استثناء الموارنة في لبنان: أقلية لم تُغوَ بالاستبداد

مروان حربالاثنين 2026/01/26
Image-1769334859
امتنع الموارنة عن تحويل خوف الأقلية إلى أيديولوجيا دولة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، غالبًا ما ارتبط صعود الأقليات إلى السلطة بنموذج واحد يتكرر بصلابة: حكم الأقلية للأكثرية عبر دولة أمنية، وجيش عقائدي، وخطاب حماية يتحول سريعًا إلى ذريعة للقمع. من سوريا إلى العراق، ومن أنظمة قومية إلى سلطويات طائفية مقنّعة، تحوّلت الجيوش إلى أدوات إخضاع داخلي لا إلى مؤسسات وطنية، وصار الأمن اسمًا آخر للسيطرة، والتوجّس سياسة دولة، والعنف لغة شرعية.

 

وسط هذا المشهد، يبرز لبنان -وتحديدًا الدور التاريخي للموارنة- كاستثناء يستحق القراءة. فمنذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، لعب الموارنة دورًا تأسيسيًا في بناء الدولة الحديثة. ومع ذلك، لم يتحول هذا الدور إلى مشروع حكم أحادي مغلق. وخلال مرحلة ما بعد الاستقلال، وبالرغم من اختلالات واسعة في ميزان السلطة، بقيت التعددية السياسية قائمة، وظلت الصحافة فاعلة نسبيًا، وبقي البرلمان مساحة صراع وتفاوض، في وقت كانت الانقلابات العسكرية تتوالى في العالم العربي ويُغلق المجال العام باسم الثورة أو الوحدة أو الاستقرار.

"الأقلية" المارونية، تاريخيًا، لم تربط مصيرها بفكرة الغلبة، بل بفكرة الدولة التعددية. ولعل أحد مفاتيح فهم ذلك يكمن في البعد الفكري-السياسي الذي رافق تأسيس الكيان اللبناني. فميشال شيحا، أحد أبرز منظّري الصيغة اللبنانية، لم ينظّر لحكم طائفة على طائفة، بل لمنطق التوازن والاعتراف المتبادل، معتبرًا أن لبنان لا يقوم بمنطق الأكثرية العددية ولا بمنطق العصبية، بل بمنطق الشراكة. (ميشال شيحا، لبنان في شخصيته وحضوره، دار النهار، 1998).

 

من هنا، يمكن قراءة التجربة المارونية بوصفها تجربة امتناعامتناع عن تحويل خوف الأقلية إلى أيديولوجيا دولة، وامتناع عن جعل الجيش عقيدة قمعية، وامتناع عن منطق الاستبداد. وهذا الامتناع -في شرقٍ يستريح إلى فكرة التمكين والسيطرة- ليس تفصيلًا عابرًا، بل خيارًا وجوديًا له ثمنه. فمن جهة، أخفق الموارنة مرارًا في تحصين الدولة ومؤسساتها، وارتكبوا أخطاء جسيمة في إدارة التوازنات وفي حماية فكرة الدولة الجامعة. لكن من جهة أخرى، لم ينجرّوا إلى أسهل الخيارات وأكثرها تدميرًا: خيار الديكتاتورية. وكأن هناك وعيًا تاريخيًا -صريحًا أو ضمنيًا- بأن الأقليات حين تحكم عبر أجهزة أمنية مغلقة قد تربح سنوات من السيطرة، لكنها تخسر المستقبل: تصنع كراهية متراكمة، وتدفع المجتمع نحو انفجار عنيف، وغالبًا ما تدفع الأقليات نفسها ثمن الانهيار في النهاية.

ويتجلى الاستثناء اللبناني أيضًا في موقع الجيش. ففي معظم دول المنطقة، بُنيت الجيوش على عقيدة داخلية واضحة: حماية النظام من المجتمع. الجيش هناك ليس قوة الدولة، بل سلطة الدولة؛ يراقب الداخل، يضبط السياسة، ويصنع شرعية الحكم بالقوة. أما في لبنان، وعلى الرغم من الانقسامات والحروب، فقد بقي الجيش -تاريخيًا ورمزيًا- أقرب إلى مؤسسة حماية للكيان ومنع انهياره الكامل، لا إلى أداة إخضاع داخلي منهجي. يكفي التذكير بأن لبنان لم يشهد انقلابًا عسكريًا ناجحًا منذ الاستقلال، في وقت كانت الانقلابات هي القاعدة في الإقليم. وحتى في الحرب الأهلية، حين تفككت الدولة وتشرذمت السلطة، لم يتحول الجيش إلى جهاز إبادة داخلية شامل على طريقة نماذج المنطقة. وبقيت فكرة وحدة الجيش وحياده -رغم كل الاهتزازات- قيمة وطنية مركزية.

 

اليوم، في ظل الانهيار المالي والمؤسساتي، أصبح الجيش آخر ما تبقّى من فكرة الدولة الجامعة. ولم يعد دعم هذه المؤسسة ممكنًا بالموارد المحلية وحدها، في ظل تدهور الرواتب، والنزف البشري، وتراجع الجاهزية. من هنا، يصبح دعم الجيش ضرورة وجودية: لأن ضعف الجيش لا يفتح باب توازنات سياسية جديدة، بل يفتح باب سلطات الأمر الواقع. وهنا تحديدًا تبرز المسؤولية الدولية، لا بوصفها منّة، ولا كمدخل لوصاية، بل باعتبارها استثمارًا مباشرًا في الاستقرار ومنع تفكك دولة تقع على تماس مع أزمات إقليمية كبرى. فالدعم هنا لا يناقض السيادة؛ بل يشكل أحد شروط بقائها.

في النهاية، المسألة هي في الدفاع عن فكرة نادرة في هذا الإقليم: أن السياسة يمكن أن تُدار من دون أن تتحول إلى ثكنة، وأن الأقليات يمكن أن تطلب الأمان من دون أن تصنع ديكتاتورًا، وأن الجيش يمكن أن يبقى عمود الدولة من دون أن يصبح سقفها الذي يخنق المجتمع.حين يسقط الجيش الوطني، لا تسقط مؤسسة واحدة فقط… تسقط فكرة الدولة نفسها، وتصبح حماية الأقليات مجرد عنوان جديد لحروب الجميع ضد الجميع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث