أقرّ مجلس النواب مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2026، بعد ثلاث أيام من الجلسات التشريعيّة الّتي شهدت نقاشات حادّة وتوتّرًا في محيط المجلس، وانتهت إلى أكثرية واضحة عكست انقسامًا نيابيًّا حول المقاربة الماليّة والاقتصاديّة للمرحلة المقبلة.
وفي نتيجة التصويت، نالت الموازنة 59 صوتًا مؤيدًا، مقابل 34 صوتًا معارضًا، فيما امتنع 11 نائبًا عن التصويت.
وبحسب أجواء التصويت، صوّتت كتلتا "حركة أمل" و"حزب الله" لصالح إقرار الموازنة، إلى جانب نواب "اللقاء الديمقراطي" وعدد من المستقلين، في حين صوّتت كتلة "القوات اللبنانية" وكتلة "التيار الوطني الحر" ضد المشروع، بينما اختار نواب "الكتائب اللبنانية" الامتناع، وسُجّل تباين داخل صفوف النواب السنّة والنواب التغييريين بين مؤيد ومعارض.
وعلّق رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل عبر منصة "أكس" على تعديلات مرتبطة ببنود ذات طابع سياحي وترفيهي، قائلًا: "نجحنا وخلّصنا السياحة من الجرصة الضريبية يلّي كانت مفروضة على كل شي ترفيهي، كانوا بدّهم يغرّموكم على ضهراتكم… منيح يلّي حكينا بعدم جواز تحويل رياضة التزلّج لرياضة محصورة بالأغنياء، لحتّى الحكومة توعى شو عاملة وتوقّف تزحيط".
في القراءة السياسية، لا يُقرأ هذا التوزّع للكتل والنواب خلال التصويت باعتباره ثقةً في الحكومة أو رئيسها نواف سلام، بل يبدو أقرب إلى ترجمة "دفتر شروط" بين المجلس والحكومة. لذلك قد يكون مستغرباً أن يصوّت بعض "حلفاء التكليف" ضد الموازنة، فيما يذهب "خصوم التكليف" إلى التأييد، وفي طليعتهم الثنائي. والأرجح أن هؤلاء يفضّلون تمرير "الاستحقاق المالي" لتفادي تهمة تعطيل الدولة تحت ضغط الشارع والعسكريين المتقاعدين، ولأن إدارة الإيقاع التشريعي تمرّ عمليًا عبر برّي، فيعطون الحكومة أكثرية "وظيفية" تُنهي الجلسة من دون أن تمنحها غطاءً سياسيًا في الملفات الكبرى.
في المقابل، القوات والتيار اختارا الرفض ترجمةً للمنافسة داخل الشارع المسيحي أو مزايدةً على خطاب الإصلاح والضرائب والهدر، مع الحرص في الوقت نفسه على اقتناص أي تعديل على أي بند، وتسويقه كإنجاز، ثم التصويت ضد الموازنة. وأما "الكتائب" فتمركزت في الامتناع كإشارة مزدوجة: لا تعطيل كامل ولا توقيع على مضمون تعتبره الكتلة استمرارًا للنهج السائد، فيما انقسام بعض السنّة والتغييريين يعكس تشتّت كتل غير متجانسة أكثر مما يعكس انقلابًا سياسيًا.
النّواب يعلقون
وقال النائب عدنان طرابلسي إنّ "التصويت على الموازنة جاء بعد الاستماع إلى وعد من الرئيس نواف سلام بتقديم مشروع قانون لدعم القطاعين العام والخاص"، معتبرًا أنّ إقرارها تمّ "بالأكثرية الساحقة من النواب".
من جهته، شدّد النائب حسن فضل الله على أنّ المسار الذي سبق التصويت تضمّن تغييرات، لافتًا إلى أنّ "أُدخلت تعديلات أساسية على مشروع الموازنة"، ومؤكدًا أنّ حكومته "التزمت إعداد مشروع قانون خلال مهلة 15 يومًا، أي قبل 15 شباط". وأضاف أنّ "صرخة" الموظفين والعسكريين والمتقاعدين سُمعت تحت القبة، مشيرًا إلى أنّه "نحن معهم قولًا وفعلًا". وختم بالقول: "كان لا بد من إقرار الموازنة، لأن الدولة لا يمكنها أن تعمل من دون موازنة".
بدوره، قال النائب علي حسن خليل إنّ إقرار الموازنة "من أبرز وأهم أعمال المجلس النيابي"، معتبرًا أنّ "النقاش أخذ أحيانًا أبعادًا غير واقعية، لكن في النهاية حكمت اللعبة الديمقراطية". وأبدى خليل استغرابه من "تصويت كتلة أساسية مشاركة في الحكومة ضد الموازنة رغم امتلاكها حقائب وزارية"، واصفًا ذلك بأنّه "جزء من اللعبة الديمقراطية".
أما رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان فاعتبر أنّ الموازنة "ليست مثالية"، مشددًا على أنّ "حق الاقتراح والتعديل في الموازنة يعود لمجلس النواب، وإلّا لماذا تُحال إليه؟". وختم بالقول: "حصل خير، أُقرّت الموازنة، وموعدنا من اليوم وحتى 15 شباط".
مفاوضات واحتجاجات
وكان قد انحسب العسكريون المتقاعدون من ساحة النجمة وبدأوا مغادرة الساحة العامة لمجلس النواب، عقب اجتماع لجنة المتابعة المنبثقة عنهم، والمؤلفة من العميدين المتقاعدين شامل روكز وبسام ياسين، مع رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من النواب، وبمتابعة من رئيس مجلس النواب نبيه برّي ونائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب.
وبحسب المعطيات، طلب برّي من رئيس الحكومة ووزير المال عقد اجتماع جديد مع وفد العسكريين المتقاعدين، قبل إدراج الصيغة النهائية لزيادة الرواتب.
وكان محيط مجلس النواب قد شهد توترًا لافتًا في ساحة النجمة بعدما دخل متظاهرون إلى الساحة المقابلة للمجلس وسط حالة غضب واسعة، إذ أفيد بأنّ الأمور "خرجت عن السيطرة" بعد اجتياز عسكريين متقاعدين الحاجز الأمني وتقدّمهم باتجاه المجلس، احتجاجًا على "عدم إدراج مطالبهم على جدول الموازنة".
وفي تطور متصل، طلب برّي "وقف البثّ المباشر" لمجريات جلسة مناقشة الموازنة لمتابعة ما يحدث داخل المجلس، فيما أشارت المعطيات إلى أنّ العسكريين المتقاعدين دخلوا "بهو المجلس" قبل وقف النقل المباشر.
وعُلم أنّ وزيري الداخلية والبلديات أحمد الحجّار والدفاع الوطني ميشال منسى خرجا من المجلس للتحدث إلى العسكريين المجتمعين عند البوابة، كما تم إدخال النائب السابق والعميد شامل روكز إلى المجلس.
وفي سياق التحركات، أُفيد بتحركات في العباسية جنوبًا، والمنية وطرابلس شمالًا، وبرّ إلياس بقاعًا، تضامنًا مع مطالب العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام.
ويأتي هذا التوتر على خلفية تحركات مطلبية متصاعدة ينفذها أساتذة التعليم الرسمي والعسكريون المتقاعدون وموظفو الإدارة العامة، بالتزامن مع انعقاد الجلسات التشريعية المخصصة لمناقشة موازنة العام 2026. وكانت إحدى الوقفات الاحتجاجية السابقة قد شهدت تدافعًا بين المحتجين والقوى الأمنية أثناء محاولتهم التقدم باتجاه المجلس، بعد فرض حواجز حديدية لمنع الوصول.
