ليس السؤال المطروح ما إذا كانت لجنة الميكانيزم ستنعقد أم لا، بل لأجل ماذا ستنعقد، في ضوء ما تراكَم أخيراً من معطيات، بين رغبة بيروت في الإبقاء على اللجنة بصيغتها الحالية مع إدخال تعديلات تقنية محدودة، ورغبة الولايات المتحدة في إجراء «نفضة» شاملة تنقلها من مسار إلى آخر.
لا يُخفي رئيس الجمهورية جوزاف عون في هذه المرحلة قلقه من المسار الذي تتخذه الأمور، ولا من الآفاق التي قد تفضي إليها، في ظل ما يصفه بمناخ سياسي وأمني ضاغط يتلبّد فوق الساحة اللبنانية. فخيار الذهاب إلى تفاوض مدني مع إسرائيل تحت مظلة الميكانيزم كان، وفق مقاربته، يهدف أساساً إلى تخفيف الضغط عن الداخل اللبناني، قبل أن يتبيّن أن العكس هو الحاصل. إذ بات وجود لبنان داخل اللجنة بصيغتها الراهنة عنواناً إضافياً للتأزيم، يضاف إليه النزاع الفرنسي – الأميركي الذي اندلع أخيراً حول طبيعة التمثيل المدني داخلها.
وزادت تعقيدات المشهد مع بروز عملية فرز سياسي واضحة بين فريقين أضحت كامل الوضعية السياسية رهينتهما: الأول يراهن على إحداث تغيير جذري في الواقع اللبناني ينقله إلى تفاوض أعمق مع إسرائيل، ويمرّ هذا المسار، بحسب تقديراته، عبر توجيه ضربة مؤثرة إلى إيران تُفضي إلى إضعاف حزب الله في لبنان. أما الفريق الثاني، فيراهن على فشل الضغوط المفروضة على طهران، مع اعتقاده بإمكانية «تقريش» هذا الفشل داخلياً، بحيث تكون أولى ضحاياه فكرة التفاوض مع إسرائيل.
معطيات جديدة
في هذا السياق، يتلمّس رئيس الجمهورية نيات واضحة لتعديل شكل الميكانيزم ومهمتها. ويتحدث عن معطيات بات يمتلكها دفعته إلى تكليف مستشاره الأمني والعسكري العميد المتقاعد أنطوان منصور التوجّه إلى السفارة الأميركية، لمفاتحة مساعد رئيس اللجنة الكولونيل ديفيد كلينغنسميث بما توافر من معلومات، وبحث إمكان التوافق على أرضية لتطوير عمل اللجنة. وفي موازاة النقاش حول تعديل المنهجية، يصرّ عون على أن الصيغة الحالية تبقى الأفضل للبنان، رافضاً أي مسارات تفاوضية بديلة خارج إطارها، وهو موقف يلقى تقاطعاً مع الرئيسين نبيه بري ونواف سلام، علماً أن طروحات عُرضت عليه لتوسيع التفاوض وجعله مباشراً وصريحاً، فقابلها بالرفض.
يتصرّف عون على أساس أن لبنان بلغ سقفاً مرتفعاً وغير مسبوق في مسار التفاوض مع إسرائيل، وقدّم تنازلاً وازناً تمثّل في تعيين ممثل مدني ضمن «الميكانيزم»، في تجاوز واضح للمفهوم الأساسي الذي قامت عليه اللجنة. ومن هذا المنطلق، لا يبدي لبنان استعداداً حالياً للذهاب نحو مسار تفاوضي أوسع، ويعتبر أن الحديث عن تفاوض مباشر وصريح لا يزال سابقاً لأوانه، لأسباب عدة، أبرزها عدم التزام إسرائيل بتنفيذ بنود اتفاق ٢٧/١١/٢٠٢٤م، وغياب الغطاء الداخلي، فضلاً عن مخاطر الانزلاق إلى مسار قد يُفسَّر داخلياً على أنه مساس بتوازنات دقيقة، وهو ما أُبلغ به الرئيس بوضوح.
وفي معرض الرد على الطروحات الداعية إلى توسيع الوفد المفاوض وتعيين وزير بصفة مفاوض مدني يرأسه، يرى عون أنه ذهب أبعد من أيّ من أسلافه حين عيّن مندوباً مدنياً من اقتراحه، ومنحه صفة «مندوب رئيس الجمهورية». ومن هذا المنطلق، يعتبر أن السفير السابق سيمون كرم لا يشكّل مجرد مندوب مدني، بل مبعوثاً شخصياً للرئيس وممثلاً للدولة اللبنانية، في موقع يتقدّم على أي تمثيل عسكري أو مدني آخر على طاولة التفاوض، ولا سيما التمثيل الإسرائيلي المحصور بموظف رسمي لا بموفد خاص.
جلستا مكاشفة
وتجد مواقف عون ترجمتها في المسار الإعلامي الذي اعتمده رئيس الوفد اللبناني إلى «الميكانيزم» السفير سيمون كرم خلال الأيام الماضية. وفي الشكل، عكس ظهوره الإعلامي بصفته التفاوضية توجهاً أقرب إلى المكاشفة حول ما جرى خلال جلستين من التفاوض.
وعلى الرغم من كل ما يُتداول في بيروت حول مستقبل «الميكانيزم» ومصيرها، تحافظ واشنطن، عبر سفارتها في بيروت، على وتيرة تعامل ثابتة معها. فمع عودة رئيس اللجنة الجنرال جوزف كليرفيلد من إجازته (يغادر مرة جديدة اليوم الى واشنطن برفقة وفد من ضباط الجيش برئاسة قائد قطاع جنوب الليطاني العميد نيكولاس تابت) أُبلغ المعنيون بتمديد مهمته حتى شهر أيار المقبل، في وقت كان يُتداول فيه قرب انتهاء مهامه وتعيينه في موقع ضمن القيادة الوسطى الأميركية. وبالتوازي، يؤكد مطّلعون أن نشاط اللجنة لا يزال قائماً في بُعده التقني – الميداني، المرتبط بآليات التواصل والتنسيق مع الجيش اللبناني، سواء عبر المتابعة المباشرة أو من خلال «الإجراء الإلكتروني»، في ملفات عدّة جنوب الليطاني. وهو ما يدل على أن المهمة لم تنته بعد، رغم إعلان الجيش حصر السلاح جنوب الليطاني، إذ تؤكد مصادر أن العمل لا يزال جارياً على أهداف محددة.
غير أن ذلك لا يعني أن «الميكانيزم» بصيغتها الحالية مرشّحة للتحوّل إلى لجنة دائمة. إذ تُطرح في واشنطن أفكار فُتحت نافذة لمناقشتها مع بيروت، تتعلق بصيغة «ميكانيزم +» ضمن إطار جديد ومعدّل، يُتداول أن تدشينه قد يبدأ بعد حسم الجيش قراره بشأن منطقة شمال الليطاني، على أن يكون عبارة عن آلية ثلاثية. وفي هذا السياق، تَقرأ أوساط متابعة كثافة الصيغ المتداولة حول مصير «الميكانيزم» على أنها انعكاس مباشر للصراع المتفاقم بين فرنسا والولايات المتحدة حول الشكل المستقبلي لهذه الآلية ودورها.
