في 4 كانون الأول 2024، قُتِلَ رئيس مركز "القوات اللبنانية" في كرم الزيتون – الأشرفية، رولان المر، ووقعت الجريمة أمام مبنى المصرفي أنطون الصحناوي، رئيس مجلس إدارة بنك "سوسيتيه جنرال". وتورّط في العملية شبّان يعملون لدى الصحناوي أو ما يُسمى "جنود الرب"، رغم نفي الأخير علاقته بهؤلاء.
منذ ذلك الوقت، تتفاعل القضية، وقد اتخذت منحىً سياسياً وقضائياً بين فريق "القوات اللبنانية" وعائلة المر من جهة، وفريق الصحناوي من جهة أخرى.
ورغم الكلام عن محاولات لتسوية القضية عبر مصالحة بين الصحناوي و"القوات"، فإن هذا الكلام كلّه غير دقيق، بل نفته "القوات" جملةً وتفصيلاً، لأن دماء المر تحول دون إتمام أي مصالحة، ولا سيّما أن القضية لا تزال عالقة أمام القضاء، والمتّهم بجريمة القتل، جوزف كرم منصور، لا يزال متوارياً عن الأنظار، إضافة إلى خمسة من رفاقه المتّهمين بالضلوع في الجريمة.
تتجه الأنظار اليوم إلى جلسة استجواب من المقرّر عقدها في 3 شباط المقبل، بحضور المدّعي والمُدّعى عليهم، وبحسب معلومات "المدن" فإنّها لن تحصل بسبب عدم إرسال التبليغات، علماً أن جلسة الاستجواب السابقة تمّ تأجيلها بعدما قدّم فريق المُدّعى عليهم دفوعاً شكليّة خارج مهلة الاستئناف. ويلفت منسّق بيروت السابق في "القوات"، المحامي إيلي شربشي، إلى أنه "من المستغرب تقديم التمييز خلافاً للأصول، ما أدّى إلى تطيير الجلسة، لكن المحكمة ردّته وغرّمته".
ويروي شربشي أن المتّهم بالقتل، منصور، تمّ تهريبه عند ارتكاب الجريمة، أو بالأحرى تسهيل فراره، ولم يتم حتى الآن رفع الغطاء عنه. والمستغرب، بحسب شربشي، أن معلومات مؤكّدة كانت تَرِد عن مكان وجوده، من دون أن تتحرّك الأجهزة الأمنية لتوقيفه. كما أن هناك خمسة متّهمين آخرين متوارين عن الأنظار أيضاً، رغم صدور مذكّرات توقيف غيابية بحقّهم.
ما هي القطبة المخفيّة في هذه القضيّة؟
يجيب شربشي:"ليس هناك قطبة مخفيّة سوى المال والسلطة، وهما يعرقلان عمل الأجهزة الأمنية. وسبق لنا أن توجّهنا إلى وزيري العدل والداخلية منذ أكثر من أربعة أشهر، ووعدانا بالمتابعة، لكن حتى الآن لا يزال الأشخاص الذين صدرت بحقّهم مذكّرات توقيف غيابية متوارين عن الأنظار".
ويؤكّد شربشي أنه لا مصالحة بين "القوات" والصحناوي، رغم محاولاته عبر مقرّبين منه في هذا الإطار، لكن موقف "القوات" موحّد وواضح: لا مصالحة قبل تسليم القاتل إلى العدالة. وهذا موقف مبدئي لدى "القوات" التي لا تساوم على دماء الشهداء، ولن يحصل غير ذلك.
ويتساءل القواتيون المقرّبون من رولان المر: كيف أن جرائم قتل أكثر غموضاً من قضيته تُكشف ملابساتها وخيوطها خلال 48 ساعة، فيما جرائم أكثر وضوحاً وسهولة لا يتم توقيف فاعليها؟ فجريمة قتل المر حصلت في قلب العاصمة بيروت، والفاعل معروف بالاسم وبالجهة التي يعمل لديها، وصدرت مذكّرات توقيف غيابية بحقّه وبحقّ رفاقه، وقد مرّ عام وشهران من دون توقيف أيٍّ منهم. ويعتبر هؤلاء المقرّبون من الضحية أن هناك تقصيراً أو غضّ نظر يمنع توقيف المتورّطين.
لن تتوقّف "القوات" عن متابعة القضية، وستستمر بها حتى النهاية وصولاً إلى المحاكمة والمحاسبة وكشف الحقيقة. ويرى شربشي أن هذه ليست الجريمة الأولى التي ترتكبها المجموعة التي تُسمّى "جنود الرب"، وهذه المرّة كان الضحية مسؤولاً في "القوات" حاول القيام بمهمّة فضّ الخلاف. وليس صحيحاً ما يُروَّج عن مقتله على خلفية أفضلية مرور، بل تمّ استدراجه واغتياله. ويشير إلى أن القوات "لن تساوم على القضية، ونأمل ألا يخضع القضاء لوسائل الترهيب والترغيب والضغوط التي تُمارس، ونحن نضع ثقتنا بالقضاء".
ليس هناك قطبة مخفيّة
من جهتها، تشعر ابنة رولان المر، المحامية فيوليت، منذ ارتكاب الجريمة، بأن الدولة تسير بعكس المجرى الطبيعي للأمور، معتبرةً أنه "ليس هناك قطبة مخفيّة، إنما شخص اسمه أنطون الصحناوي". وتستند في ذلك إلى تمييز الدفوع الشكلية خارج المهلة القانونية، علماً أنه لا يجوز تمييزها. وتضيف أن المفارقة تكمن في أنه بعد تطيير الجلسة، تمّ تغريم الصحناوي مبلغ 50 مليون ليرة، وتعويض عطل وضرر بقيمة مئة مليون ليرة، إلا أنه لم يُسدّدها، وتسبّب بتأخير العدالة.
صدرت خمس مذكّرات توقيف غيابية منذ وقوع الجريمة حتى اليوم، وتبدي المر استغرابها من أن "الأجهزة الأمنية لم تنفّذ أي مذكّرة، رغم أن بعض المتّهمين يظهرون أمام مبنى الصحناوي في كرم الزيتون. فإذا كانت الدولة غير قادرة، فهذه مشكلة، وإذا كانت قادرة ولا تريد، فالمشكلة أكبر".
وتكشف المر أن "المتّهم الأساسي جوزف منصور تمّ إخفاؤه، والصحناوي حاول مراراً وتكراراً القول: لن أسلّمه، وماذا يريدون؟ جوابنا واضح: نحن لا نريد شيئاً، لا مالاً ولا غيره. المطلوب توقيف القاتل، وكل شخص يتحمّل مسؤوليته المعنوية والمادية. وحتى لو طال الزمن، لن نساوم على دماء والدي، ولن نقبل أن يتكرّر هذا الأمر مع عائلة أخرى".
وتضيف: "لا قطبة مخفيّة في نظري سوى المال والسلطة لدى الصحناوي، لكن لا عائلة رولان ولا "القوات" تقبل أن تشتري وتبيع في هذه القضية".
ولا تتوقّف تساؤلات فيوليت عند هذا الحد، إذ تعتبر أن ما يحصل فضيحة. فمدير مكتب الصحناوي كان ممنوعاً من السفر بقرار من النيابة العامة، وسرعان ما رُفع منع السفر عنه، رغم عدم التحقيق معه. وتقول: "ما يثير الاستغراب أكثر أن إحالة المُدّعى عليهم والتوقيف حصلت بسبب إطلاق النار العشوائي، وليس بمحاولة القتل العمد، رغم أن الحقيقة هي القتل العمد. كل هذه المعطيات لا تبشّر بالخير".
لم تتوقّف فيوليت، باسم عائلة رولان المر، عن مناشدة رئيس الجمهورية جوزاف عون مراراً وتكراراً، وقد أرسلت إلى القصر الجمهوري ثلاث رسائل، إلا أنها لم تلقَ أي تجاوب. لذلك تستغرب هذا الصمت الرسمي حيال قضية والدها، وتلفت إلى أنها "تثق بـ"القوات" المشبعة بالكرامة، وأن عائلة رولان لن تتراجع بتاتاً".
إذاً، لا تزال قضية رولان المر تتفاعل، ولم تخمد نار الخلاف بين "القوات" والصحناوي، لأن دماء رولان لم تجفّ بعد، والنفوس المشحونة لن تهدأ ما دامت القضية لم تأخذ مجراها الطبيعي نحو العدالة كما يجب.
