تنسيق قطري فرنسي حول لبنان.. و5 آذار لدعم الجيش أم للمحاسبة؟

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/01/28
الجيش اللبناني (Getty)
ضرب محاولات إعادة الإعمار يبدو كأنه جزءٌ من مشهدٍ يتكرر يوميًا. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

فيما بدت بيروت، لليوم الثاني، منغمسة في نقاش الموازنة للعام 2026، تبقى في الخلفيّة معارك شرسة، أعمق من الأرقام، عناوينها الجنوب والسّيادة والأمن ومستقبل علاقات لبنان بالولايات المتحدة والعرب والمجتمع الدولي عموماً. وهذه العناوين تنتظرها جلسة الحكومة المرتقبة في بعبدا، والتي ستُعرض فيها خطّة الجيش للانتشار شمال نهر اللّيطاني.

 

لودريان في الدوحة

في سياق الدعم القطري للبنان، وللجيش خصوصاً، واستكمالاً لزيارة وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي لبيروت، أعلنت الخارجيّة في الدوحة أنّ رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجيّة الشّيخ محمّد بن عبد الرّحمٰن بن جاسمٍ آل ثاني استقبل المبعوث الفرنسيّ للبنان جان إيف لودريان. وقالت الوزارة إنّه جرى "استعراض علاقات التّعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها"، ومناقشة "آخر التّطوّرات في لبنان" وموضوعاتٍ مشتركةٍ. وأكّدت أنّ الوزير شدّد على أنّ "استقرار لبنان ركيزةٌ أساسيّةٌ لاستقرار المنطقة"، مطالبًا بضرورة "التزام الأطراف بتطبيق القرار 1701" و"احترام سيادة الجمهوريّة اللّبنانيّة الكاملة على أراضيها". وجدّدت قطر إدانتها "للاعتداءات الإسرائيليّة على الأراضي اللّبنانيّة"، مؤكّدةً وجوب اضطلاع مجلس الأمن بمسؤوليّته لوقف الانتهاكات والحفاظ على الاستقرار. ونوّه الوزير بدور "المجموعة الخماسيّة" في مساندة لبنان، مشيرًا إلى استمرار العمل القطريّ المشترك مع الشّركاء لتنسيق الجهود الدّاعمة لحفظ السّيادة ووحدة الأراضي ودعم مسارات التّعافي والتّنمية.

وتزامن هذا اللقاء مع إعلان قطر تسليم الجيش اللبناني غداً 37 آلية هي دفعة من أصل برنامج الدعم المتدرج الذي أعلنت الدوحة عن تخصيصه للجيش. 

 

الحكومة والخطّة الموعودة
وينعقد مجلس الوزراء بعد ظهر الجمعة في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، ويتصدّر جدول الأعمال بندٌ يتّصل بعرض الخطّة الّتي أعدّها الجيش اللّبنانيّ للانتشار والعمل شمال نهر اللّيطاني. ومن المقرّر أن يقدّم قائد الجيش العماد رودولف هيكل عرضًا مفصّلًا يتناول الإطار العملياتيّ ومراحل التّنفيذ والمهامّ والمتطلّبات اللّوجستيّة والأمنيّة، في ضوء التّطوّرات الميدانيّة والالتزامات المرتّبة على الدّولة.

وفيما الدّول المعنيّة ترفع سقف شروطها، ولاسيما لجهة تعزيز حضور الجيش شمال اللّيطاني كمدخلٍ لتثبيت الاستقرار ومنع التّدهور، يتحوّل المطلب الدّوليّ إلى معيارٍ لقياس تماسك الدّولة من الداخل، وقدرتها على إدارة الحسّاسيّات، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة على الجنوب، وتواصل الغارات وسقوط الشّهداء والجرحى، مع تقارير عن تفجيرٍ وتوغّلٍ ونسف منازل في بعض بلدان الحافة الأماميّة. والأخطر هو ضرب أي محاولة لإعادة الإعمار.

 

واشنطن- باريس ومعركة 5 آذار
وفيما تتراكم إشاراتٌ سياسيّةٌ إلى أنّ إدارة دونالد ترامب تعمل على تهميش دور اللّجنة الخماسيّة الخاصّة بلبنان و"لجنة الميكانيزم" المشرفة على وقف النّار منذ تشرين الثّاني 2024، واستبدالها بثنائيّةٍ تجمع واشنطن وتل أبيب، بذريعة أنّ الطّروحات الفرنسيّة "ناعمةٌ أكثر ممّا ينبغي"، فإنّ أصواتًا بدأت تُسمع داخل مراكز صنع القرار وتدعو إلى التّحفّظ في هذا السلوك، لأنّ فرنسا والعرب المشاركين في الخماسيّة قدّموا حتّى اليوم دورًا فاعلًا في دفع لبنان نحو المسار المطلوب، وغالبًا تحت مظلّةٍ أميركيّة.

ويظهر التّباين الأشدّ في ملفّ دعم الجيش. ففرنسا تتعامل معه كمشروعٍ استراتيجيٍّ مستدامٍ يتطلّب تدرّجًا. أمّا إدارة ترامب فتدفع نحو شرطٍ يرفع سقف المؤتمر الّذي تستضيفه باريس في 5 آذار، وهو ربط الدّعم بخطّةٍ زمنيّةٍ محدّدةٍ لنزع سلاح الحزب شمال اللّيطاني، لا في الجنوب فحسب. وبذلك، يخشى بعض المتابعين أن يتحوّل المؤتمر من منصّة دعمٍ إلى منصّة محاسبة يُربط فيها كلّ دولارٍ بمدى قدرة الجيش على الدّخول في صدامٍ داخلي مباشر. وهنا تحذر باريس من مخاطر كبيرة.

 

فجوة بين الموازنة والتآكل المعيشي
وتابع مجلس النّوّاب مناقشة مشروع قانون الموازنة في جوٍّ مشحونٍ سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا. والمشهد الأبرز ليس في النّصوص، بل في الفجوة بين ما تعد به الموازنة وما تحتاجه البلاد لمواجهة التّآكل المعيشيّ. وهنا يسري وصفٌ متداولٌ بين المتابعين أنّها موازنة "إدارة الأزمة" لا موازنة حلّها. 

وفي الجلسة، تجاوز رئيس "الكتائب اللّبنانيّة" النّائب سامي الجميّل في مداخلته نطاق الموازنة إلى السّياسة والسّلاح والسّيادة. وحين قاطعه نوّابٌ من كتلة "الوفاء للمقاومة"، قال الرئيس نبيه برّي للجميّل "خود راحتك"، فاستكمل الجميّل داعياً الدّولة إلى "استدعاء حزب الله" إلى "جلسة مصارحة" وختمها بخلاصةٍ حادّة "ما فينا نكمّل هيك".

الجميّل ربط بين الاستثمار واستعادة السّيادة، وسأل لماذا يجري بذل الجهد إذا كانت الدّولة لا تستعيد قرارها. وحاول تثبيت معادلةٍ أحاديّة المعنى أنّ "غير الدّولة" لا يصنع أمانًا دائمًا، وأنّ الرّهان على المحاور أدخل اللّبنانيّين في طرقٍ مسدودة. وتمدّدت مداخلته إلى نقد الجباية من "نصف المواطنين" لصرفها على "النّصف الآخر"، وإلى الدّعوة لموازنةٍ مبنيّةٍ على هدفٍ لا على "صفّ أرقام".

خلال كلامه، اعترض النّائبان إيهاب حمادي وعلي المقداد. حمادي طالب بحقّ الرّدّ، والمقداد اعتبر أنّ ورد كلمة "مليشيات" في "محضرٍ رسميّ" لا يجب أن يمرّ. وعاد برّي إلى اللّازمة نفسها لضبط الإيقاع "خود من الكلمة الكلام الطّيّب".

 

في المحصّلة، يبدو لبنان واقفًا على حافّتين: حافّة داخلة تتمثّل في موازنةٍ تواجه عاصفة المطالب وضعف الإيرادات وتراكم الانقسام، وحافّة خارجية تتمثّل في صراع أدوارٍ بين خماسيّةٍ يراد لها أن تبقى مظلّةً توافقيّة، وثنائيّة تسعى إلى فرض إيقاعها كمرجعٍ وحيد. وفي كلتا الحالتين، المعيار الملحّ يبقى واحدًا: هل تملك الدّولة قدرة على ابتكار الحلول الحقيقية وفرضها، ماليًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا، أم أنّها تدير الأزمة يومًا بيومٍ حتّى تأكلها الأزمة نفسها؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث