الميكانيزم أمام شهر اختبار النيات: هل يزور الحزب قصر بعبدا؟

مانشيت - المدنالأحد 2026/01/25
Image-1767687435
بين توتر متصاعد جنوباً، و"ميكانيزم" مجمد، واشتباك داخلي على حافة الانفجار، يتحرك لبنان في مساحة ضيقة. (المد
حجم الخط
مشاركة عبر

فيما يتقدّم التّصعيد الإسرائيليّ منذ أسابيع، يبدو لبنان في وضعية المعلق سياسياً وأمنياً، بانتظار ما ستؤول إليه التّطوّرات. فالضّغط العسكريّ على الحدود يوازيه ضغطٌ عبر المسارات الماليّة والدبلوماسيّة، ما يوحي بأنّ المرحلة تدار بمنطق "الدّفع" نحو خيارات أو معادلاتٍ جديدةٍ على الأرض وفي السّياسة. 

ويتزامن التّصعيد جنوباً مع جمود مسار "آليّة مراقبة وقف إطلاق النّار". فمنذ إلغاء الاجتماع الذي كان مقرّرًا في 14 كانون الثّاني، من دون تفسيرٍ رسميٍّ واضحٍ، ظهر أنّ تعطّل الإيقاع داخل اللّجنة يهدف إلى فتح النقاش حول البديل العمليّ. وخلال الاجتماعين السابقين للجنة، في 3 و19 كانون الأوّل، طرحت على الطاولة عناوين متباينة. فلبنان ركّز على عودة الأهالي إلى القرى والبلدات الحدوديّة بوصفها قاعدةً لأيّ مسارٍ، فيما طرحت من الجانب الآخر أفكارٌ مرتبطةٌ بإقامة منطقةٍ اقتصاديّةٍ، ما أشعل اشتباكاً سّياسيّاً داخل اللّجنة: كيف يمكن الحديث عن ترتيباتٍ اقتصاديّةٍ قبل إعادة النّاس إلى منازلهم؟ وكيف يبنى مسارٌ "مستقبليٌّ" فيما الأساس الإنسانيّ والأمنيّ ما زال معلّقًا؟ ومع إعلان الجيش اللّبنانيّ عن إنجاز عمله في جنوب اللّيطاني، برز التحدي الأكثر خطورة في شمال الليطاني، حيث تتباين الرؤى بين لبنان وإسرائيل، كما في الداخل اللبناني.

 

شهر اختبار أمام "الميكانيزم"

تأكيد الحكومة جاء واضحاً من خلال رئيسها نوّاف سلام، العائد من باريس، على أن "لا تراجع" عن حصريّة السّلاح. فالدّولة حقّقت "سيطرةً عملانيّةً كاملةً" على جنوب اللّيطاني، ولا مجال لقيام "قوّةٍ عسكريّةٍ رديفةٍ" هناك. وقد ربط سلام ملف السلاح مباشرةً باتّفاق الطّائف، وبعنوان استعادة قرار الحرب والسّلم وبسط سلطة الدّولة، واضعًا "حصريّة السّلاح" في موقع القرار التّنفيذيّ لا الشّعار السّياسيّ.

وفيما يقدّم الجيش ما تحقّق في جنوب اللّيطاني كمرحلةٍ أولى شبه نهائيّةٍ، ويجري التّحضير للانتقال إلى المرحلة الثّانية شمال اللّيطاني، جاءت رسالة سلام واضحة: لا فرق بين شمال اللّيطاني وجنوبه في تطبيق القانون، والملفّ مدرجٌ في البيان الوزاريّ، والجيش ملتزمٌ بخطّته.

وفيما يجري الحديث عن موعدٍ مبدئيٍّ لاستئناف الاجتماعات في 25 شباط، من دون تثبيتٍ نهائيٍّ أو تبليغٍ رسميٍّ إلى الدّول الأعضاء حتّى الآن، ستكون فترة الشهر المتاحة بمثابة اختبار لنيات المعنيين كافة. ويبقى عنصران مفتوحان: طبيعة الحضور، عسكريٌّ فقط أم مدنيٌّ أيضًا، ومضمون الورقة اللّبنانيّة الجديدة التي يفترض أن تقدّم للنّقاش، بدلا من استئناف البحث من حيث توقّف.

 

 

بعبدا والحارة.. وعين التّينة بينهما

في المقابل، حضر اعتراض "حزب الله" على إطلاق المرحلة الثّانية في النّقاش السّياسيّ، وسط تذكيرٍ بأنّ الحزب منح الحكومة الثّقة، ووافق على بيانٍ وزاريٍّ ينصّ على حصر السّلاح وتطبيق الطّائف. وهنا يبرز التّوتّر الأساسيّ: التزامٌ سياسيٌّ معلنٌ من جهةٍ، واعتراضٌ عمليٌّ على توقيت ومسار المرحلة الثّانية من جهةٍ ثانيةٍ. وفي ظل التصعيدٍ الإسرائيليٍّ، يبدو الخلاف الداخلي حول السلاح أكثر حساسيّةً.

والتوتّرٌ على خطّ بعبدا - حارة حريكٍ، انعكس امتعاضًا سياسيًّا في عين التّينة، خشية أن تتحوّل الخلافات إلى نقطة ضعفٍ تستثمرها إسرائيل. وجرى التّأكيد في لقاء ورئيس الجمهوريّة جوزاف عونٍ رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي  على ضرورة توحيد المواقف عمليًّا لا خطابيًّا، خصوصًا في لحظةٍ يترقّب فيها الجنوب أيّ اهتزازٍ داخليٍّ.

ولكن، رغم الفتور، لم تنقطع قنوات التّواصل بين بعبدا وحارة حريكٍ خلال الفترة الأخيرة. والاتّصالاتٌ أجراها مستشار رئيس الجمهوريّة، العميد ديديه رحّال، مع مسؤولين في الحزب، مع الحديث عن فتح الباب للقاءٍ مباشرٍ وتحديد مستواه مطلع الأسبوع، وسط ترقّبٍ لإمكان حصول زيارةٍ سياسيّةٍ رفيعةٍ إلى بعبدا، من جانب الحزب.

 

 

ملفّ المرفأ يعود بقوّةٍ: الإفراج عن غريتشوشكين ومأزق البيطار

وفي غمرة التّحدّيات السّياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة التي يتخبّط فيها مجلس الوزراء، طرأ عاملٌ جديدٌ قد يزيد تعقيد المخارج التي كان يحكى عنها لملفّ تعيين غراسيا قزّي مديرةً عامّةً للجمارك. فإفراج بلغاريا عن مالك سفينة النّيترات، الرّوسيّ القبرصيّ إيغور غريتشوشكين، والذي كان موقوفًا فيها بناءً على مذكّرةٍ صادرةٍ عن القضاء اللّبنانيّ، جاء ليزيد التّعقيدات التي تعوق التّقدّم في ملفّ انفجار المرفأ، خصوصًا أنّ المحقّق العدليّ طارق البيطار لم ينجح حتّى الآن في التّخلّص من قرار منع المحاكمة عنه، ما يعني تلقائيًّا أنّ فرصته لإصدار قرارٍ اتّهاميٍّ في الملفّ قد تراجعت، وبات القرار الاتّهاميّ المنتظر مؤجّلًا حتّى إشعارٍ آخر.

وبناءً على ذلك، يتوقّع أن يلجأ ذوو ضحايا انفجار 4 آب 2020 إلى التّصعيد مجدّدًا في الشّارع، انطلاقًا من اعتبارهم أنّ أركان السّلطة ارتكبوا، بتعيين قزّي، خطأً فادحًا وأهانوا الضّحايا، وأنّ التّبريرات التي حاول بعض أهل الحكم إطلاقها ليست مقنعةً، وفي أيّ حالٍ، هي تشكّل اعترافًا منهم بارتكاب الخطأ في مجلس الوزراء.

وكانت معلوماتٌ من مصادر وزاريّةٍ تحدّثت عن رغبةٍ لدى مجلس الوزراء في تصحيح الخلل بأسرع ما يمكن، لكنّ سفر الرئيس نوّاف سلامٍ إلى دافوس وباريس، وعدم انعقاد مجلس الوزراء الأسبوع الفائت، أدّيا إلى تفويت فرصة النّقاش في المخارج. وتداولت بعض الأوساط أنّ المخرج الذي يمكن اعتماده، والذي يحفظ ماء الوجه للجميع، يقضي بتسريع إصدار القرار الاتّهاميّ في مدى لا يتجاوز الشّهرين المقبلين، وهي المهلة التي يحقّ خلالها لمجلس الوزراء أن يتراجع عن قرار التّعيين. وقد أوحت بهذا التّسريع زيارة وزير العدل عادل نصّار الأخيرة لبكركي، والتي أعلن خلالها تحفّظه على تعيين قزّي في هذا الموقع.

ويقضي المخرج الذي يجري الحديث عنه بأن يتريّث مجلس الوزراء في اتّخاذ قرارٍ بالإصرار على التّعيين أو التّراجع عنه، في انتظار صدور القرار الاتّهاميّ قبل انتهاء مهلة الشّهرين. فإذا ورد اسم قزّي في لائحة الاتّهام، تراجع مجلس الوزراء عن تعيينها، أمّا إذا تجاوزها القرار الاتّهاميّ فيجري التّمسّك بقرار التّعيين. ولأنّ هذا المخرج يبدو متعثّرًا، نتيجة الانقسام السّياسيّ الحادّ في البلد، يمكن القول إنّ ملفّ المرفأ وتعقيداته القضائيّة، ومعها أزمة تعيين قزّي، آخذةٌ في التّصاعد، ومن المرجّح أن يوازيها تصعيدٌ جديدٌ من جانب ذوي الضّحايا.

 

الحكومة والنقابات وإضراب الثلثاء  

ويضاف إلى الضّغوط على الحكومة ضغطٌ نقابيٌّ متصاعدٌ، إذ أعلنت لجنة المتابعة لرابطة موظّفي الإدارة العامّة تصعيد تحرّكاتها احتجاجًا على تجاهل الحكومة لمطالب الموظّفين العادلة، ورفضها إقرار موازنةٍ عامّةٍ خاليةٍ من أيّ إصلاحاتٍ حقيقيّةٍ. وقالت اللّجنة إنّ تحرّكاتها تهدف إلى تثبيت وجود ممثّلين عنها في جلسات مناقشة مشروع تعديل الرّواتب ونظام التّقاعد، ودعت جميع العاملين في الإدارة العامّة والبلديّات إلى المشاركة في الإضراب. وشدّدت اللّجنة على أنّ هذه التّحرّكات هي ردٌّ على التّهرّب المستمرّ من زيادةٍ عادلةٍ للرّواتب والمماطلة في تطبيق الحقوق. وفي ظلّ إضراب القضاة والمعلّمين وموظّفي الإدارة العامّة، يتوقّع أن يشهد لبنان توقّفًا شبه كاملٍ في الدّوام الرسميّ والخدمات القضائيّة والتّعليميّة، بما قد يؤدّي إلى تأخيرٍ في الجلسات القضائيّة والمعاملات الإداريّة والاستحقاقات التّعليميّة.

وبين التوتر المتصاعد جنوباً، و"الميكانيزم" المجمّد، واشتباك داخليّ على حافّة الانفجار، يتحرّك لبنان في مساحةٍ ضيّقةٍ: أمنٌ يحتاج إلى آليّةٍ تعمل، وسياسةٌ تحتاج إلى حدٍّ أدنى من التّماسك، واقتصادٌ معلّقٌ على الاستقرار والإصلاح، فيما الملفّات الثّقيلة، من السّلاح إلى المرفأ فالمطالب النقابية، تضغط دفعةً واحدةً على الحكومة، والدّولة ككل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث