تبيين وطني، هذا لأنه موجّه للمدى اللبناني العام. ليس البيان الأوّل، فقد سبق للمقاومة الوطنية اللبنانية أن أصدرت بيانها الأول في السادس عشر من أيلول سنة 1982. إذن، ومن أجل عدم القطع أو الانقطاع، يستعيد الملحق البياني الوطني، جوهر وروح ما أشار إليه البيان التأسيسي، أمّا ما يملي ذلك، فهو الشبه الكبير بين أمس اللبنانيين ويومهم، لجهة الأخطار العظيمة المحيطة بالبلد الذي ارتضوه كياناً لـ"اجتماعهم"، ولجهة الافتراق الحادّ، بين لغات الطائفيات التي صارت لغة اقتتال بحراب الخيارات، وقد لا تجد ضَيْراً في الاقتتال بسكاكين القسمة والافتراق.
محطات تذكيرية
ليس كل تذكيرٍ تكراراً، وليست كل استعادة قراءةً مملّة في صفحات كتاب متقادم. في الحالة اللبنانية كل ذكرى تذكير بضرورة الوقوف مليّاً أمام التجربة لاستخلاص دروسها، وفي الحالة اللبنانية، ما أكثر التجارب، وما أقل الاستفادة من خلاصاتها. ومن دون الرجوع إلى محطات النشوء الكياني اللبناني الحديث، تكفي العودة إلى محطات مختارة من عمر هذا الكيان للقول: إن سنوات النشأة التي زادت عن قرنٍ من الزمان، لم تكن كفيلةً بتثبيت الجغرافيا الجديدة في إطار كياني تَنْعُمُ عليه التطورات باسم الوطن.
تواصُلُ السيرة اللبنانية، لا يضيره الوقوف على أحوال محطّات غير بعيدة، كان لها وقْعُ التحوّلات الأساسية التي عصفت بالكيان، فزادت في خلخلة "فلسفة" مشتركاته التي توسَّمَ، فيها الكثيرون، احتمال التجسّد في سطورٍ متناغمة، بين دفّتي كتاب وطنيّ واحد.
من جدول التذكير، نختار مراحل وعناوين كانت بمثابة انتقال بالوضع اللبناني من حال إلى حال، وكانت في الوقت ذاته استئناف للسجال الداخلي حول الأساسي من الخيارات الوطنية. وفقاً لتدرّج مقصود، ولأن واقع الحال يملي مقاربة لصيقة لتطوراته، ولأن الصيغة صيغة مقاومة وطنية أولى، تتلقى مع سواها، نتائج مقاومة بديلة ثانية، لكل ذلك تحتل أحداث سنة 1982 صدارة الكلام الوطني الجديد، بعدما خَفَتَ صوت المتكلمين الذين كان مبادراً إلى القول وإلى الفعل، في زمنٍ عَزَّ فيه الكلام عن الوطنية اللبنانية.
اختصار ضروري
دخل التأريخ لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية حلبة الاختلاف لاحقاً، بعد أن احتلت الظاهرة مكانها ضمن الأحداث اللبنانية الكبرى، وتسابق الساسة إلى إعلان انتمائهم إلى المقاومة بعد أن وصل خيارها إلى اجتياز اللبنانيين سجالاً أسسّت له المقاومة الوطنية الأولى، ووضعت حدّاً لمضمونه الأصلي المقاومة الإسلامية، التي أخذت "التركة" إليها.
يوم السادس عشر من أيلول 1982، يوم الإعلان التأسيسي، لم يكن يوماً حزبيّاً ضيّقاً، ولم يكن دعوة فئوية لقتال الاحتلال الإسرائيلي، لقد حمل البيان المقاوم الأول معاني الاستنهاض الوطني، وشدّد على تحديد العدو من دون التباس أو إبهام، فكان نداءً حيَاً باسم المصالح الموضوعية للشعب اللبناني، ووثيقة سياسية في امتداد النهج الوطني العام الذي اعتمدته الحركة الوطنية اللبنانية. لقد كان الخيط الناظم لكل تلك الحقبة، هو خيط حشد القوى في مواجهة العدو الواحد والتحذير من مخاطر الهيمنة الأجنبية، وعدم تناسي مسؤولية فريق من الداخل اللبناني عن تسهيل شروط إخضاع الوطن للهيمنة الخارجية. على أكثر من معنى، ومن دون إطالة، كان يوم 16 أيلول بمثابة تأسيس للوطنية اللبنانية الجديدة، حول مشتركات جديدة، بعد أن سقط تاريخ بناء "اللبنانية" الجامعة ضحية الانقسام السياسي والعسكري، على كافة خطوط التماس الداخلية. على هذه الخلفية توجّه البيان إلى كل الحريصين على لبنان، بلداً عربيّاً حرّاً سيّداً مستقلاً، فلم تكن الجملة رَصْفَ إضافات، بل كانت دمجاً متقدّماً على ما رفعه اللبنانيون من شعارات خلافيّة متباينة... واليوم، وبعد أربعين من الأعوام، يعود طيف واسع من اللبنانيين إلى عروبة تناسبه، كان قد تنكّر لها، ويتمسك بسيادة تقترب من سيادة المقاومين الأوائل، لكنها لا تجتمع معها على جوهر المقاربة... هذا في الوقت الذي يبرز فيه طرفٌ آخر، هو الطرف المقاوم الإسلامي الذي يبدو أنه يغرّد خارج سِرْبِ المنطلقات الوطنية القتالية الأولى، ويقف في الكثير من مواقفه الداخلية والخارجية، على الطرف المختلف معها وعنها.
كان العام 2000، عام استكمال التحرير الذي بدأته المقاومة الوطنية اللبنانية، وقد توسّم جُلّ اللبنانيين "استقلالاً" ثانياً في مغزى هذا التحرير، لكن حساب "المحرّر" اختلف عن حساب المرحّبين، فجاءت مفاجأة الإعلان عن تحرير غير مكتمل، لأن "مزارع شبعا" اللبنانية ما زالت غير محرّرة. كان ذلك إيذاناً بأخذ البلد وسنواته اللاحقة إلى مسلسل آخر، بدأ استجابة لرغبة الوصاية السورية، ثم تنقّل بين محطاتها حتى صار استجابة ليوميات مسمّى محور "الممانعة" بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
مقارنة المقاومتين سياسيّاً، تظهر لقاءً واحداً حول مسألة التصدي للاحتلال الخارجي، وتظهر افتراقاً في كل البنود الأخرى التي دعا إليها بيان 16 أيلول 1982. تذكيراً، ودفعاً للافتراءات التي يكتبها "المنتصرون" افترق أبناء "جمّول"، وما زالوا مفترقين، عن المقاومة الإسلامية، في بند إعادة صياغة الوطنية اللبنانية، وفي بنود السيادة والحرية والعروبة ونبذ الفئوية، وفي مغزى الانتماء إلى المحصلة العربية، وفي معنى وأساليب رفض التبعية والهيمنة الخارجية، وفي كل مسائل إعادة بناء الميثاقية الوطنية بناءً متوازناً عادلاً وحكيماً... يكون عاملاً مساعداً على تجديد محاولات تجاوز الإشكاليات اللبنانية القديمة والحديثة، للوصول إلى قيامة وطنٍ معروف الحدود والهوية والنظام والدستور وطرائق انتظام الكيان.
ختام الخيار
المقصود بختام الخيار المقاوم، هو الختام الوسائطي، وهذا ترجمته الواقعية وضع نقطة وقف على الحقبات الاستقلالية الفصائلية الشعبية في ممارسة القتال وفقاً لرؤيتها، وليس وفقاً لما تقتضيه الحالة اللبنانية في لوحتها الجديدة الراهنة.
استعراضاً للراهن: لقد عاد العدو الإسرائيلي فاحتل نقاطاً متقدمة ومشرفة ميدانياً، في الجنوب اللبناني، جاء التقدم المعادي بعد حرب إسناد قامت بها المقاومة الإسلامية، وحصد الجميع نتائجها التدميرية. الخلاصة من ذلك: لا تجديد لمقاومة ماضية، بعد انتقال الظرف الداخلي وكل الظروف الخارجية إلى مطارح جديدة.
عودة مقارنة للقول: إن مقاومة سنة 1982 قامت في ظرف تشلّع التشكيلة المواطنية، وفي ظل توزّع "الاستقلالات" الحزبية والفصائلية، اللبنانية والفلسطينية والسورية. المختلف اليوم هو وجود "الدولة" ومحاولاتها الدؤوبة لتثبيت هذا الوجود، مما يوجب المساعدة فيه، والانصراف إليه.
ومن القول المقارن، إن خلاف اللبنانيين لا يدور اليوم حول هويّة وطن، ومعنى انتماء إليه، فلبنان الذي عرّفته أدبيات متطرفة بوجهه الديني، أو بوجهه القومي الحصري، تراجعت على مدى العقود السالفة، وانكفأ سجال من هو اللبناني الأصيل ومن هو اللبناني الدخيل، وكفّ الفلسطيني عن أن يكون عدوّاً، وصار العربي ملاذاً وعوناً، بعد أن كان التطيّر منه "سلوكاً" لدى أبناء "القومية اللبنانية" الخالصة. نخلص من ذلك إلى السؤال: هل وضع الصراع العربي الإسرائيلي أوزاره؟ الجواب بلا نافية صريحة وواضحة، إذن، ومن موقع لبنان ضمن المحصلة العربية العامة، ومن موقعه داخل ظروفه المعلومة، ما حصّة لبنان من هذا الصراع؟ وما أساليب إدارة هذا الصراع؟ إدارة خاصة، ومن ضمن المجموع، ودائماً بما يحفظ ويصون المصالح الوطنية العليا لكل اللبنانيين. توقف آلة الحرب لا يضع حدّاً للعملية الصراعية، بل يفتح النقاش على إدارتها، كما سلف، وعلى الجهة المسؤولة التي تدير هذا الصراع، في السياسة وفي الميدان. إذن هنا الخلاف، مع مقاومة أولى رفعت شعار: التحرير والتوحيد والديمقراطية، مع شرح أن التحرير لا يتم من دون وحدة اللبنانيين، وأن الديمقراطية هي شرط وممرّ لهذه الوحدة، وهنا أيضاً الاختلاف والخلاف، مع مقاومة ثانية، بدأت هنا، وأخذت لبنان معها إلى أصقاع الأرض، مستعينة بإرادة القوة وسلاحها، لفرض الوحدة على اللبنانيين، قسراً وتجاهلاً واستخفافاً أحياناً، بعيداً من كل مسمّيات الديمقراطية.
خلاصة: كانت المقاومة حلاً لمعضلة سيادية كيانية وطنية، صارت معضلة مضاعفة على كل السيرة الوطنية. إذن ما الحل؟ الحل كامن في حوار شامل، عنوانه الدولة، وهاجسه، كيفية استعادة كل "الأبناء"؟
