واشنطن تترصّد باهتمام "بارومتر" الخلافات الداخلية حول السلاح

مانشيت - المدنالخميس 2026/01/29
GettyImages-2186873275.jpg
العصب الحقيقي للنقاش سياسي، ويدور حول ملف السِلاح وحده.. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

استمرّ السِّجالُ لليومِ الثّالث في المجلسِ النّيابيّ حول ملفّ السِّلاح، ودورِ "حزبِ الله" وإيران، وسطَ ارتفاعٍ واضح في منسوب التوتّر بين القوى السياسيّة. وطغى عنوان "حَصريّة السِّلاح بيدِ الدَّولة" على النقاشات في الموازنة. فالنقاش الماليّ تحوّل إلى واجهةٍ لنقاشٍ سياسيّ أعمق.

ويأتي هذا السِّجال قبل أيّام قليلة على زيارة قائد الجيش رودولف هيكل لواشنطن، ما يزيد حساسيّة المشهد. فالتوقيت، كما تقول مصادر متابعة، يشي بأنّ الولايات المتحدة تترصّد ما يجري بين القوى السياسية وداخل السلطة في لبنان، وتراقب خصوصاً مسار النقاش بين الحزب وكل من رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام حول السِّلاح، وكيفية إدارة النقاشات حول هذا الملف، والعلاقة مع حزب الله عموماً، سواء في مجلس النواب أو في الكواليس السياسيّة.

 

السِّلاح قبل الموازنة

في جلسات المجلس، اشتعل اليوم أيضاً سجالٌ سياسيّ، وظهر أنّ ما يجري كان ينطوي على إدارة أزمة الأرقام في الموازنة، فيما العصب الحقيقي هو النقاش السياسي وملفّ السِّلاح. وحتّى القضايا الأخرى التي حضرت في الخلفية، مثل ملف الانتخابات التي يرجح تأجيلها رغم دعوة الهيئات الناخبة إليها في 3 أيار، بقيت أقلّ وزنًا.

 

لا مؤشّرات تفاهمٍ بين عون والحزب

جوهر الأزمة حالياً يكمن في أنّ عون وأركان الحكم لا يستطيعون العودة إلى المماطلة في ملف السلاح، لا داخليًا ولا خارجيًا. وفي المقابل، يبدو أنّ "حزب الله" ليس مستعدًا للتنازل.

وحتى الآن، ليس هناك ما يشي بالتفاهمٍ بين الدولة و"الحزب" حول هذا الملف. وتتحدّث أوساط متابعة عن مساعٍ جرت في الأيام الماضية عبر بعض الوسطاء، لكن مفعولها بقي معلّقًا هذه المرّة، خلافًا لما كان يحصل في مراحل سابقة حين كانت الخلافات تُعالج بسرعة أكبر. ويعود ذلك، وفق تقدير بعض المواكبين، إلى طبيعة الضغوط الخارجية المستجدّة، التي تجعل هامش المناورة أضيق لدى الجميع.

هذا الواقع يرفع المخاطر الداخلية مع كل زيادة في الضغط الخارجي، لأنّ الضغوط المتضاربة على قوى الداخل ستُنتج مزيدًا من التشنّج، إذا لم تنجح الأطراف في ابتكار تسوية تُخفّف حدّة الصدام.

 

واشنطن تراقب، وبري تحت الضوء

وتترصّد واشنطن السِّجال داخل مجلس النواب. وتقول مصادر ديبلوماسية متابعة إنّ الأميركيين يراقبون مستوى المواجهة السياسية مع "حزب الله"، وكيف يتصدّى خصومه له داخل البرلمان، كما يراقبون دور رئيس المجلس نبيه بري في إدارة السجال، وحدود التوازن الذي يحاول ضبطه داخل القاعة.

وبحسب هذه القراءة، فإنّ ما يجري في المجلس سيكون من المؤشرات التي تسمح للأميركيين بإدراك مدى التغيّر الذي طرأ على الواقع السياسي الداخلي. وعلى أساس هذه المؤشرات، ستحدّد واشنطن مقاربتها للملف اللبناني ككلّ، بما في ذلك مستقبل الآليات التي تُدار، وطبيعة المفاوضات المتصلة بالجنوب، والمسار الذي يُبحث مع إسرائيل.

من بين الأسئلة التي ارتفعت مع هذا التوتّر، سؤالٌ مباشر حول المرحلة المقبلة، مَن سيستقبل قائد الجيش، وما هي الرسائل التي ستُبنى على هذا الاستقبال، وكيف سينعكس ذلك على الخطوات التالية سياسيًا وأمنيًا.

وفي هذا الإطار، يتوقف مواكبون عند دور واشنطن التي تتصرف عمليًا كوسيط في أكثر من مسار، إذ يُطلب منها دعمٌ مالي، وتسهيلات مرتبطة بالجيش وبمتطلبات المرحلة. وتزداد حساسية هذا الجانب لأنّ العلاقة بين الملف السياسي والملف العسكري باتت أوضح، ولأنّ الدعم الخارجي للجيش يتحوّل إلى عنصر ضغط، وعنصر اختبار في الوقت نفسه.

 

باريس والميكانيزم

وتنقل مصادر دبلوماسية فرنسية رفيعة صورة قاتمة عن الواقع في الجنوب. وتعتبر أنّ ما يجري يُدار تحت عنوان "التنسيق العسكري"، فيما السياسة غائبة، والإرادة تتآكل، وإسرائيل تتقدّم خطوة إضافية. وتقول هذه المصادر إنّ هناك "خللًا بنيويًّا" في آليّة الميكانيزم القائمة، لأنّها تقتصر على اجتماعات تقنية يومية في الغالب، وتعقد على المستوى العسكري فقط، من دون تمثيل مدني أو سياسي، ما يفرغ الآلية من فعاليتها الاستراتيجية.

وتضيف المصادر الفرنسية أنّ واشنطن لا تُبدي حماسة لوجود فرنسا ولا حتى الأمم المتحدة ضمن هذا المسار، مع تأكيد باريس أنّ موقفها واضح، "إذا أراد الأميركيون أن تحضر فرنسا فنحن مستعدون". 

وفي قراءة أوسع، تعرب باريس عن قلق بالغ، معتبرة أنّ "الوضع مقلق جدًا"، وأنّ استمرار المراوحة السلبية قد يقود إلى مزيد من التصعيد. وتُحذّر من أنّ إسرائيل تتذرع بما يقوله "حزب الله" عن إعادة التسليح لتبرير رفضها التجاوب، ما يعني أنّ استمرار الغموض الداخلي يزيد المخاطر الخارجية.

 

قطر في الصورة

في ملف دعم الجيش، تكثّف فرنسا حراكها الدبلوماسي لحشد التأييد لمؤتمر دعمٍ خاصّ. وآخر محطاتها زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان للدوحة. وبحسب مصادر فرنسية، فإنّ المباحثات مع قطر "جيّدة جدًا"، وهناك تقارب في مقاربة الحل وفي دعم لبنان. وتؤكد هذه المصادر أنّ قطر، مثل فرنسا، مقتنعة بأنّه لا يمكن فرض حصر السلاح كشرط للسماح بإعادة الإعمار.

وتذكّر المصادر بأنّ المملكة العربية السعودية بادرت أكثر من مرة إلى دعم لبنان على مستوى العلاقات الثنائية. وتضيف أنّ أي إعلان عن دعم مالي قطري يعني عمليًا "ضوءًا أخضر" إقليميًا، مع الإشارة إلى عوامل إقليمية أخرى، بينها التنافس السعودي الإماراتي الذي يترك أثره على مسارات الدعم والتموضع.

 

ما يحصل في المجلس النيابي، ومن سجالات بين أركان الحكم والقوى المشاركة في السلطة، يُظهر أنّ منسوب التوتّر ارتفع حول مسألة السِّلاح، وأنّ المواقف تطوّرت داخل السلطة وخارجها. وفي الوقت نفسه، تبدو واشنطن في موقع المراقب الشديد، وتبني على ما تراه داخل البرلمان وفي العلاقة بين الرئاسة و"حزب الله" لتحديد خطواتها التالية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث