائط، وتُركت التداعيات المالية تتراكم، متناغمة مع الهندسات المالية للأعوام 2015 و2016، ومع سياسة تثبيت سعر الصرف بأي ثمن، فقط كي لا يُسجَّل انهيار الليرة في عهد هذا الرئيس أو ذاك.

 

الثمن، كما بات معلومًا، دُفع من جيوب المودعين، ومن عصب الاقتصاد الوطني، ومن مستقبل أجيال كاملة من جهة، وانهيار اقتصادي غير مسبوق وانخفاض قيمة الليرة اللبنانية لأكثر من 90% من جهة اخرى.

أمام الندوة البرلمانية، قدّم كل من نواف سلام وياسين جابر درسًا نادرًا في الوطنية والأخلاق العامة، أمام نواب وكتل كانوا في القاعة نفسها قبل عشر سنوات، لكنهم اختاروا حينها الطريق الأسهل: شراء الوقت والولاءات على حساب الدولة.

اليوم، ورغم أحقية مطالب العسكريين والمعلمين، اختار الرجلان الترفّع عن إغراء المنصب، وحميا الوطن من كارثة اقتصادية جديدة، لم يتردّد أسلافهما يومًا في ارتكابها.

ومن غضب الحليم تُستخلص الدروس. فالفرق بين الانقضاض على الدولة والانتفاض من أجل الدولة ليس تفصيلاً سياسيًا، بل مسافة شاسعة من الوطنية والأخلاق والمسؤولية التاريخية. وفي هذه المسافة تحديدًا، يُمتحن رجال الدولة… ويُفضَح المتسلقون..

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث