لم يكن إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان حدثاً إدارياً عابراً، ولا استجابة ظرفية لمطلب طائفي ضيق، بل جاء ثمرة رؤية إصلاحية عميقة قادها الإمام السيد موسى الصدر، الذي أدرك مبكراً أن تنظيم شؤون الطائفة الشيعية ضمن إطار مؤسساتي جامع هو شرط أساسي لحفظ كرامتها، وتحصين حضورها الوطني، وضمان مشاركتها المتوازنة في الدولة اللبنانية.
لقد أراد الإمام الصدر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مؤسسة جامعة، لا حكراً لطبقة ولا أداة بيد فئة، بل مرجعية تمثيلية تعبّر عن الإرادة الجماعية للشيعة في لبنان، دينية كانت أم مدنية، فكرية أم اجتماعية، بحيث يكون المجلس مساحة تفاعل بين النخب، ومنبراً لتنظيم الشأن الديني والاجتماعي والإنمائي، لا مجرد هيكل شكلي أو سلطة مغلقة.
ومن هذا المنطلق، شكّلت الهيئة العامة الركن الجوهري في فلسفة المجلس، بوصفها الإطار التمثيلي الأوسع، والضمانة الديمقراطية التي تحول دون احتكار القرار أو مصادرة الإرادة الجماعية. فالانتخاب من الهيئة العامة ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو جوهر الشرعية ومصدرها.
إلا أن الاقتراح القانوني المتداول اليوم، والذي يلحظ انتخاب رئيس ونائب رئيس المجلس بطريقة مُعلّبة ولمرة واحدة، من دون العودة إلى الهيئة العامة، مع حصر العملية الانتخابية بهيئة شرعية من رجال الدين الذين تجاوزوا سن الخمسين، يطرح إشكاليات قانونية ووطنية عميقة، تمسّ جوهر المجلس وسبب وجوده:
أولاً، يشكّل انتقاصاً صريحاً من مبدأ التمثيل، ويُقصي النخب الشيعية المدنية والفكرية والقانونية والاقتصادية التي شكّلت تاريخياً رافعة المجلس وحصنه الفكري، ويعيد اختزال الطائفة في بُعد واحد، في تناقض صارخ مع رؤية الإمام الصدر التي قامت على التكامل لا الإقصاء.
ثانياً، فإن حصر الانتخاب بهيئة شرعية ثم تعيين هيئة تنفيذية، وصولاً إلى انتخاب رئيس ونائب رئيس المجلس، يُفرغ العملية برمتها من مضمونها الديموقراطي، ويحوّلها إلى مسار شكلي مغلق، لا يعبّر عن الإرادة العامة ولا يتيح المحاسبة أو التداول، بل يكرّس منطق التعيين المقنّع باسم الشرعية.
ثالثاً، إن اعتماد هذا النموذج الاستثنائي "لمرة واحدة" يفتح الباب أمام خطورة تشريعية بالغة، إذ يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ويُسقط الضمانات التي وُضعت أصلاً لمنع الانفراد والتحكم بالمؤسسات الطائفية ذات البعد الوطني.
إنّ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بحكم موقعه ودوره، ليس ملكاً لجيل دون آخر، ولا لفئة دون سواها، ولا لرجال الدين بمعزل عن المجتمع، بل هو مؤسسة عامة ذات طابع تمثيلي، وأي تعديل في آلية انتخاب قيادته يجب أن ينطلق من توسيع المشاركة لا تضييقها، ومن تعزيز دور الهيئة العامة لا تهميشها، ومن صون فكر الإمام الصدر لا الالتفاف عليه.
وعليه، فإن أي اقتراح قانوني لا يحفظ التوازن بين البعد الديني والبعد المدني، ولا يكرّس الانتخاب الحر من الهيئة العامة، ولا يفسح المجال أمام النخب الشيعية للمشاركة في صنع القرار، إنما يشكّل انحرافاً عن الغاية الأصلية للمجلس، ومسّاً بشرعيته المعنوية قبل القانونية.
فالمجالس لا تُبنى بالإقصاء، والشرعية لا تُستولد بالتعيين، وإرث الإمام موسى الصدر لا يُصان إلا بالديموقراطية، والانفتاح، واحترام الإرادة الجماعية.
