حزب الله: بين السّلاح والسّياسة

عمر العريضيالخميس 2026/01/29
Image-1768579016
من فنزويلا إلى إيران، ومن غزة إلى قضية الأكراد إلى السويداء، الصورة واحدة. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

أنهى لبنان المرحلة الأولى من خطّة الجيش اللّبنانيّ لبسْط سلطة الدّولة جنوب نهر اللّيطانيّ. جرت العمليّة بهدوءٍ نسبيٍّ وبسلاسةٍ غير معهودةٍ في ملفٍّ شديد الحساسيّة، وبدرجةٍ من تعاون حزب الله، ما شكّل حدثًا لافتًا بعد سنواتٍ طويلةٍ من الجمود في هذا الملفّ. غير أنّ هذا الإنجاز، بدل أن يفتح الباب لحلٍّ شاملٍ، أعاد تسليط الضّوء على المأزق الحقيقيّ الذي يواجه الدّولة اللّبنانيّة اليوم.

وبالتزامن مع التّحضيرات الجارية لزيارة قائد الجيش إلى واشنطن، والإنجازات الكبيرة التي حقّقها، وارتياح الجنوبيّين إلى دوره وطريقة التّعامل معهم، ومع التّحضير لاستكمال الجزء الثّاني من الخطّة، يبدو الواقع السّياسيّ الدّاخليّ لا يبشّر بخير. لا يوجد أيّ توافقٍ مع حزب الله حول هذه الخطوة، وهنا نقف عند جدارٍ مسدودٍ. فالدّولة عاجزةٌ عن التقدّم من دون غطاءٍ سياسيٍّ وطنيٍّ، وحزب الله يرفض حتى الآن الخوض في نقاشٍ جدّيٍّ حول مستقبل سلاحه خارج معادلة الصّراع الإقليميّ، والنّتيجة شللٌ كاملٌ.

وفي الوقت نفسه، تصعّد إسرائيل ضرباتها في الجنوب، لا كردّ فعلٍ ظرفيٍّ، بل كسياسةٍ مستمرّةٍ، مرشّحةٍ للتكثيف كلّما طال هذا الفراغ. فالجنوب عمليًّا لا يزال ساحة حربٍ مفتوحة، والقرى الحدوديّة لا تزال مدمّرة، وسكّانها ينتظرون بلا أفقٍ واضح، فيما النّزوح يترسّخ كأمرٍ واقع. ومع كلّ غارةٍ إضافيّة، يصبح الحديث عن الاستقرار أكثر بعدًا عن الواقع.

ورغم بدء تدفّق مساعداتٍ خارجيّة، سواءٌ عبر مؤسّساتٍ دوليّةٍ كالبنك الدّوليّ، أو من دولٍ صديقةٍ ومشكورةٍ مثل قطر، فإنّ الحقيقة الثّابتة هي أنّ إعادة الإعمار ستبقى مجمّدةً ما لم تتوقّف الأعمال العسكريّة بالكامل. لا أحد سيموّل بناء ما دمّره العدوان الإسرائيليّ في منطقةٍ مرشّحةٍ للانفجار مجدّدًا. وهذا يعني أنّ الجنوب، بكلّ بساطةٍ، سيبقى معلّقًا بين الحرب واللاشيء.

من هنا، يفرض السّؤال نفسه: ما هي الخيارات المتاحة؟ ليس للبنان فقط، بل لحزب الله تحديدًا. من الواضح أنّ السّلاح، بصيغته الحاليّة، لم يعد يقدّم عنصر الرّدع الذي يفترض أنّه وجد من أجله. كانت نتائج الحرب الأخيرة قاسيةً وواضحةً: دمارٌ واسعٌ، وخسائر بشريّةٌ واقتصاديّةٌ كبيرة، وضرباتٌ إسرائيليّةٌ عميقةٌ طالت قادةً كبارًا في هيكليّة الحزب الأمنيّة، ما أدّى إلى تغييرٍ جوهريٍّ في موازين القوى. خرج لبنان من الحرب أضعف، وخرج حزب الله تحت ضغطٍ غير مسبوق، داخليًّا قبل أن يكون خارجيًّا.

وسؤالٌ آخر لا يمكن الهروب منه: هل يستطيع حزب الله تحمّل مغامرةٍ عسكريّةٍ جديدة؟ وهل يملك ترف جرّ البلد إلى حربٍ أخرى في ظلّ هذا الانهيار الماليّ والاجتماعيّ المستمرّ، والانقسام السّياسيّ الكبير حول السّلاح؟ والأهمّ: ماذا سيقول لشركائه في الوطن، ولجمهوره تحديدًا داخل الطّائفة الشّيعيّة، إذا طلب منهم تحمّل حربٍ جديدة، هذه المرّة ليس من أجل لبنان أو غزّة، بل، كما صرّح أمينه العامّ مؤخّرًا، في سياق الدّفاع عن إيران ومرشدها؟

إنّ هذا السّيناريو، إن تحقّق، لن يكون مجرّد تصعيدٍ عسكريٍّ، بل كارثةً وطنيّةً بكلّ معنى الكلمة، وستكون الطّائفة الشّيعيّة الكريمة في قلب العاصفة، تدفع الثّمن الأكبر بشريًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، في بلدٍ لم يعد يحتمل المزيد.

تقدّم الأحداث الإقليميّة الأخيرة دروسًا واضحةً لمن يريد أن يتعلّم. حين اقترب شبح الحرب من إيران، استنفدت كلّ الوسائل الدّبلوماسيّة الممكنة، وفتحت طهران قنوات تواصلٍ مباشرةً مع الولايات المتّحدة، عدوّها الأوّل نظريًّا، من أجل احتواء التّصعيد وحماية الداخل الإيرانيّ. غلّبت البراغماتيّة الأيديولوجيا، لأنّ كلفة الحرب كانت أعلى من أيّ خطاب.

والأمر نفسه ينطبق على "حماس" في غزّة، التي تعمل اليوم بشكلٍ مباشرٍ مع الأميركيّين لمنع استئناف الحرب، وتظهر استعدادًا عاليًا لتقديم تنازلات، لأنّ الأوّلوية أصبحت واضحة: وقف القتال ومنع مزيدٍ من الدّمار.

لماذا إذًا يسمح لإيران بممارسة كلّ أشكال الدّبلوماسيّة، وتسمح لـ"حماس" المفاوضة، بينما يمنع لبنان من التّفكير بالسّياسة ومصالحه؟ ولماذا يصرّ البعض على اعتبار أيّ نقاشٍ سياسيٍّ، أو أيّ مقاربةٍ تفاوضيّةٍ، خيانةً أو ضعفًا؟ كيف يمكن تفسير هذه الازدواجيّة؟ ولماذا تشجّع التّسويات في كلّ مكان، وتدان فقط عندما تكون لبنانيّة؟

من فنزويلا إلى إيران، ومن غزّة إلى قضيّة الأكراد إلى السّويداء، الصّورة واحدة: لعبة أممٍ أكبر من الجميع، والدّول الصّغيرة تدفع الثّمن إن لم تحسنْ قراءة اللّحظة. لبنان اليوم أمام خيارٍ مصيريّ: إمّا البقاء في دائرة الحرب المفتوحة، ورهينة الأحقاد والحسابات السّياسيّة الضيّقة، وإمّا تفعيل عقله السّياسيّ الجماعيّ والذّهاب إلى تسويةٍ داخليّةٍ شجاعةٍ حول السّلاح وكافّة الملفّات العالقة، فننتج مشروعًا وطنيًّا بمشاركة جميع المكوّنات، بالتّوازي مع مقاربةٍ خارجيّةٍ واقعيّةٍ تشمل مفاوضاتٍ سياسيّةً أوسع، تفتح الباب أمام استقرارٍ فعليٍّ ومستدامٍ على الحدود الجنوبيّة، فتعود الحياة إلى القرى المدمّرة، ويتحرّر الأسرى، ونطوي صفحة الحرب نهائيًّا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث