"أنا وحدة يا صاحبي عربية تأبى انفصالا
في الشوك عشناها وفوق الصخر أعواما طوالا
وعلى حصير آبائي تلقنت النضال"
(سليمان العيسى)
الفضاء الرقمي اليوم يعكس ما وصل إليه العالم في فترة لا تساوي، إذا قيست إلى عمر الوجود البشري، إلا ثوانٍ قليلة. ومع ذلك، ما زلنا نسمّي أنفسنا، ربما ادّعاءً، الإنسان العاقل (Homo sapiens). غير أن خطاب مجموعات "ما بعد الإنسان"، بدأ يتحول في السنوات الأخيرة إلى واقع عملي، خصوصًا مع بروز الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة تنظيمية جديدة. فالتزاوج المتسارع بين الكيان البيولوجي والتقنيات، لا كأدوات خارجية بل كبنى مرافقة للوعي والقرار، قد يفضي إلى نمط جديد من البشر، ينظر إلينا كما ننظر اليوم إلى الشمبانزي، أي قرابةٌ بيولوجية، وفارقٌ وظيفيّ في القدرة والتنظيم.
هذا على المستوى العلمي-الأنثروبولوجي. أما سياسيًا، ففي ظل العواصف التي تضرب ما ظننّاه ثوابت ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا يزال الخطاب العربي يدور بين شعارات صدئة عن الوحدة، أو تقوقع في وحدات قبلية تُسمّى وطنية أو مصلحية، بينما الحاجة هي إلى مراجعة عقلانية متبصّرة للواقع لإنتاج حلول عملية.
وفي قلب هذا التراجع يظهر ضمور خطير في دور اللغة العربية، وهي أساس عروبتنا. لا يكفي القول إن قوتها تأتي من كونها لغة القرآن، فبقاء اللغة مرتبط باستعمالها اليومي في المخاطبة والتوثيق والكتابة، لا بمجرد قدسيتها الرمزية. ويكفي الاستماع إلى خطابات المسؤولين لندرك حجم التدهور في التعبير وفي الحس اللغوي والثقافي.
من هنا يبرز السؤال: ماذا تعني اليوم كلمات مثل العروبة، القومية، الوطنية، الوطن والمواطن، الأمة، التقدم والحرية؟ إذا بقيت هذه الكلمات مسلّمات من دون أسئلة قابلة للنقاش، فإن تفكيك الخطاب العروبي وإعادة تركيب منظومة فهم عقلانية تبدوان مهمتين صعبتين وشائكتين، لكنهما ضروريتان حتى لا يستمر اللامعقول في الاستحواذ على قضايانا الوجودية، وحتى لا يجتاحها قطار الرأسمالية المتوحشة في نسختها الاستعمارية المتجددة. ومن هذا المنطلق، أنتقل إلى مجال تحليلي يتجاوز الترداد التقليدي: تفكيك فكرة القومية، ثم بيان أسباب ضمور دورها، فالانتقال إلى الصهيونية كفاعل استراتيجي، وصولًا إلى خلاصة عملية حول كيفية بناء توازن ممكن بعد تعثر مشاريع المواجهة العسكرية.
أولًا، القومية كنحلة سياسية اجتماعية ليست طبيعية في نشأتها ولا أزلية في بقائها، بل هي نتاج تاريخ حديث تبلور بين القرنين الثامن عشر والعشرين مع انهيار السلطة الدينية والإمبراطوريات، وصعود الدولة الحديثة والطباعة والتعليم والعسكرة والاستعمار ومقاومة هذا الاستعمار. قبل ذلك كانت الهويات عمودية: أي دين، سلطان، طبقة؛ لا أفقية تقوم على شعب متساوٍ يتقاسم مصيرًا واحدًا. ومع ترسخ السيادة الإقليمية بعد صلح وستفاليا، ثم الثورة الفرنسية التي أعادت تعريف الشرعية على أساس الأمة والشعب، نشأت القومية كإطار سياسي جديد.
وشرح بندكت أندرسون هذه الظاهرة باعتبار الأمة "جماعة مُتخيلة" صنعتها ما سماه "الرأسمالية الطباعية"، أي الصحافة والكتب واللغة المعيارية التي جعلت ملايين الناس يتخيلون أنفسهم "نحن" واحدة، رغم أنهم لا يعرفون بعضهم البعض على المستوى الشخصي. ومن هنا لم تكن القومية نحلة عاطفة مجردة، بل مشروعًا بنائيًا تصنعه الدولة عبر التعليم والرموز واللغة والذاكرة المشتركة.
في المقابل، ظهر نموذج ألماني-إيطالي يؤكد على القومية الثقافية-الإثنية (اللغة، الأصل، الفولكلور)، وهو النموذج الذي قد ينقلب إلى عنصرية حين يُختزل إلى نقاء عرقي. ومع صعود الرأسمالية احتاجت الدولة لتوحيد السوق والقانون والبنى والعملة، ما يستدعي تجانسًا ثقافيًا أو تخيل هذا التجانس لبناء الوحدة. كما رسخت الحروب الحديثة القومية عبر التجنيد وفكرة "جيش الأمة" وتحويل التضحية بالذات إلى معنى وطني.
أما في آسيا وأفريقيا والعالم العربي فظهرت القومية غالبًا كمشروع تحرر واستقلال وبناء دولة بعد تفكك الإمبراطوريات. لكنها كثيرًا ما تحولت لاحقًا إلى دولة أمنية تستعمل فكرة القومية كشرعية رمزية تبرر الاستبداد. وفي السياق العربي انطلقت مع النهضة العربية وإحياء اللغة والأدب، ثم جاء الاستعمار ليجعل من العروبة مشروعًا سياسيًا ضد التقسيم.
ومع تراجع الدين كمصدر وحيد للشرعية، قدّمت القومية إجابات وجودية سياسية لتتعامل مع أسئلة مثل: لماذا نطيع؟ لماذا نضحي؟ ما معنى الموت من أجل قضية؟ فصارت الأمة بمثابة "يقين دنيوي" يبرر الألم والتضحية. ورغم التشابه البنيوي بين القومية والدين بوصفهما مصدرًا للمعنى الوجودي، فإن القومية ليست دينًا لاهوتيًا، لكنها تؤدي وظائف دينية اجتماعية عبر الرموز والطقوس والسرديات.
غير أن أواخر القرن العشرين شهد ضمور القومية نتيجة تحول بنية الدولة والاقتصاد والمعرفة. فقد ضعفت، توازيًا وإن لأسباب مختلفة عن الغرب، فكرة القومية العربية حين تحولت إلى لغة السلطة لا مشروع المجتمع في شرعنة للأنظمة وتعبئة ضد الخصوم وإلغاء للتعددية. كما فشل مشروع الوحدة بين الدول بسبب تنازع المصالح وصراع الزعامات. وهنا، مع فشل الدولة الوطنية في تأمين العدالة والخدمات والأمن القانوني، انسحب الناس إلى طائفة وعشيرة وهوية كحماية.
وزاد الأمر تعقيدًا حين تحولت القضية الفلسطينية من رمز وحدوي إلى ملف منقسم عربيًا وفلسطينيًا. ثم جاء الاقتصاد الريعي ليقضي على القومية كبرنامج تحديث: فالاستقلال والوحدة يحتاجان دولة منتجة، تصنيعًا، علمًا، وبنى تحتية. لكن الريع والاحتكار والفساد أنتجوا سياسة بلا محاسبة، فتحولت القومية إلى أناشيد بدل أن تكون مشروع إنتاج ومعرفة.
ومع العولمة تقلصت قضية السيادة: فالسوق عالمي، ورأس المال عابر للحدود، والتكنولوجيا تربط الناس خارج الدولة، والإعلام يصنع هويات شبكية بدل الوطنية والقومية. وفي الوقت نفسه بقي الخطاب القومي العربي بلا نظرية فلسفية–سياسية دقيقة يبحث في مقولات ما هي الأمة؟ ما معيار الشرعية؟ كيف تُدار التعددية؟ كما لم يطور تصورًا متماسكًا لحقوق الفرد والأقليات والمؤسسات، فظهر ضعيفًا أمام الليبرالية والإسلام السياسي، وفقد هالته الأخلاقية حين اقترن بالاستبداد والفساد.
وعليه، يمكن تلخيص ضمور القومية بأنها فقدت وظيفتها السياسية والاقتصادية والفلسفية والأخلاقية والتاريخية. أما البديل هنا فليس إنكار الهوية بل نقل مركز الثقل من خطاب "أخوّة شعاراتية" إلى مصالح مشتركة تُترجم إلى مؤسسات واتفاقات حول تجارة، أمن، طاقة، نقل، تعليم. فالمصالح تصنع روابط أكثر دوامًا من البلاغة، كما أثبتت التجربة الأوروبية. غير أن المصالح تحتاج أيضًا إلى سردية تضامن تمنح المعنى والشرعية الشعبية.
وهنا تضيء قصة قايين وهابيل البعد النفسي للأخوّة: الأخوّة لا تمنع التنافس والغيرة، بل قد تزيدهما لأن القريب الشبيه هو الخصم الأشد. وهذا ما يفسر كيف يمكن أن تتحول الأخوّة القومية إلى وقود صراع إذا غابت قواعد المصالح العادلة والمؤسسات الضابطة.
ومن هذه النقطة ننتقل إلى فلسطين والصهيونية وسؤال تفتيت المشرق. نعم توجد اتجاهات في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي ترى أن تفكيك الخصوم يخدم أمن إسرائيل، لكن ذلك لا يفسر وحده واقع التفكك العربي. فالهشاشة الداخلية العربية وانهيار العقد الاجتماعي وفشل الدولة الوطنية هي الشروط التي تجعل التقسيم ممكنًا، وتمنح الخارج فرصة الاستثمار فيه.
أما كيفية وقف النجاحات الإسرائيلية بعد تعثر المواجهة العسكرية الشاملة، فالدرس المركزي أن التوازن ليس حدثًا عسكريًا بل نتيجة منظومة كاملة تتمحور حول إنتاجية، شرعية، مؤسسات، معرفة، تحالفات، وسردية مقنعة ومتماسكة. التفوق الإسرائيلي هو تفوق دولة كاملة، لا مجرد جيش متفوق. لذا، فإن الجبهة الداخلية العربية هي مركز الثقل الحقيقي لاحتمال التغيير.
في هذا السياق تأتي عملية طوفان الأقصى مثالًا على الفرق بين الحدث العسكري والنتيجة الاستراتيجية. فقد منحت إسرائيل هذه العملية فرصة لإعادة إنتاج سردية "الدفاع الوجودي"، وسمحت لها بتوسيع التفويض السياسي والعسكري بدل تعميق عزلتها. كما أعادت عسكرة الوعي العالمي بالقضية عبر استبدال لغة الحقوق البشرية بالقاموس الأمني، وساهمت في خلق بيئة مثالية لتدمير غزة وإعادة طرح التهجير، وتعقيد الانقسام الفلسطيني، وترسيخ نموذج الحل بالقوة وإدارة الزمن لصالح إسرائيل.
هذا لا يغير عدالة القضية، لكنه يفرض معيارًا سياسيًا صارمًا، فالسياسة تُقاس بالنتائج لا بالنوايا. وإذا لم تكن العمليات الكبرى جزءًا من استراتيجية توازن شاملة، اقتصاديًا ودبلوماسيًا وقانونيًا ومؤسسيًا، فإنها تتحول إلى فرصة للخصم لتوسيع أهدافه.
لذلك، فإن التوازن لا يتحقق بانفجارات آنية ثم هدوء طويل، بل بتراكم مدروس يرفع كلفة الاحتلال سياسيًا واقتصاديًا وقانونيًا، ويبني قوة داخلية منتجة. فالعصر اليوم معرفي–تقني بقدر ما هو عسكري لكنه في استخبارات، ودمج بيانات، ودفاع جوي، ومسيّرات، وأمن سيبراني، وسلاسل إمداد وابتكار. ومن هنا يصبح الاستثمار في التعليم التقني والبحث التطبيقي جزءًا من الأمن القومي.
والدرس الأهم أن القوة الاقتصادية تصنع توازنًا أكثر مما يصنعه السلاح وحده. فلا كرامة مع بطالة وهجرة عقول وانهيار عملة. المطلوب اقتصاد إنتاجي عربي يربط الأمن بالغذاء والدواء والطاقة والتكنولوجيا والخدمات الرقمية. كما أن اللجوء إلى الدبلوماسية والقانون الدولي ليسا دليل ضعف، بل ساحة قوة تحتاج بنية دائمة للتوثيق والتقاضي والتأثير السردي. وأخيرًا، لا بد من الانتقال من وحدة أيديولوجية مستحيلة إلى تكامل وظيفي ممكن: طاقة، نقل، لوجستيات، معايير صناعية وجمركية، وسوق عمل منظم.
بهذا المعنى يصبح التوازن مشروع بناء قدرة عربية مستدامة في دولة قانون بدل دولة غنيمة، اقتصاد إنتاجي بدل ريعي، معرفة بدل خطاب، مواطنة بدل طائفية، تكامل مصالح بدل أخوّة بلاغية، وحضور قانوني ودبلوماسي بدل عزلة. عندها فقط يتحول الخطاب إلى سياسة، والرغبة إلى قدرة، والمظلومية إلى مشروع تاريخي قابل للحياة.
مصطفى علوش
