أي سياسة نُريد؟

أحمد جابرالسبت 2026/01/31
Image-1766164291
الكسر الطائفي في لبنان مستحيل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أي لبنان نريد؟ جملة وردت تكراراً على لسان رئيس الكتائب الراحل، الشيخ بيار الجميّل. كان ذلك في بدايات سنوات انفراط العقد الأهلي اللبناني. الجملة ذاتها، تتردد أحياناً على لسان أكثر من مسؤول، لكنها تأتي خالية من "حزمة" مراميها السابقة، والأهم، أنها فقيرة "اللبنانية" الميثاقية، إذا ما عُرضت على المقارنة مع "غنى" اللبنانية الميثاقية التي حفلت بها أيام الكتائبي اللبناني المؤسس.

 

اقتباساً، وعلى مسالك التشبيه، يُطرح سؤال: أي سياسة لبنانية نريد؟ ما يُجيز الاقتباس، وما يجعله راهناً، هو وجه الشبه الذي يربط بين حقبة أهلية مصيرية سابقة، وبين الحقبة الأهلية المصيرية الراهنة. انطوى أمسُ اللبنانيين على معنى تهديد الوجود المسيحي، ويُفتح يوم اللبنانيين الحالي، على معنى تهديد استقامة وجود الكيان برمّته، إنّما من مدخل معنى تهديد الوجود الشيعي، الذي يتصدَّر سلاحه وحزبه، قائمة "المتّهمين" المطلوبين.

أي سياسة نريد؟ حاضرُ السؤال يُمليه الصخب السياسي العام الذي يحيق بالأدبيات الحزبية الشيعية، والذي يصوّب على السلاح الذي يحمي هذه الأدبيات. هذا على الصعيد المحليّ، أمّا على الصعيد الخارجي، فالأمر أوسع مجالاً، والمواضيع متداخلة، والعلاقات متأرجحة ومتحركة، بين "مراكز" العالم وأطرافه. صورة العالم هذا، يختار كل إقليم من الأقاليم لونه المناسب منها، ويختار كل بلد من البلاد، من اللون العالمي، ومن اللون الإقليمي، الأقرب إلى ألوان "عَلَمِ" مصالحه الداخلية الوطنية.

 

الجمع بين واقع الداخل ووقائع الخارجي، ممرٌّ ضروري، لمن أراد إجابة عن سؤاله، إذ إنه من المتعذِّر صياغة جواب واقعي من عناصر واقعية مجزوءة، ولعله من الوهم السياسي افتراض النجاة بسفينة الداخل، من دون إدراك حقيقة البحر الخارجي الذي تبحر فيه.

عودة إلى ماذا نريد من السياسة، لاستعراض يوميات السجال الداخلي الذي يدور حائراً بين مقولتين "الدولة والمقاومة"، وما زال يؤوب خالي الوفاض من جنّى دولتي، أو من ثمرٍ مقاوم. تقريب السجال إلى أهله، يصير يسيراً إذا ما أُلْقيَ الضوء على أهداف الأهل التي يقاتلون من أجل الوصول إليها، مداورةً، ويمتنعون عن وضعها على طاولة النقاش مباشرة. هي سياسة التقنيّة التي تقول "كل شيء" وطنيّاً، وتشير إشارة حَيِيَّة، إلى "كل شيء" تريد نَيْلَه نَيْلاً مخصوصاً. خلف ذلك، كيف تُجري هذه القوى المتباعدة حساباتها؟ وكيف تنصب ميزان الربح والخسارة؟ وهل يطرق الباب عندها سؤال: من المستفيد من حصيلة الصراع السياسي الداخلي محليّاً؟ ومن المستفيد من حصيلة الصراع السياسي المندلع خارجيّاً؟ وعليه، كيف يفهم أهل الداخل انكسار خطاب أهلي خاص أمام انكسار خطاب آخر؟ واستطراداً، كيف ينظر الأهل ذاتهم، إلى تفوق هيمنة خارجية على هيمنة أخرى، من منطلق انعكاسها على بنية الداخل الوطني، ومن منطلق انعكاسها على المحيط بهذا الداخل، في إقليمه القريب، وفي ارتباطه الدولي البعيد. 

 

يشكل سلاح حزب الله محور السجال الداخلي اليوم، وينشغل المتابعون بما يصدر من كلام عن مسؤول هذا الحزب، فيشرّحونه ويشرحونه ويؤولونه ويجتهدون فيه... وغالباً من دون قرينة، ومن دون "علمٍ مبين". ربطاً بهذا السلاح، ودمجاً باليوميات، يتابع أهل الداخل تطورات الأزمة بين السياسة الأميركية والسياسة الإيرانية، فيتوزّعون بين مرحِّبٍ وراضٍ، ومتبنٍ للهجومية الأميركية ومتعجّلٍ لها، وبين داعم ومدافع عن "الأنظومة" السياسية الدفاعية الإيرانية، ومندّدٍ بمحفل أعدائها... أما إسرائيل، فحاضرة وغائبة. هي حاضرة في متابعة خرقها لكل الاتفاقيات ولكل الأعراف الدولية، وحاضرة في خطاب تنديدٍ متمادٍ بنهجها العدواني، وهي غائبة ومغيّبة لدى حلفائها الدوليين الذين ما زالوا يرون في أعمالها الحربية سلوك دفاعٍ عن النفس، تجيزه القوانين الدولية، وغائبة ومغيّبة أيضاً، عن كلام داخلي لبناني، ما زال يرى سبب الشرّ والخراب، في غريمه الأهلي الذي يصرّ على الصمود ضمن "أنظومة" نشأته الشاملة، نظريّاً وعمليّاً.

 

عودة إلى مسألة الحسابات والأهداف، داخليّاً، يقتضي التذكير أولاً، بحقيقة أثبتها واقع حال التشكيلة اللبنانية. عنوان هذه الحقيقة هو: إن الكسر الطائفي في لبنان مستحيل. في هذا المجال، ندعو الساعين إلى تحقيق غلبة انكسار طائفي داخلي، إلى العودة إلى كل محطات النزاع اللبناني، منذ "الإقالة" السلمية للرئيس بشارة الخوري، وحتى الانتخاب "التوافقي" لرئيس الجمهورية الحالي، الرئيس جوزيف عون.

العودة إلى المحطات النزاعية، يجب أن تكون في صيغة مراجعة وخلاصات، وعلى الذين دفعوا أثماناً، من مواقعهم ونفوذهم، أن يضعوا نُصْبَ أعين سياساتهم هدفاً واضحاً تلخصه سياسة عدم الخسارة مجدّداً، وعدم التخيل المفرط في استعادة هيمنة فئوية قديمة ومفقودة.

الدعوة إيّاها موجّهة أيضاً إلى الذين ظنّوا أنهم امتلكوا زمام الهيمنة، في ظرف طالت سنواته، فَحسِبوه آبِداً. على هؤلاء وهؤلاء، أن يحتكموا إلى الواقعية التي أفادت وتفيد، بأن كل هيمنة ليست أكثر من سرابٍ خادع، وأن ميزان القوى الخارجي، قادر على ترجيح كفّة لحقبة معينة، لكنه عاجزٌ عن بناء الاستقرار الداخلي المستدام، فوق أسس فئوية متحركة.

 

مراجعة حسابات الداخل، ترافقها بالتوازي، مراجعة الحسابات مع الخارج، وإذا كان لكل حقبة خارجها وداخلها، فإن الخارج اليوم هو ذاك الذي تقوده الهجمة الاستحواذية الأميركية، عالمياً، وتتصدره الهجمة "التوسعية" الإسرائيلية على حدود الوطن، وفي مدى الشرق الأوسط "الكبير". واقع الحال الآن، أن لبنان موجود ضمن فكيّ هجمتين، وواقع الحال أيضاً، أنه مقيم على انقسامين، لذلك يجوز الاستفهام بالقول: ما الفائدة اللبنانية المتوخّاة من نجاح أصحاب الهجومين، في الوصول إلى أهدافهم السياسية والاقتصادية؟ هل سينعكس ذلك تعديلاً لميزان القوى الداخلي، ليحلّ هيمنة طائفية مكان هيمنة طائفية أخرى؟ سبق وجاء الجواب بأن البديل الطائفي، وهم طائفي خطير، وفي استفهام معاكس، ماذا سيجني اللبنانيون من الانضمام إلى محور خارجي، يقول إنه يتصدّى للعدوان الأميركي دفاعاً عن مصالحه؟

هل سيعزّز نجاح صمود الآخر الخارجي، هيمنة الطرف الداخلي الحليف، أم أن هذا الأخير ما زال في موقع المنكر أولاً، لاستحالة ديمومة هيمنة فئوية، وفي موقع الهروب ثانياً، من حقيقة أن الواقع الذي أنتج مسألة امتلاك السلاح واستعماله، قد تبدّل وصار واقعاً آخر؟ وعليه، ما الجدوى من الاستمرار في معاندة استقامة انسجام مسيرة الترميم الوطنية، بعد أن وصلت يدُ الخراب إلى كل مفاصل البنى الوطنية؟

 

في سياق ما ورد، يُلحُّ الواقع اللبناني على ضرورة إدراك أصحاب الأهداف البعيدة، في الهيمنة أو في استدامة الغلبة، أن هذه أهداف صعبة المنال. بناءً على هذا الإدراك، يجب التحوّل صوب كلام داخلي آخر، في مسائل السيادة والدولة والمقاومة. الكلام الآخر واضح غير مُحَاصِر، وكلام يمدُّ الجسور ولا يعمد إلى نسف المبني منها، أما الهدف فهو بناء سياق سياسي داخلي توافقي، يحاصر أصحاب الرغبات الرديئة، سياسيّاً، مثلما يطارد أصحاب الأهداف الرديئة مجتمعيّاً وأهليّاً. القدرة على بناء السياق المشار إليه، تطوّق السياسة بالسياسة، ويفترض أصحاب القدرة سلفاً، أن اللبنانية ليست اختصاصاً فئويّاً، وأن الدفاع عن لبنان ليس تكليفاً لفئة لبنانية من دون غيرها، هذا يعني من جملة ما يعنيه، أن ارتفاع السجال السياسي، ورفع الأهداف السياسية، إلى مستوى المصالح الوطنية العامة، كفيلان بتعديل اللغة، وبتليين الخطاب والجواب، وبتذليل ما يبدو أنه عسير على الليونة والطوعية.

ليكن لبنان أولاً. ليكن مفهوماً كيف سيكون أولاً، من ضمن ظرفه الداخلي الصعب، ومن ضمن ظروفه الخارجية العسيرة. 

هل لدى اللبنانيين القدرة على طرح سؤال: أي سياسة نريد؟ وأي أهداف نطلبها؟ يجب أن تكون لهم هذه القدرة، ويجب أن تكون قدرة توافقية متزنة ومتوازنة، عاقلة وحكيمة... هكذا ينجون بلبنان... في لبنان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث