حسناً فعل أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم، حين ألقى كلمته في مجمع سيد الشهداء خلال اللقاء الجماهيري تحت عنوان "تضامنًا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية" في السادس والعشرين من كانون الثاني/ يناير.
إذ يمكن اعتبار أن كل خطابات ومواقف الشيخ نعيم، كان لها دلالاتها وقيمتها السياسية والإعلامية في أوقاتها السابقة، لكن الخطاب الأخير يمكن اعتباره أبرز خطاباته ومواقفه.
أهمية هذا الخطاب، تعود إلى عدة أسباب متداخلة، من حيث التوقيت والمضمون والمحتوى. إضافة إلى ما حملته الكلمة من رسائل ومعانٍ للداخل اللبناني والخارج الأميركي والإيراني.
كثر يعتقدون وهم على حق، أن الشيخ نعيم يفتقد إلى ما يسمى "الكاريزما القيادية" وهي نوع من الجاذبية أو علاقة التأثير التي يمارسها القائد أو المسؤول على الجماهير المتصلة به والمتابعة له.
وليس جديداً القول، إن الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصرالله، قد احتفظ وأحتكر أكبر كمية من التأثير العاطفي "الكاريزماتي" والجاذبية المؤثرة على المواطنين في لبنان بشكل عام، ولدى الجمهور الشيعي بشكل خاص، وذلك لعدة أسباب، أبرزها؛ إتقانه لفن الخطابة والتواصل والتأثير ومعاصرته وقيادته لأحداث مهمة وكبيرة خلال الفترة التي قاد فيها حزب الله. لكن، بالرغم من ذلك فان هناك فروقاً بين الاثنين.
الأول، أي السيد نصرالله، كان منغمساً ومتابعاً أكثر للعبة السياسية الاعلامية التعبوية، والعمل السياسي والتنظيمي والأمني والعسكري بشكل مباشر ولفترة طويلة.
أما الشيخ نعيم، وبحكم تكوينه المهني، ومهامه العملية، كان منصرفاً ومنغمساً أكثر في الجانب الدعوي النظري والتثقيفي، لناحية التسويغ الشرعي والأيديولوجي، بسبب عمله كمدرّس تخرج من كلية التربية في الجامعة اللبنانية، حيث كان يقتضي يومها الحصول على معدل معين من العلامات للنجاح والقبول، وخصوصاً في المواد العلمية وتحديداً مادة الكيمياء.
لا يمكن أن نهمل تصديه لشرح مبررات قيام حزب الله وخلفياته الأيديولوجية والنظرية والسياسية في كتابه الشهير والمهم: "حزب الله المنهج التجربة المستقبل".
المقصود، أن الجانب السياسي المباشر والنضالي، هو ما طغى على تجربة وشخصية السيد نصرالله، أما الشيخ نعيم فقد اختص أكثر بالجانب النظري والدعوي والتنظيمي والتثقيفي والنيابي.
في العودة إلى الخطاب الأخير، فان أهميته تكمن أنه كشف في وقفة ومقاربة واحدة عمق ارتباط حزب الله بإيران وبنظرية الولي الفقيه المستجدة عند الشيعة الاثني عشرية والتي أبتكرها وطبقها وفرضها الإمام الخميني.
كان السيد نصرالله وفي وقفات سابقة متعددة، يشرح العلاقة مع إيران من الناحية السياسية وبشكل مباشر وعملي، عبر قوله إن سلاحنا ومالنا وتدريبنا ورواتبنا تأتي من إيران، ولذلك نحن معها وخلفها ولا نستطيع أو نريد فكاكاً عنها. أما الشيخ نعيم، فقد شرح في خطابه الأخير كيف أن حزب الله يرتبط ارتباطاً إيمانياً وتنظيمياً وروحياً بإيران وبالإمام الخميني وولي الفقيه الحالي الإمام علي خامنئي.
وهو قدم وعرض المسوغ الإيماني العميق، لدى حزب الله، بشرحه الأمر من أنه في غياب المهدي المنتظر فإننا أي حزب الله نسير خلف الإمام الحالي أي الولي الفقيه في إيران.
قال الشيخ نعيم بكلمات دالة وواضحة: "بعد الإمام الخميني قدّس سره، الولي الفقيه هو الإمام القائد الخامنئي دام ظله. هو وليّ أمرنا، هو قائدنا، هو الذي يشرّع حقيقة مواقفنا في ما يتعلّق بالتحديات، وفي ما يتعلّق بالمسؤولية الشرعية. دماؤنا لا نستطيع أن نصرفها، ومقاومتنا لا نستطيع أن نقوم بها من دون إذن شرعي، لأن الدم مسؤولية، والولي هو الذي يحدّد مسار الأمة بشكل عام".
لم ينتبه الشيخ نعيم، وربما انتبه ولا يريد أن يؤشر، أو يتوقف أو يدقق بين ما يميز حزب الله كمجموعة حزبية عسكرية وسياسية وتنظيمية، لها الحق في اعتقادها وإيمانها وتقليدها من جهة، وبين باقي تكوينات الطائفة الشيعية الأخرى التنظيمية والسياسية.. وبين باقي المجموعات اللبنانية المشاركة والشريكة في الوطن، فهل من الجائز والمنطقي أن ما يؤمن به ويتعاقد معه الشيخ نعيم وحزب الله، من المبرر أن يسحب نفسه على باقي المكونات الشيعية وباقي المكونات اللبنانية؟
الجيد والإيجابي في كلام الشيخ نعيم، انه كشف أمام باقي أطراف وطوائف ومكونات الشعب اللبناني والعربي، هذا الانفصال أو البون الكبير بين حزب الله ومعتقداته وارتباطاته وبين معتقدات باقي شعوب المنطقة والشعب اللبناني ومجموعاته.
وإذا كان حزب الله، والشيخ نعيم يتحدث بصدق عن أيمانه وارتباطه بالولي الفقيه في إيران ويطلق عليه تسمية ولي الدم وولي الأمر: "دماؤنا لا نستطيع أن نصرفها، ومقاومتنا لا نستطيع أن نقوم بها من دون إذن شرعي". فما علاقة بقية مكونات الشعب اللبناني بهذا الاعتقاد والإيمان والارتباط؟ ولماذا إلزام اللبنانيين به؟
المسألة ليست مسألة لبنان فقط، بل إن الأمر يتصل بإيران وأذرعها ومصيرها ومستقبلها في المنطقة والعالم. فقد كشف الشيخ نعيم موقفه وأطلقه، بالتزامن مع انطلاق عمل الأوركسترا الإيرانية في المنطقة، مع موقف مشابه مع حزب الله العراقي و"الإطار التنسيقي العراقي"، الذي قرر ترشيح نور المالكي الايراني الهوى والارتباط إلى منصب رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، خلفاً لمحمد شياع السوداني.
الواضح أن إيران أعطت أذرعها الأمر بالتحرك والاستعداد، للرد على أي هجوم أميركي إسرائيلي محتمل في الأيام المقبلة، والتهويل بالدخول والمشاركة في المواجهة العسكرية المباشرة في لبنان والمنطقة.
طالما أن المواجهة الآتية، هي بين إيران وأميركا، فما علاقة بلدنا، ومواطنينا، بهذه الحرب المقبلة التي ستعيد لبنان المدمر والمنكوب أصلاً، إلى قلب الجحيم يا شيخ نعيم؟
