في لبنان، لا تُقاس أزمة الانتخابات بنوع النظام الانتخابي فحسب، بل باليد التي تكتب قانونه، وبالغاية التي يُكتب من أجلها. هنا تحديدًا تتبدّى المفارقة الفاضحة: تُستدعى الانتخابات بوصفها طقسًا ديمقراطيًا، فيما تُصاغ قواعدها مسبقًا لضمان نتيجة شبه معروفة. لذلك، لا يهمّ كثيرًا إن كان النظام أكثريًا فرديًا، أو نسبيًا على أساس اللوائح، في دوائر صغيرة، متوسطة أو كبيرة… فالنتيجة واحدة تقريبًا: إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها بنسبة تقارب التسعين في المئة، مع بعض التبدلات التجميلية التي تمليها موازين القوى الآنية، لا التحوّلات المجتمعية.
مناسبة هذا المقال هي المأزق الذي أوقعتنا فيه الطبقة السياسية: معضلة صياغة قانون غير قابل للتطبيق، وعجزها عن تعديله. لن أتناول أيّ الأنظمة الانتخابية هي الأفضل، بل بالأحرى كيف يمكن إنتاج قانون انتخاب أو تعديله في سياق سياسي كهذا، ومن دون الوقوع مجددًا في فخ اللجان النيابية والوزارية التي تُفصِّل القوانين على قياس مصالحها؟
المشكلة ليست تقنية، ولا لغزًا دستوريًا معقّدًا، بل هي مشكلة سياسية صريحة: النواب الذين يُفترض أن يُنتخبوا بموجب قانون الانتخاب هم أنفسهم من يضعون أهدافه ويصوغونه ويصادقون عليه. أي أن المشرِّع هو المستفيد المباشر من التشريع. هذا تضارب مصالح صارخ في أي نظام ديمقراطي، لكنه في لبنان يتحوّل إلى قاعدة ثابتة. هكذا تُفرغ الانتخابات من مضمونها بوصفها آلية محاسبة، وتتحوّل إلى أداة لتجديد شرعية منظومة قائمة بالرغم من عطبها.
قوانين تُفرغ الانتخابات
منذ الاستقلال، لم يولد أي قانون انتخابي في لبنان خارج سياق التسويات غير النبيلة بين زعماء الطوائف والأحزاب النافذة. كل تعديل، وكل تقسيم دوائر، وكل عتبة انتخابية، كان جوابًا على سؤال واحد: كيف نحافظ على مواقعنا؟ وليس على سؤال: كيف نُمثِّل مختلف شرائح المجتمع بعدالة؟
تُفصَّل القوانين على قياس شبكات الزبائنية وجغرافيا النفوذ الطائفي، وعلى توازنات إقليمية تُترجم داخليًا. وعندما تُفرض تعديلات تحت ضغط ما، تُفرَّغ لاحقًا من مضمونها عبر تفاصيل التطبيق: عتبة اجتياز مرتفعة جدًا، والصوت التفضيلي، وحجم الدوائر، وإدارة العملية الانتخابية، والإشراف عليها.
"هيئة بطرس": الاستثناء الذي كُسِر
في العام 2005، وفي لحظة سياسية استثنائية أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري، جرت محاولة نادرة لكسر الحلقة. كُلِّفت هيئة مستقلة من خبراء وحقوقيين وأكاديميين بمهمة إعداد مشروع قانون انتخابي جديد يليق بلبنان ما بعد الحرب. عُرفت بـ"الهيئة الوطنية الخاصة بإصلاح قانون الانتخابات"، ولاحقًا اختصارًا بـ"هيئة بطرس"، نسبةً إلى رئيسها الوزير الراحل فؤاد بطرس. ما ميّز التجربة ليس فقط مهنيتها وكفاءة أعضائها، وإنما أيضًا تركيبتها المتوازنة سياسيًا وطائفيًا ومناطقيًا، من دون انتماءات حزبية أو التزامات مسبقة.
عملت الهيئة نحو سنة كاملة. أجرت مشاورات واسعة، واستفادت من خبرات دولية، واستَمعت إلى الأحزاب والقوى السياسية، واستقبلت مئات الاقتراحات والمشاريع من حزبيين ومستقلين وخبراء وهيئات مجتمع مدني، قبل أن تخرج بمسودة قانون جديد "مختلط" يجمع بين الأكثري والنسبي، والدوائر الصغيرة والمتوسطة. ماذا كانت النتيجة؟ وُضع المشروع في الأدراج. لم يُناقَش بجدية، ولم يُعتمد. ليس لأنه يحتوي ثغرات تقنية قاتلة، بل لأنه صعَّب توقّع نتائج الاقتراع، وهدّد التوازنات التي ارتاحت إليها القوى النافذة. تجربة "هيئة بطرس" لم تفشل تقنيًا، بل فشلت سياسيًا، لأنها اصطدمت بجدار واحد: البرلمان نفسه.
هل يمكن إخراج القانون من يد البرلمان؟
هنا نصل إلى السؤال المحرَّم: هل يمكن، أو هل يجب، إخراج إنتاج قانون الانتخاب من يد البرلمان اللبناني؟ من حيث المبدأ، يبدو الجواب بديهيًا: لا إصلاح انتخابيًا جديًا من دون كسر احتكار السلطة لصياغة القواعد، فأي لجنة تُعيَّن بتوافق القوى نفسها ستُفرغ من مضمونها. لكن من حيث الواقع اللبناني، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: من يملك الشرعية؟ من يعيّن؟ ومن يضمن التنفيذ؟
لكي تستطيع أي هيئة إنتاج قانون ذي صدقية، لا بد من توفر أربعة شروط: استقلال فعلي عن الأحزاب والزعامات، وشرعية مزدوجة: قانونية (بنص دستوري أو قانون خاص) ومجتمعية (عبر آلية شفافة للاختيار وكفاءة مهنية وسمعة فوق الألسن)، وهيئة ذات قرارات ملزمة أو شبه ملزمة مع صلاحيات مُحصَّنة تتجاوز الاستشارة الشكلية، وأخيرًا إطار زمني يمنع التسويف. من دون ذلك، سنعيد إنتاج "هيئة بطرس" بلا أسنان.
نماذج مقارنة: كيف تُقيَّد يد السياسي؟
فرنسا: مجلس دستوري حارس
في فرنسا، تقترح الحكومة تعديلات على قوانين الانتخابات ويناقشها البرلمان، لكن المجلس الدستوري يلعب دور الحارس؛ فهو قادر على إسقاط أي تعديل يمسّ مبدأ المساواة بين الناخبين. استقلاله النسبي، ومعاييره الواضحة، يفرضان كلفة حقيقية على أي عبث سياسي بالقانون. النخب لا تملك حرية مطلقة؛ ثمة سقف دستوري فعلي.
للتذكير: المجلس الدستوري الفرنسي أسقط أو قيّد تعديلات انتخابية في أكثر من محطة مفصلية. في قراراته بين 1985 و1986، فرض معايير صارمة على إعادة تقسيم الدوائر ومنع التلاعب السياسي بها. وفي القرار رقم 2008-573 DC شدّد على مبدأ المساواة بين الناخبين، واعتبر أي انحراف كبير في الوزن التمثيلي مخالفًا للدستور، ما أجبر المشرّع على تعديل الصياغة بدل تمرير التسويات كما هي.
كندا: الشكّ بالنخب قاعدة مؤسسية
في كندا، لا تُترك مسألة التمثيل للسياسيين وحدهم، بل توجد هيئات مستقلة لترسيم الدوائر (Electoral Boundaries Commissions) تعمل وفق معايير ديموغرافية وإحصائية صارمة، وقراراتها شبه نهائية. الأحزاب تعترض وتحاول التأثير، لكنها لا تستطيع إعادة رسم الخريطة على قياسها. الفصل بين من يقترح ومن يستفيد ليس أخلاقيًا فحسب، بل مؤسسيًا.
هنا لا نتحدث عن نوايا حسنة، بل عن آلية ثابتة: لجان ترسيم الدوائر المستقلة تُنشأ تلقائيًا بعد كل إحصاء سكاني، وترفع اقتراحاتها مباشرة، فيما يُمنع النواب عمليًا من إعادة رسم الدوائر بأنفسهم، مهما علت اعتراضاتهم.
ألمانيا: المحكمة الدستورية فوق التسويات
في ألمانيا، البرلمان يقترح التعديلات، لكن المحكمة الدستورية الفيدرالية هي الحكم الأخير. سبق أن أبطلت تعديلات منحت أفضلية غير عادلة للأحزاب الكبرى، وفرضت إعادة تصميم آليات احتساب المقاعد، واضعةً مبدأ "تكافؤ الأصوات" فوق أي تسوية. الأحزاب قبلت، لأن كلفة كسر الشرعية الدستورية أعلى من خسارة مقعد.
يكفي التذكير بأحكام المحكمة الدستورية الفيدرالية في تموز 2008 ثم في تموز 2012، حين أبطلت آليات احتساب الأصوات المعروفة بـ"الوزن السلبي للصوت" لأنها منحت الأحزاب الكبرى أفضلية غير عادلة. وفي الحكم الشهير 2 BvF 3/11 (2012)، فُرض على البرلمان تعديل النظام الانتخابي رغم مقاومة سياسية واضحة، واضعةً مبدأ "تكافؤ الأصوات" كخط أحمر لا يُساوَم عليه.
القاسم المشترك بين هذه النماذج ليس الفضيلة، بل وجود كابح مؤسسي لطغيان النخب: مجلس دستوري مستقل، وهيئات تقنية مُحصَّنة، ورأي عام قادر على فرض كلفة سياسية.
المجلس الدستوري في لبنان: حارس مُعطَّل
في المقابل، يُعيَّن المجلس الدستوري في لبنان بالتوازنات نفسها التي تحكم البرلمان والحكومة ومعظم الهيئات السياسية وحتى القضائية. يُشلّ عند اللحظات المفصلية، وتُدار مهل الطعن بوصفها أداة تعطيل. بدل أن يكون حارسًا لقواعد اللعبة، أصبح جزءًا من هندسة العطب. هنا يكمن الفارق الجوهري: في دول أخرى، الدستور يُخيف السياسي؛ في لبنان، السياسي يُطوّع الدستور.
ولعل العطب الأساسي في عمله أنه لا يملك حق "التصدي التلقائي"، أي أنه لا يستطيع النظر في دستورية قانون من تلقاء نفسه، بل بناءً على "مراجعة طعن" تقدمها السلطة نفسها المشكو منها في أغلب الأحيان (رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، أو 10 نواب).
وتُظهر التجربة اللبنانية أنه حتى عندما يقدّم أحد هؤلاء مراجعة في قانون ما، فقد لا ينجُ الدستور. ففي العام 2013، عُطِّل المجلس الدستوري عمليًا عن النظر في الطعن بتمديد ولاية مجلس النواب بعد استقالة أعضاء منه ومنع اكتمال النصاب. وفي 2014–2015، شُلّ المجلس في ملفات مفصلية أخرى.
من يمنع كسر الحلقة؟
فلنخرج من التعميم المريح: من يمنع كسر الحلقة ليس "النظام" بوصفه مفهومًا مجرّدًا، بل القوى الطائفية الحاكمة نفسها، بأحزابها وزعاماتها وشبكات مصالحها السياسية والمالية والإعلامية، التي راكمت امتيازها الأساسي: احتكار صياغة قانون يعيد إنتاجها. هذه القوى لا تخشى الإصلاح لأنها تجهله، بل لأنها تفهمه جيدًا؛ تدرك أن أي قانون انتخاب يُكتب خارج قبضتها، وأي هيئة مستقلة ذات صلاحيات فعلية، وأي رقابة دستورية لا تخضع للمساومات، ستفتح باب المحاسبة وتهدد شبكات الزبائنية، وتكسر احتكار التمثيل الطائفي. لذلك يُجهَض كل اقتراح جدي، وتُستدعى فزّاعة "الميثاقية" كلما اقترب النقاش من جوهر المشكلة.
أسئلة مؤجلة
ولكن يبقى السؤال: لماذا ستقبل هذه القوى بالتنحّي طوعًا عن دور كتابة قانون انتخابها؟ الجواب الصريح: لن تفعل. التجارب المقارنة تُظهر أن النخب لا تتنازل لأنها اقتنعت فجأة بقيَم الديمقراطية، بل لأنها أُجبرت. في العراق كان الضغط دمويًا. في تونس كان الخوف من الشارع وفقدان الشرعية الوليدة. وفي الديمقراطيات المستقرة كان وجود مؤسسات أقوى من السياسيين. أما في لبنان، فلا ضغط مستداماً، ولا ميزان قوى يُشعر الطبقة الحاكمة بأن استمرارها بات مكلفًا. لذلك لا تتراجع، بل تناور، وتؤجّل، وتعيد إنتاج نفسها بالقانون نفسه كل مرة.
من هنا، كيف نكسر الحلقة التي تجعل كل قانون انتخاب ابنًا شرعيًا للطبقة التي يُفترض أن يغيّرها؟ لا جواب تقنيًا على هذا السؤال. فكسر الحلقة لا يبدأ بنقاش الأكثري والنسبي، ولا بالصوت التفضيلي ولا بعدد الدوائر، بل يبدأ بالاعتراف بأن البرلمان، بصورته الحالية، غير مؤهّل أخلاقيًا ومعرفيًا لاحتكار صياغة قواعد اللعبة. أي مسار جدي يمرّ حتمًا عبر إخراج قانون الانتخاب من قبضة المستفيدين منه، من خلال هيئة مستقلة فعلية بصلاحيات ملزمة، ورقابة دستورية مُحصَّنة، وضغط سياسي ومجتمعي مستدام يفرض كلفة حقيقية على التعطيل.
من دون ذلك، سيبقى كل قانون انتخاب جديد مجرد تعديل تجميلي على نظام مغلق، وستبقى كل انتخابات مجرد استحقاق معروف النتائج. فالمشكلة ليست في عطب الديمقراطية، بل في من يتقن استخدامها كقناع… فيما يكتب بهدوء قانون استمراره. فالقانون الذي تكتبه السلطة أغلب الظن لن يخذلها.
