وحدة المسار بانتظار المصير

عارف العبدالجمعة 2026/01/23
عون والشرع (Getty)
استشاط حزب الله غضباً من كلام الرئيس عون (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مما لا شك فيه، أن شعار "وحدة المسار والمصير" الذي كان رفعه وروجه وعمل على أساسه حافظ الأسد واعتمده نظام حزب البعث السوري البائد تجاه لبنان وسوريا، كان شعاراً واقعياً ومتيناً وعميقاً في الإدراك والتوقع ولكن ليس في الاستنتاج.

لم يكن هذا الشعار خارج التطورات الموضوعية والطبيعية بين البلدين. فقد كانت منطقة لبنان وسوريا وتاريخياً واحدة أغلب الأحيان، في المسار، ولكن ليس بالضرورة في المصير. حيث اتحد المسار في البداية أكثر من مرة ثم اختلف المصير فيما بعد، ولم يكن واحداً باستمرار.

المنطقة والإقليم المحيط وخصوصاً مع سوريا، اتحدا دوماً في مسار التطورات، ولو انهما عادا وافترقا في المصير فيما بعد البدايات والانطلاقة الأولى. 

 

البلدان سوريا ولبنان، دخلا المسيحية مع بعضهما البعض، وكانت أغلب مناطق بلاد الشام قد اعتنقت الديانة المسيحية، التي انطلقت مع ظهور السيد المسيح. حيث انتشرت اللغة الآرامية لتعود العربية وتنتشر بعد الفتح الإسلامي.

منذ ذاك التاريخ، الأحداث والوقائع الأساسية والرئيسية، في الإقليم ومنطقة بلاد الشام (لبنان وسوريا وفلسطين) تحديداً منتشرة ومؤثرة في بلادنا في مسار واحد، ونتائج متباينة في أحيان كثيرة.

في القرن التاسع عشر، أتت محاولات توسع ابراهيم باشا المصري إلى بلاد الشام، والانقلاب على السلطنة العثمانية لتشمل بأحداثها فلسطين وسوريا ولبنان. 

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تقاسم المنتصرون على المانيا، وتحديداً فرنسا وبريطانيا النفوذ في المنطقة، والقصة بتفاصيلها معروفة إثر ذلك. أما لبنان الذي كان تحت سلطة الانتداب الفرنسي، فقد اتجه في مسار واحد مع سوريا.

عملة واحدة، مصرف مركزي مشترك، واستقلال متواز.

المقصود، أن المسار كان مشتركاً بين البلدين لكن الذي اختلف هو المصير.

 

 لبنان، ثبت على النظام الديمقراطي البرلماني، مستنداً إلى الدستور الذي ولد من رحم الدستور الفرنسي. أما سوريا فشهدت مساراً آخر، فقد شهدت انقلابات وممارسات عنفية توسلاً للقبض على الحكم، وطموحات سلطوية وتبديلات وتبدلات قوى حاكمة، حولت النظام إلى اشتراكية عسكرية انقلابية متعددة، ثم بعثية أسدية عائلية وراثية متحكمة وإجرامية. 

القصة معروفة بتفاصيلها ومعاناتها وأحداثها، إلى حين سقوط نظام آل الأسد وانطلاق مرحلة جديدة من التحولات، كان أبرزها ولا يزال عنوانها المسيطر، هو استعادة الدولة السورية بقيادة أحمد الشرع سلطتها المركزية على أرضها، مع تبدلات جوهرية في الأدوات والأساليب والمقاربات. 

الظاهر، أن هذا المسار انطلق أيضاً في لبنان، بالتوازي مع إعادة انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، خارج إطار نفوذ وسيطرة المحور الإيراني الأسدي. 

لم يكن أمام الرئيس الجديد للجمهورية اللبنانية، إلا طريق محدد وواحد للسير به. وهو طريق استعادة سلطة الدولة اللبنانية المستولدة من رحم لجنة الوصايا الخماسية، والتي فتحت طريق إعادة تركيبها، للسير في مسار احتكار استخدام العنف والسلاح، وحصره بيدها. مما يعني السيطرة على سلاح الميليشيات المسلحة وفي مقدمها سلاح حزب الله الإيراني ومن لف لفه.

 

ليس من المصادفة بمكان، وليس بالواقع البسيط، أن تنطلق السلطة الجديدة في سوريا نحو التمدد والتوسع إلى مناطق "قسد"، مناطق سيطرة الميليشيات الكردية، المدعومة سابقاً من الولايات المتحدة الأميركية، بالتوازي مع تجديد رئيس الجمهورية في لبنان عزمه على استكمال خطة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، جنوب نهر الليطاني وشماله.

لم يتوقف أحمد الشرع في توجهه لمد سلطة قواته ودولته التي يعاد تكوينها، أمام محاولات قوات "قسد" المراوغة والضغط والافلات والتفلت من التوجه السلطوي المرسوم والمقرر.

كان كلام الموفد الاميركي توم براك واضحاً بعد الاصطدام بالمليشيات الكردية، وهو الدعم الكامل لأحمد الشرع وقواته، في مد السيطرة على مناطق قوات "قسد"، التي أخلت بدورها ووظيفتها ونكست الوعد والاتفاق والدور المطلوب منها، والتي كانت مدعومة وموجودة لأجله، أي مكافحة داعش.

حدثان ظهرا في لبنان على مستوى رئاسة الجمهورية؛ تمثل الأول، بحديث الرئيس جوزاف عون التلفزيوني الموسع عن القضايا الداخلية، ومنها العلاقة مع حزب الله، وإن بطريقة مواربة. وهو أصر وأكد على المضي بخطة وسياسة حصر السلاح بيد الدولة، واستخدم للمرة الأولى تعبير "المجموعات المسلحة" بدل تعبير المقاومة. 

الحدث الثاني، هو الخطاب الذي ألقاه الرئيس أمام السلك الدبلوماسي وعاد وأكد فيه على خطابه وخطه وتوجهه المشار إليه.

 

من الواضح أن حزب الله، بعد تهديدات الشيخ نعيم قاسم المضخمة والمفتعلة، قد استشاط غضباً من كلام الرئيس عون، وأطلق العنان لذبابه الإلكتروني وأفواج الشتم والتجريح الإعلامي وجماعته ومجموعاته، ومحاولة "تهبيط الحيطان" عليه وإرهابه وترهيبه. 

الجديد في كل ما يجري في لبنان وسوريا بمسار مشترك، هو انطلاق مرحلة جديدة تُختصر بحصر السلاح بيد الدولة وتمدد واتساع "سلطات الدول" المدعومة أميركياً وغربياً، في مواجهة الميليشيات المسلحة، كردية كانت أم لبنانية إيرانية.

هذا يعني حتى الآن، عودة إلى "وحدة المسار" مع الجارة سوريا، من دون الجزم بوحدة المصير.

 والله يبقى خير العارفين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث