ليس تفصيلًا أن تأتي زيارة وزير الدولة في وزارة الخارجيّة القطريّة، محمد بن عبد العزيز الخليفي، لبيروت وسط تزاحم العناوين الإقليميّة على لبنان، من الجنوب المشتعل، إلى الاقتصاد الذي يترنّح، إلى ملفّ النّزوح الذي صار عبئًا سياسيًّا واجتماعيًّا بقدر ما هو إنسانيّ. الدوحة دخلت من الباب العريض، لا عبر رسالة تضامنٍ عاطفيّةٍ، بل عبر حزمةٍ محدّدة البنود والأرقام، تلامس ما يعتبره اللبنانيّون قضايا حياتية يوميّةٍ: الكهرباء، والتعليم، والصحّة، والجيش، والنّازحون، مع إشارةٍ سياسيّةٍ واضحةٍ إلى أنّ قطر لا ترى دعم لبنان موسمًا، بل مسارًا قابلًا للتّحوّل من إسعافٍ ظرفيٍّ إلى شراكةٍ أكثر استدامةً.
في السّراي الحكوميّ، لم يكن الإعلان القطريّ مجرّد تعداد مشاريع، بل إعادة ترتيبٍ للأولويّات في بلدٍ اعتاد أن تأتيه "المساعدات" على شكل وعودٍ عامّةٍ، أو عبر قنواتٍ تتنازعها الاشتراطات. الخليفي قالها بصيغةٍ مباشرةٍ: "حان الوقت لأن يتعافى لبنان وأن يتقدّم وينمو"، ثم وضع على الطاولة ما يشبه برنامج عملٍ: منحةً بقيمة 40 مليون دولارٍ لدعم قطاع الكهرباء، يتزامن معها مشروعٌ اقتصاديٌّ داعمٌ للقطاع نفسه بقيمة 360 مليون دولارٍ ليستفيد منه نحو مليونٍ ونصف مليون مشتركٍ في معظم المناطق، وهو رقمٌ ثقيل الدلالة في بلدٍ تقاس فيه شرعيّة الدولة غالبًا بقدرتها على تشغيل الضّوء لا على إصدار البيانات.
أمّا البعد الذي يريده اللبنانيّون غالبًا صمّام أمانٍ في الداخل فهو الجيش. وهنا جدد الخليفي دعم قطر للمؤسّسة العسكريّة، المستمر منذ سنوات، من دعم رواتب المنتسبين خلال أربع سنواتٍ، إلى توفير المحروقات خلال ثلاث سنواتٍ، وصولًا إلى توريد 162 مركبةً لتعزيز القدرات. وبهذه تفاصيل تقصد الدوحة تثبيت فكرة أنّ دعم الدولة يبدأ بتثبيت مؤسّساتها الأكثر تماسًّا مع الأمن والاستقرار.
من "حزمة مساعداتٍ" إلى "مظلّةٍ سياسيّةٍ"
والحال فإنّ هذه الحزمة ليست رقمًا معزولًا، إذ تشير مصادر رسميّةٌ لبنانيّةٌ إلى أنّ جدول المساعدات المطروح يصل إلى نحو 480 مليون دولارٍ، موزّعةً على الجيش والكهرباء وملفّ اللاجئين، إضافةً إلى إطلاق مسارٍ متكاملٍ لإعادة الإعمار، مع حديثٍ عن تنسيقٍ أوسع ومشاريع استثماريّةٍ إضافيّةٍ تتجاوز الدعم الظرفيّ نحو شراكةٍ أكثر استدامةً. هذا يعني أنّ الدوحة لا تتحرّك كجهةٍ مانحةٍ فحسب، بل كطرفٍ يريد أن يصوغ لنفسه دورًا في "إدارة الاستقرار" اللبنانيّ، في لحظةٍ إقليميّةٍ فائقة الحساسيّة.
وفي الشّقّ السياسيّ، شدّد الخليفي على محوريّة جهود "المجموعة الخماسيّة" وعلى ضرورة الالتزام بتطبيق القرار 1701 واحترام السيادة اللبنانيّة، مع إدانة الاعتداءات الإسرائيليّة. لكن ما يستوقف أكثر هو الإشارة إلى أنّ "الحوار مع الجانب الأميركيّ مستمرٌّ"، وأنّ القضيّة اللبنانيّة حاضرةٌ على أجندة النقاشات القطريّة مع واشنطن، ما يوحي بأنّ قطر تحاول أن تكون، في آنٍ واحدٍ، قناة دعمٍ اقتصاديٍّ، ورافعة تخفيف للضغوطٍ، ووسيط تواصلٍ مع القوى المؤثّرة، من دون أن تصطدم علنًا بأيّ محورٍ.
قاسم وبري.. واختلاف الخيار في الحرب على إيران
في هذا الخضم، كان لافتاً موقف الأمين العامّ لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي حسم التساؤلات حول الخيار الذي سيعتمده الحزب إذا دخلت إيران في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد قال قاسم: "لسنا على حيادٍ" و"الحزب يقف إلى جانب إيران وقيادتها وشعبها" و"سيتصرّف بما يراه مناسبًا في حينه"، ما يعني عمليًّا إبقاء الباب مفتوحًا أمام احتمال المشاركة إذا توسّعت المواجهة أو تغيّر ميزان الميدان.
هذا الكلام يكشف عن تباينٍ علنيٍّ في الرسائل مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي نقل عنه قوله "إن لا مصلحة للبنان في دخول الحرب الدائرة".
واشنطن وحوافز السلام والإغراءات
في الموازاة، بدا أن واشنطن باشرت دفع لبنان بقوة في اتّجاه "سلامٍ مستدامٍ وفعّالٍ" مع إسرائيل، لا باعتباره توصيفًا إعلاميًّا، بل كإطارٍ تفاوضيٍّ يراد له أن يفتح الباب على ترتيباتٍ أمنيّةٍ واقتصاديّةٍ، وربّما مسارٍ سياسيٍّ أوسع. وصدر بيان عن السّفارة الأميركيّة في بيروت جاء فيه: "سفيرا الولايات المتّحدة في بيروت وتلّ أبيب ملتزمان بدفع لبنان وإسرائيل نحو سلامٍ مستدامٍ وفعّالٍ عبر الدبلوماسيّة والحوار، وخلال عطلة نهاية الأسبوع استضافتهما السّفارة الأميركيّة في الأردنّ، حيث جرى بحث الخطوات اللازمة لتحقيق منطقةٍ أكثر سلامًا وازدهارًا".
وتتحدّث مصادر مواكبةٌ عن حوافز وإغراءاتٍ تطرحها الولايات المتّحدة على لبنان لتشجيعه على الدخول في مسار "السلام المستدام". وفي الاتصالات الجارية، تطلق الوعود بتحقيقها بالتنسيق مع قوى دوليّةٍ وعربيّةٍ وجهاتٍ مانحةٍ. ويمكن اختصار هذه الحوافز بالآتي:
- تحريك المساعدات التي تقارب 11 مليار دولارٍ، والمجمّدة خصوصًا منذ مؤتمر "سيدر" 2018، والمخصّصة لإعادة إعمار المناطق المتضرّرة وترميم البنى التحتيّة وتحريك الاقتصاد.
- تفعيل قطاع الطاقة، من خلال إعطاء الضوء الأخضر الأميركيّ لشركات التنقيب العالميّة كي تستأنف العمل في البلوكات البحريّة اللبنانيّة، وكذلك الإفراج عن مشاريع استجرار الطاقة والغاز برًّا عبر الحدود إلى لبنان، ما يساعده على إنهاء أزمة الكهرباء.
- ضمان موافقة صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ على منح لبنان قروضًا ميسّرةً لإخراج القطاع المصرفيّ والماليّ من أزماته وتحفيز النموّ الاقتصاديّ، وهو أمرٌ معطّلٌ حاليًّا بسبب تعثّر الوفاء بالشروط السياسيّة والإصلاحيّة على حدٍّ سواء.
- تقديم دعمٍ عسكريٍّ "نوعيٍّ" إلى حدٍّ ما للجيش، كالتقنيات العسكريّة المتطوّرة وأبراج المراقبة الحدوديّة، بما يمكّنه من بسط السيادة الكاملة.
-
اقتراح إنشاء المنطقة الاقتصاديّة على الحدود الجنوبيّة، تحت إشرافٍ ورعايةٍ أميركيّين، مع وعودٍ بخلق آلاف فرص العمل للبنانيّين.
بين قطر التي قدّمت ما يشبه "خارطة دعمٍ" بأرقامٍ واضحةٍ، وتحديات "السلام" المطروح أميركياً، يقف لبنان في المسافة الأصعب. وخياره الأنسب هو أن يحوّل الدعم إلى فرصة إنقاذٍ فعليّةٍ لا إلى استهلاكٍ سياسيٍّ، وأن يستثمر المظلّة القطريّة لتقوية الدولة لا لتدوير الأزمات. فالدوحة، في لحظة الانقسام، اختارت لغة "المؤسّسات" و"التعافي" و"الشراكة"، كرهان على أنّ لبنان لا يحتاج فقط من يقف معه، بل من يساعده على الوقوف من جديدٍ.
