الخطابُ السّياسيُّ في لُبنانَ لم يَعُد يَحتملُ مزيدًا من الشِّعاراتِ المُنمَّقةِ، التي تُكرِّرُ عناوينَ احترامِ الدُّستورِ من دونِ أن تُترجَمَ إلى أفعالٍ مُلزِمَةٍ ضمنَ أُطُرٍ زمنيَّةٍ واضحةٍ. فالتجربةُ اللُّبنانيَّةُ، بما راكمتهُ من إخفاقاتٍ، أثبتت أنّ الاكتفاءَ بإعلانِ النَّواياِ لا يُنتِجُ دولةً، وأنّ أيَّ ادِّعاءِ التزامٍ دستوريٍّ لا يَكتسبُ شرعيَّتَهُ إلّا إذا اقترنَ بآليّاتِ تنفيذٍ ومُهَلٍ مُحدَّدةٍ قابلةٍ للمساءلةِ والمُحاسبةِ. من هنا، تبرزُ المسؤوليَّةُ الدُّستوريَّةُ لا بوصفِها خطابًا أخلاقيًّا فحسب، بل باعتبارِها التزامًا عمليًّا يُقاسُ بالزَّمنِ وبنتائجِ التَّنفيذِ.
إنّ الدُّستورَ، في جوهرِهِ، ليسَ نصًّا جامدًا ولا وثيقةً رمزيَّةً تُستحضَرُ عندَ الأزماتِ ثم تُهمَلُ عندَ التسوياتِ. الدُّستورُ هو عقدُ انتظامٍ عامٍّ، يفترضُ أن تُبنى حولَهُ سياساتٌ عامَّةٌ، وأن تُحدَّدَ بموجبِهِ المهلُ والواجباتُ والمسؤوليّاتُ. وعندما تُفرَّغُ المهلُ من مضمونِها، يتحوَّلُ الدُّستورُ إلى مرجعيَّةٍ مُعلَّقةٍ خارجَ الزَّمنِ، فيما تتحوَّلُ السُّلطةُ إلى إدارةِ تأجيلٍ دائمٍ، تُقايضُ الوقتَ بالاستقرارِ الوهميِّ، وتستنزفُ ما تبقّى من ثقةٍ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ.
من هنا، فإنّ الانتقالَ من خطابِ "تطبيقِ الدُّستورِ" إلى منطقِ "إدارةِ التَّنفيذِ الدُّستوريِّ ضمنَ مهلٍ مُلزِمَةٍ" يُشكِّلُ نقطةَ تحوُّلٍ حاسمةً في مسارِ استعادةِ الدَّولةِ. المهلُ ليستْ تفصيلًا إجرائيًّا، بل هي عنصرُ شرعيَّةٍ بحدِّ ذاتِها. وعندما تُحدَّدُ المهلُ، تُحدَّدُ معها المسؤوليَّاتُ، ويُفتَحُ بابُ المُساءلةِ، ويَسقطُ منطقُ التَّذرُّعِ بالظُّروفِ أو بالتوازناتِ أو بالاستثناءاتِ المفتوحةِ على المجهولِ.
في هذا السِّياقِ، لا يمكنُ مقاربةُ تطبيقِ اتِّفاقِ الطَّائفِ بمنطقِ التَّجزئةِ أو الانتقائيَّةِ. فالطَّائفُ ليسَ سلَّةَ خياراتٍ سياسيَّةٍ يُنتقى منها ما يُناسِبُ الظَّرفَ، ويُهمَلُ منها ما يُربِكُ مراكزَ النُّفوذِ. إنّهُ مشروعُ إعادةِ بناءٍ بنيويٍّ للدَّولةِ، يقومُ على إصلاحِ النِّظامِ السِّياسيِّ، وتعزيزِ الفصلِ بينَ السُّلَطاتِ، وتكريسِ استقلاليَّةِ القضاءِ، وتطويرِ الإدارةِ العامَّةِ، وإطلاق مسار إلغاء الطَّائِفيَّة السِّياسيَّة، وإقرارِ اللامركزيَّةِ الإداريَّةِ الموسَّعةِ، وإنشاءِ مجلسِ الشُّيوخِ، واستكمالِ آليّاتِ المحاسبةِ والرقابةِ. وكلُّ بندٍ من هذهِ البنودِ وغيرُها يفقدُ قيمتَهُ إن لم يُقرَن بخريطةِ طريقٍ زمنيَّةٍ واضحةٍ.
أثبتَتِ السَّنواتُ الماضيةُ أنّ تعطيلَ الإصلاحاتِ البنيويَّةِ تحتَ عناوينِ التَّوافقِ أو الخشيةِ من الانقسامِ لم يَحمِ الاستقرارَ، بل راكمَ الانهيارَ. الاستقرارُ الحقيقيُّ لا يُصانُ بتجميدِ الدُّستورِ، بل بتفعيلِهِ ضمنَ قواعدَ واضحةٍ ومُهَلٍ مُعلَنةٍ. ومن دونِ ذلكَ، يبقى كلُّ حديثٍ عن الإصلاحِ مُجرَّدَ إدارةٍ للأزمةِ، لا خروجًا منها.
في المرحلةِ الرّاهنةِ، يكتسبُ عاملُ الوقتِ بُعدًا إضافيًّا يتجاوزُ الدَّاخِلَ اللُّبنانيَّ. فلبنانُ يقفُ اليومَ عندَ تقاطعِ اهتمامٍ عربيٍّ ودوليٍّ مُتجدِّدٍ، يرى في استعادةِ الدَّولةِ الدُّستوريَّةِ شرطًا لأيِّ دعمٍ مستدامٍ. هذا الاهتمامُ ليسَ مفتوحًا إلى ما لا نهايةَ، وهو مُرتبطٌ بقدرةِ السُّلطةِ اللُّبنانيَّةِ على إثباتِ الجديَّةِ عبرَ خطواتٍ ملموسةٍ ضمنَ أطرٍ زمنيَّةٍ دقيقةٍ. وكلُّ تأخيرٍ إضافيٍّ، أو تردُّدٍ مقنَّعٍ، يُهدِّدُ بفقدانِ هذا الزَّخمِ، ويُعيدُ لبنانَ إلى دائرةِ الشكِّ والتَّهميشِ.
من هنا، تصبحُ شرعيَّةُ المُهَلِّ جزءًا لا يتجزَّأُ من شرعيَّةِ القرارِ السِّياديِّ. فالمسؤوليَّةُ الدُّستوريَّةُ اليومَ تقتضي الانتقالَ من إدارةِ الوقتِ إلى احترامِهِ، ومن استهلاكِ الفرصِ إلى تثبيتِها، ومن خطابِ النَّجاةِ إلى سياساتِ الإنقاذِ المُؤسَّسيِّ. إنّ عدمَ التَّأخُّرِ لم يَعُدْ خيارًا سياسيًّا، بل واجبًا وطنيًّا، لأنّ الدُّولةَ التي تُفوِّتُ لحظاتِ الدَّعمِ تُعرِّضُ نفسَها لعزلةٍ مُضاعفةٍ، وتُفاقمُ كلفةَ الانهيارِ على مجتمعِها ومؤسَّساتِها.
إنّ إعادةَ الاعتبارِ للمسؤوليَّةِ الدُّستوريَّةِ تمرُّ حتمًا عبرَ تثبيتِ شرعيَّةِ المُهَلِّ، لا بوصفِها ضغطًا خارجيًّا، بل كالتزامٍ داخليٍّ تجاهَ الدَّولةِ والمواطنِ معًا. فإمّا أن يُدخِلَ لبنانُ دستورَهُ في الزَّمنِ الفعليِّ للإصلاحِ السياديّ، أو يبقى أسيرَ زمنِ الانتظارِ المفتوحِ على خسارةِ الفرصِ والمومنتومِ العربيِّ والدُّوليِّ الدّاعمِ لهُ.
