حين سقطت لافتة الغرب: كندا تقول ما عجز الحلفاء عن قوله

خلدون الشريفالاثنين 2026/01/26
Image-1769336396
نرجسية حقيقية ووعي غريزي بآليات القوة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة مكاشفة سياسية جريئة، صادرة عن حاكم دولة تنتمي إلى المنظومة الغربية حتى النخاع: اقتصاديًا عبر مجموعة G7، وباقي المجموعات الغربية كافة، وأمنيًا عبر أقدم تحالف استخباراتي منذ الحرب العالمية الثانية (العيون الخمس- Five Eyes)، المتشكل من أميركا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا، جاء خطاب رئيس وزراء كندا، مارك كارني، في دافوس ليتجاوز أي مداخلة بروتوكولية مألوفة في منتدى اقتصادي عالمي.

قال ما كان الجميع قد بدأ يدركه منذ انطلاق دونالد ترامب في ولايته الأولى، وفضّلوا التعايش مع إنكاره: إن النظام الدولي القائم على الهيمنة الأميركية، المغلّفة بتعاون غربي وقيم مُعلنة -ولو كانت افتراضية- لم يعد حقيقة فاعلة، بل تحوّل إلى طقسٍ جماعي تمارسه دول حليفة لواشنطن، لاستدامة وهمٍ يعرف الجميع أنه يتآكل.

كارني لم يعلن ثورة، ولم يدعُ إلى انقلاب تحالفي، لكنه فعل ما هو أكثر وضوحًا: سمّى الأشياء بأسمائها. استعاد استعارة كلمات فاتسلاف هافل، المفكر والكاتب المسرحي التشيكي المعارض للشيوعية، صاحب مقولة "الأنظمة الشمولية لا تقوم فقط على القمع، بل على مشاركة الناس في الكذبة"، ليوحي بأن ترامب يعمل على إنشاء نظام شمولي جديد. واستعار تحديدًا مقولة هافل الشهيرة عن البقّال الذي يعلّق شعار "يا عمال العالم اتحدوا" على واجهة متجره، لا اقتناعًا، بل اتقاءً للمشاكل، أو بفعل التكيّف مع الواقع. شرح كيف تستمر الأنظمة، لا بقوة أدواتها السياسية فقط، بل بقبول الناس أداء أدوارهم لسنوات وربما لعقود، بما يوحي بأن ثبات النظام وقوته أمران طبيعيان ودائمان. وعندما يتوقف أحدهم عن التمثيل، يبدأ الشرخ.

في دافوس، قال كارني إن وقت إنزال اللافتات قد حان. أي إن زمن التمثيل يقترب من نهايته. وهو لم يقصد الناس العاديين فقط، بل الدول التي اعتادت رفع اللافتات. 

 

نهاية عيش الكذبة

المقصود باللافتة هنا ليس شعارًا أيديولوجيًا ضيقًا، بل سردية كاملة قامت على ثلاث ركائز: "النظام الدولي قائم على قواعد"، "القيادة الغربية أخلاقية"، "الهيمنة شرط للاستقرار".

أقرّ كارني صراحةً بأن هذه السردية كانت جزئيًا كاذبة، لكنها كانت مفيدة. غير أنها لم تعد كذلك، ولا قابلة للاستمرار. فعندما تصبح التبعية مدخلًا للإدماج أو الإذابة، وحين يُطلب من الدول التفاوض ثنائيًا مع قوة مهيمنة من موقع ضعف، وحين يُدان الإكراه إذا صدر عن خصم ويُبرَّر إذا جاء من صديق، نكون أمام أداءٍ شكلي للسيادة، لا سيادة فعلية.

هنا جوهر خطاب كارني: السيادة ليست طقسًا، بل قدرة على الرفض.

 

تحالفات مرنة بدل كتل صلبة

على عكس ما قد يُفهم، لم يدعُ رئيس الوزراء الكندي إلى الخروج من الغرب، ولا إلى الانضمام إلى الصين أو "البريكس". بل حذّر تحديدًا من عالم جديد شديد الخطورة على "الدول المتوسطة"، تلك التي تتحول، في زمن صراع الكبار، من أطراف على الطاولة إلى بنود على القائمة. أي تصبح هدفًا للافتراس بدل أن تكون شريكًا.

ما اقترحه هو نقيض الحرب الباردة: تحالفات متغيّرة بحسب القضايا، هندسة مرنة بدل اصطفافات جامدة، وتعددية حقيقية لا خضوعًا مقنّعًا.

كندا -وفق تصوّره- ليبرالية في الداخل، لكنها في الخارج دولة ذات سيادة بين دول ذات سيادة: لا رسالة تبشيرية، ولا مشروطية أخلاقية، ولا ادعاء امتلاك حقيقة كونية.

 

خطاب ترامب

في الجهة المقابلة تمامًا، يأتي خطاب دونالد ترامب، لا بوصفه عودة إلى الهيمنة، بل اعترافًا فوضويًا بانهيار سردية الغرب التي حكمت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية وأنتجت أممًا متحدة، وحلف شمال الأطلسي، ومعاهدات كونية قيمية. ترامب لا يؤمن بضرورة تجميل النظام الدولي أو تسويغه أخلاقيًا. منطقه مباشر: مصالح، صفقات، ضغط، وانسحاب عند اللزوم "مكرٍ، مفرٍ، مقبلٍ مدبرٍ معًا"، كما قال المتنبي.

لكن المفارقة أن ترامب، من حيث لا يقصد، يُكمل ما بدأه كارني من حيث المنهج لا اللغة. الأول يجرّد الليبرالية من ادعاء تخليص العالم وخدمة المجتمعات والحريات والديمقراطيات، والثاني يجرّد القوة من خطابها الأخلاقي، فتصبح العدالة ما يقرره الأقوى لا ما تمليه القيم.

النتيجة واحدة: نهاية مرحلة القيادة الغربية بوصفها قدرًا أخلاقيًا للعالم. 

 

ترامب: الـBullying (التنمّر/الترهيب السياسي) كسياسة في عالم بلا أوهام

إذا كان خطاب كارني محاولة عقلانية لإدارة ما بعد السردية الليبرالية، فإن مقاربة ترامب تمثّل الوجه الفجّ للمرحلة نفسها. فهو لا يكتفي بتعرية الخطاب الأخلاقي للقوة، بل يحوّل هذا التجريد إلى سياسة عقابية علنية، قائمة على الترهيب والإرباك واختبار حدود الخصوم والحلفاء معًا.

الـBullying هنا ليس خللًا في الأسلوب ولا نوبة مزاجية، بل أداة تفاوض مقصودة: مواقف قصوى، تهديدات تبدو عبثية، زعزعة للأسواق والتحالفات، ثم استخدام صورة الرجل غير المنضبط لفرض تسويات تخدم واشنطن. سلوك يجمع بين نرجسية حقيقية ووعي غريزي بآليات القوة؛ بين اندفاع صادق وبراغماتية تعرف متى تضغط ومتى تتراجع.

في هذا السياق، لا يبدو سحب الدعوة من كندا للمشاركة في "مجلس السلام" الذي أطلقه ترامب تفصيلًا بروتوكوليًا، بل عقوبة رمزية موجّهة لحليف تجرّأ على كسر طقس الصمت. الرسالة واضحة: في زمن ما بعد السرديات، لا يُعاقَب الخصوم وحدهم، بل يُؤدَّب الحلفاء أيضًا إن خرجوا عن النص، ولو بالكلام. انظروا إلى أوروبا كيف تخاطب وإلى بريطانيا تحديدًا، رغم دورها في ترويج السردية الأميركية والخضوع لها.  

هنا تتقاطع المفارقة: كارني يُنزل اللافتات بهدوء عقلاني،ترامب يمزّقها بالقوة، لكن كليهما يؤكد أن زمن الإقناع الأخلاقي انتهى، وأن العلاقات الدولية تُدار اليوم بموازين القوة وحدود الردع.

 

الذكاء الاصطناعي: حين تنتقل السلطة من السياسة إلى التكنولوجيا

في الفراغ القائم بين تشخيص كندا العقلاني لانهيار السردية، ونقض ترامب الفجّ لها بالقوة، تقدّمت شركات الذكاء الاصطناعي لتملأ المساحة. في دافوس، لم يكن الذكاء الاصطناعي موضوعًا تقنيًا، بل لغة السلطة الجديدة. شركات مثل OpenAI و Google وMicrosoft  وNvidia تحدّثت عن ثورة إنتاجية وتحوّل تاريخي في العمل لمصلحة التقدم لكنها لم تلامس واقع البشر الذين سيسحقون من جراء هذا التقدم. 

خلف هذا التفاؤل، يبرز تناقض عميق: الذكاء الاصطناعي يُقدَّم كحلّ للنمو، من دون إجابة واضحة عن التوزيع أو العدالة الاجتماعية. وعود الكفاءة تصطدم بصمتٍ عن الكلفة الاجتماعية المرعبة، خصوصًا على الطبقة الوسطى والوظائف المكتبية. التنظيم حاضر في الخطاب، لكن بوصفه أداة مرافقة للسباق، لا إطارًا حاكمًا له.

هنا لا يطرح الذكاء الاصطناعي نفسه كأداة، بل كنموذج سلطة بديل: يفرض إيقاعه، ويطلب من السياسة والمجتمع التكيّف معه لا العكس. السؤال لم يعد هل سينجح، بل هل تستطيع السياسة اللحاق به قبل أن يعيد تشكيل المجتمع على صورته؟

 

بلاك روك: اعتراف من قلب الرأسمالية المالية

في هذا السياق، جاء خطابLarry Fink  لاري فينك  ليشكّل لحظة مكاشفة من داخل الرأسمالية المالية. حين يقول رئيس أكبر صندوق أصول في العالمBlack rock إن الازدهار لا يُقاس بالناتج المحلي ولا بالقيمة السوقية وحدها، فهو يقرّ بأن أدوات العقود الماضية لم تعد تفسّر الواقع الاجتماعي.

تحذيره من أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد إنتاج نمط العولمة نفسه -ثروة متركزة في الأعلى وخسائر شاملة في القاعدة- يعكس مأزق رأس المال اليوم: لا يستطيع الوقوف ضد التحوّل التكنولوجي، ولا يمكنه تجاهل كلفته السياسية. الاعتراف حاضر، لكن الآلية غائبة. رأس المال يرى الخطر، لكنه عاجز عن قيادة التحوّل الاجتماعي.

 

أوروبا: السيادة في زمن القلق

أوروبا بدت في دافوس عالقة بين نظام يحتضر ونظام لم يولد بعد. خطابات  إيمانويل ماكرون وأورسولا فون دو لاين شددت على القواعد، والسيادة، والاستقلال الاستراتيجي، لكن من موقع دفاعي ضعيف. 

أوروبا تنظّم ولا تقود السباق التكنولوجي، تحذّر ولا تملك أدوات الردع، وتتمسّك بالقواعد فيما الآخرون يختبرون حدودها. دافوس، بالنسبة إلى أوروبا، لم تشكل كما سابقًا، منصّة قيادة، بل ظهرت كمساحة إدارة قلق كبير وخطورة أكبر.  

 

ما بعد دافوس

ما كشفه خطاب رئيس وزراء كندا في دافوس لم يكن مجرّد سقوط قناع سردي، بل انكشاف فراغ سلطوي. فحين تتراجع القيادة الأخلاقية، ولا تُستعاد السيادة عبر السياسة، تتقدّم قوى أخرى لملء المساحة: التكنولوجيا، والأسواق، ومنصّات القرار غير المنتخبة.

الجديد ليس فقط أن الغرب اعترف بانتهاء وهمه، بل أن مركز الثقل بدأ ينتقل من الدولة إلى المنصّة، ومن السياسة إلى الخوارزمية، ومن القرار العام إلى منطق السرعة والكفاءة. هنا يصبح التحدي أعمق: لم يعد السؤال من يقود العالم، بل من يملك القدرة على ضبط القوة حين تنفلت من السياسة.

بعد دافوس، لم يعد الامتحان في رفع اللافتات أو إنزالها، بل في القدرة على إعادة تعريف السيادة في زمن تتقدّم فيه التكنولوجيا أسرع من الدولة. والسؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة لم يعد أخلاقيًا ولا أيديولوجيًا، بل وجوديًا: هل تستطيع السياسة استعادة زمام القرار، أم أن العالم دخل فعلًا عصر السلطة الافتراضية والذكاء الاصطناعي من دون الحاجة إلى تمثيل شعبي في أي مكان؟ 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث