تدخل بيروت أسبوعًا سياسيًّا مثقلًا بالرهانات، بين جرعة دعمٍ تُحضَّر على الطريقة القطريّة، وجرعة شروطٍ تتقدّم على الطريقة الفرنسيّة. في المشهد عنوانان متوازيان، الدوحة كمدخلٍ عمليّ يربط الاستقرار بالمساعدة المباشرة، وباريس كمدخلٍ سياسيّ يربط المساعدة بمسار الدولة وشروطها. وبينهما يحاول الداخل خفض منسوب التوتّر وإعادة ترتيب الأولويّات، فيما تبقى الجبهة الحدوديّة وملف الاعتداءات الإسرائيليّة عامل ضغطٍ دائمًا على أي معادلة.
في هذا السياق، تبدو زيارة وزير الدولة في وزارة الخارجيّة القطريّة محمد بن عبد العزيز الخليفي إلى بيروت يوم الإثنين محاولةً لإعادة تركيب المشهد من بوابةٍ عمليّة. دعمٌ ماليّ ومشاريع مباشرة، ثم تثبيت المؤسّسات الأمنيّة كقاعدةٍ لأي توازن. وعلى الطاولة، بحسب المعطيات، حزمة مساعدات لقطاعات الاقتصاد والتربية والصحّة، وأفق تعاون اقتصاديّ واستثماريّ في الطاقة والكهرباء، مع طرحٍ واضح لمسارٍ تقنيّ وسياسيّ في آن.
الملف الأكثر حساسيّة هنا هو الكهرباء. إذ يُطرح تأمين استجرار الغاز القطري عبر سوريا لزيادة التغذية، بما يشبه إنقاذًا "جزئيًّا" للقطاع من دون انتظار حلول داخليّة مؤجّلة. وفي المقابل، تحمل الدوحة رسالةً سياسيةً بقدر ما تحمل حقيبةَ دعم، ونتائج قابلة للقياس لا شعارات، ومشاريع تُترجم سريعًا على الأرض لا مواعيد فضفاضة.
لكن العنوان الأبرز يبقى المؤسّسة العسكريّة. فأي انهيار في الرواتب أو القدرة التشغيليّة يعني تلقائيًّا اهتزاز الاستقرار. لذلك يجري التحضير لمؤتمر في الدوحة منتصف شباط لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، بمشاركة "الدول الخمس" المعنيّة بلبنان ودول مانحة أخرى. والفكرة، وفق ما يُتداول، لا تتوقف عند مساعدةٍ طارئة، بل تذهب إلى مسارٍ جديد يقوم على زيادة تدريجيّة تنعكس على رواتب العسكريّين والضباط، وتعيد الاعتبار إلى دخلهم، كي لا يتحوّل عنصر الأمن إلى موظّفٍ يبحث عن عملٍ ثانٍ ليبقى على قيد الخدمة. ومن هنا يصبح مفهومًا لماذا يُقال إن مؤتمر الدوحة قد يرسم بداية مسار سياسيّ جديد، عنوانه تثبيت الاستقرار عبر تثبيت المؤسّسات.
وفد عسكري إلى واشنطن للتمهيد
وعلى خط باريس، اتجه رئيس الحكومة نواف سلام إلى الإليزيه في لحظةٍ تريد فيها فرنسا إعادة تثبيت دورها. دعم للجيش باعتباره ركيزة الاستقرار، وتحضير لمؤتمر دوليّ لدعم سيادة لبنان في 5 آذار. لكن باريس ترفع سقفًا سياسيًّا واضحًا، التزامًا كاملًا بوقف إطلاق النار، ودفعًا باتجاه استكمال تنفيذ خطة "حصر السلاح بيد الدولة" وتعزيز السيادة. هنا يتقاطع الدعم مع الاشتراط، لا كشرطٍ ماليّ فقط، بل كتعريفٍ لما تعتبره باريس مدخلًا لأي شراكة، دولة تقرّر وحدها، وتصلح مالها واقتصادها عبر قوانين إصلاحيّة أساسيّة.
ومع إدراج الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة على طاولة اللقاءات، يطفو سؤال واحد، هل يملك لبنان قدرة التنفيذ، أم أنّه سيكتفي مجددًا بتعهّدات مكتوبة تُستهلك في المؤتمرات ثم تُنسى عند أول مفترق داخليّ؟
في الخلفيّة، يتحرّك المسار العسكريّ كخط موازٍ لتثبيت الحدود وتخفيف المخاطر. وتشير المعلومات إلى أنّ وفدًا عسكريًّا يتوجّه الأسبوع المقبل إلى الولايات المتحدة للتنسيق مع القيادة الوسطى الأميركيّة، تحضيرًا لمباحثات قائد الجيش رودولف هيكل في واشنطن بين 3 و5 شباط، يليها اجتماع لجنة "الميكانيزم" في الناقورة في 25 شباط بحضور الجنرال جوزيف كليرفيلد.
واشنطن لفرنسا: الأمر لي!
وأظهرت التطورات الأخيرة المتسارعة أن الأميركيين يرغبون في تكريس احتكارهم للملف اللبناني، في موازاة رغبتهم في التفرد بمشروعهم في الإقليم ككل، من غزة والضفة الغربية إلى سوريا والخليج العربي. والهدف الأساسي الذي نجحت واشنطن في تحقيقه بسهولة هو إضعاف المشاركة الفرنسية في التسويات اللبنانية إلى الحد الأدنى، بشكل صامت وهادئ، بعدما كان شائعاً أنش واشنطن تستعين بباريس أو تكلفها تأدية مهمات معينة لتسهيل التسويات في لبنان، تحت إشرافها ورعايتها. وعلى الأرجح، سيحافظ على جزء من هذا الدور، ولكن تحت إشراف أميركي مشدّد.
ولعل النموذج الأكثر وضوحاً في هذا المجال هو تجميد واشنطن لعمل الميكانيزم إلى حين اختيار النموذج التفاوضي الجديد بين إسرائيل ولبنان، والذي لن يكون فيه دور لفرنسا على الأرجح، بل سيقتصر على ثلاثية لبنان- إسرائيل- الولايات المتحدة.
فالخلاف واضح بين الطرفين الأطلسيين حول المخارج التي تلاءم لبنان. وبينما تتشدد واشنطن إلى الحد الأقصى في مسألة نزع سلاح حزب الله، تحاول باريس إقامة توازن بين هذا الطلب ومطالب لبنان التي يجب أن تلتزم إسرائيل بتنفيذها، لجهة وقف العمليات العسكرية والانسحاب من النقاط المحتلة وإتاحة المجال لإعادة بناء القرى المهدمة وإرجاع أهلها إليها. وفي أي حال، تفكير إسرائيل في إنشاء منطقة عازلة هو أمر لا يحظى بالقبول الفرنسي لأنه يشكل مساً مباشراً بالسيادة اللبنانية التي يحرص الفرنسيون تاريخياً على صيانتها.
المحك الآتي سيكون في 5 آذار المقبل، موعد المؤتمر المقرر عقده في باريس لدعم الجيش. فهذا المؤتمر ستسبقه بشهر واحد زيارة قائد الجيش رودولف هيكل لواشنطن، وسيتم التمهيد له باجتماع يعقد في قطر التي سيصل .
وثمة مخاوف من أن يقوم الأميركيون بربط مسألة انعقاد مؤتمر باريس وتحديد احتمالات نجاحه أو فشله على أساس ما سيبديه الجيش من إقدام عملاني في مسألة نزع السلاح، في تجربة الشهر الأول.
ويزيد من ضبابية الصورة تدهور علاقة ترامب بإيمانويل ماكرون، لا على خلفية ملفات الشرق الأوسط، أي لبنان وغزة وسوريا وإيران وسواها فحسب، بل أيضاً الملفات الدولية كأوكرانيا وأميركا اللاتينية وكندا الـ"نصف فرانكوفونية" وغرينلند أخيراً، إذ بدا ماكرون المشاكس الأوروبي الأول في وجه طموحات ترامب التوسعية، وهو ما استدعى سجالاً حاداً بينهما في الأيام الأخيرة بلغ حد التهكّم الشخصي.
تبريد "الجبهة" الداخلية
أما في الداخل، فمحاولة تبريد الجبهة السّياسيّة تظهر في لقاء رئيس مجلس النواب نبيه برّي في بعبدا، والذي جاء لامتصاص التفاعل السلبي بين الرئاسة والثنائي، وإعادة ضبط الإيقاع. وتقول مصادر "المدن" إن برّي أبدى استياءً واضحًا من غياب صيغة تحمي اللبنانيّين، أو "أيّ أحد"، من الاستهدافات الإسرائيليّة.
وفي تفاصيل اللقاء، تؤكّد المصادر أنّ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون شدّد أمام رئيس المجلس على أنّ الانتخابات ستجري في مواعيدها الدستوريّة، نافيًا ما يُشاع عن تطييرها، ومؤكدًا حرصه على إنجازها في وقتها المحدّد. وفي المقابل، شدّد برّي على أنّ اللجان النيابيّة تقوم بدورها في ما يتصل بقوانين الانتخابات، وأنه مع إجراء الانتخابات وفق القانون النافذ، وأن على الحكومة دعوة الهيئات الناخبة ضمن المهل الدستوريّة.
وبحسب المصادر نفسها، اتفق الرئيسان على ضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسيّة مع الدول الضامنة للضغط على إسرائيل وكبح اعتداءاتها المتواصلة. كما شدّد برّي على أهمية أن يشعر أبناء الجنوب بحرص الدولة عليهم، معتبرًا أنّ إسرائيل مطالبة بتطبيق ما عليها، ولا سيّما أنّ المقاومة التزمت بالاتفاق بشهادة المؤسّسات الدوليّة.
وفي ملف الإعمار والتعويضات، دعا برّي إلى المباشرة الفوريّة بالإعمار والتعويض عن المتضرّرين، لما لذلك من أثرٍ مباشر في عودة الجنوبيّين إلى أرضهم، معتبرًا أنّ الإعمار "وعدٌ حكومي" يجب تنفيذه وهو من أولويّات الدولة. كذلك ناقش الرئيسان قانون الفجوة الماليّة وانعكاساته، وأبدى برّي تحفّظاتٍ عدّة عليه لما له من أثر على أموال المودعين.
هكذا، تتشكّل صورة الأسبوع السياسي في بيروت على إيقاع عنوانين، دعمٌ قطريّ يطلب نتائج ملموسة، ومسارٌ فرنسيّ يربط المساعدة بسقف سياديّ وإصلاحي، قبل أن يلتهم التصعيد الإسرائيلي، وأزمات الداخل، ما تبقّى من هوامش المناورة.
