لم تكن جلسة مناقشة موازنة 2026 في مجلس النّوّاب مجرّد سجالٍ ماليٍّ متكرّر. ثمة مناخ جديد بدأ يظهر. في الدّاخل، كانت التجاذبات السّياسيّة تتحكم بالنقاشات حول أرقام الإنفاق والإيرادات، لكنها فتحت بابًا عريضًا على ملف "حصر السّلاح" وموقع "حزب الله" من قرار الدّولة، وحتّى على الحليف الإقليميّ إيران، بلغةٍ فجّرها النّائب فراس حمدان، وسانده نواب من الخط الرافض للسلاح خارج الدولة. وفيما كان ذلك يدور تحت قبة البرلمان، كان رئيس الجمهورية يوفد مستشاره العسكري من أجل نقاش دقيق وحسّاس مع الرقم 2، الأميركي، في رئاسة الميكانيزم، تحضيراً لاستحقاقات آتية: من زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن في 3 شباط المقبل إلى الاجتماع المرتقب أن تعقده الميكانيزم، مبدئياً، في 25 من الجاري.
أسلوب تصارع جديد.. وإدارة جديدة
إذًا، في ساحة النّجمة، سجالٌ حادٌّ حول كلماتٍ للنّائب فراس حمدان تناولت إيران، فتصدّى له نوّابٌ من كتلة "الوفاء للمقاومة" وتحوّلت الجلسة إلى مبارزةٍ سياسيّةٍ علنيّةٍ. تحدّث فراس حمدان عن الشّأن الإيرانيّ وتطوّراتٍ داخليّةٍ فيه، فطالبه رئيس المجلس بالالتزام بموضوع المناقشة. عندها فتح الباب على اعتراضاتٍ مباشرةٍ من نوّاب الثنائي، وسُمع في القاعة كلامٌ من نوع "ما بصير يعمل حملة انتخابيّة هون" و"روح اعمل مؤتمر صحافيّ برّا"، مع تثبيت فكرةٍ واحدةٍ عند المعترضين، "لا يجوز التّعرّض لدولةٍ صديقةٍ من على منصّة المجلس". وما لفت المتابعين هو أسلوب الرئيس نبيه بري في إدارة الاشتباك. فالمشهد المسجّل أظهر رئيس المجلس يدعو إلى وقف السجال ويخاطب المتخاصمين بنبرةٍ هادئة، من دون أن يضرب بمطرقته على الطاولة كما اعتاد أن يفعل. وتالياً، لم يذهب إلى القطع السّريع للسجال، تاركاً إياه يتفاعل لبعض الوقت، خلافاً لما كان يفعل في الجلسات، خصوصاً عندما يكون الاحتكاك متعلقاً بمسائل حسّاسة.
.. وأصوات من الشارع
بالتّوازي، كان هناك مشهدٌ يشتغل على نفَس الجلسة من خارجها: تظاهراتٌ وتجمّعاتٌ وصلت إلى محيط المجلس في ساحة النّجمة، شملت أساتذةً وموظّفي الإدارة العامّة ومساعدين قضائيّين وعسكريين، وبصيغٍ أخرى حضرت مطالب العسكريّين المتقاعدين في المحيط نفسه. هذا "الخارج" كان فرضًا لكلفةٍ سياسيّةٍ فوق رؤوس النّوّاب وهم يناقشون موازنةً تقوم أساسًا على ملفّ الرّواتب والتّعويضات ومستلزمات الدّولة التّشغيليّة. بمعنًى آخر، كانت الجلسة تناقش أرقام معيشة النّاس، والنّاس يرفعون صوتهم على البوّابة ليقولوا إنّ أيّ "توازنٍ" لا ينعكس على الأجور والحقوق سيتحوّل إلى شللٍ في الشّارع.
الموازنة و"التوازن الورقي"
أمّا المحور الّذي يجري تمريره بهدوءٍ تحت ضجيج السّجال، فهو الميزانيّة نفسها. موازنة2026 دخلت النّقاش بعنوان "صفر عجز"، لكنّ الصّورة الّتي ترتسم داخل اللّجان وفي النّقاشات أقرب إلى توازنٍ ورقيّ لا ماليّ، لأنّ أرقام النّفقات تستبعد استحقاقاتٍ كبرى وتبالغ في توقّعات الإيرادات، والأخطر أنّ بعض الاقتراحات يسعى إلى تحميل الدّولة خسائر ليست من نوع "نفقات السّنة" بل من نوع تصفية حساباتٍ مؤجّلة في الملفّ المصرفيّ.
لبنان قلبُه على الميكانيزم
في المقابل، وفي بعبدا، قنوات التّواصل مع "الميكانيزم" بدأت تتفعّل بوجهٍ رسميٍّ أكثر، تحت عنوان "تثبيت الاستقرار" وقبل موعدٍ دقيقٍ لقائد الجيش في العاصمة الأميركيّة. فبتكليفٍ مباشرٍ من رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، التقى مستشاره الأمنيّ والعسكريّ، العميد الرّكن المتقاعد أنطوان منصور، مساعد رئيس "اللّجنة الخماسيّة" لمراقبة اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في الجنوب، وهو عقيدٌ أميركيّ، وذلك في حضور ملحق الدّفاع في السّفارة الأميركيّة في بيروت. وبحسب الإعلان الرّسميّ، تركّز البحث على "تطوّر عمل اللّجنة" و"التّعاون" مع الجانب اللّبنانيّ وتثبيت أهمّيّة دورها في الاستقرار والأمن.
التّفصيل الّذي يستحقّ التّوقّف عنده أنّ الرّئاسة تتعامل مع "الميكانيزم" كقناةٍ مؤسّسيّةٍ. وهذا لا يعني أنّ الآليّة تنتج حلًّا وحدها، لكنّ بعبدا تريد من خلالها إظهار أنّ الدّولة قادرة على المشاركة في المخارج والخيارات. وهذا الأمر يرتبط بالمحطة المنتظرة لقائد الجيش العماد رودولف هيكل في واشنطن بين الثّالث والخامس من شباط، والتي ستسبقها جلسةٌ حكوميّةٌ يطرح فيها تقريره الدّوريّ المتّصل بملفّ السّلاح، وسلّة مطالب لدعم قدرات المؤسّسة وتوسيع هامش عملها.
