أتوا بجثمان عمتي من أميركا. انتظرنا ليلاً في البرد القارص أمام مبنى الشحن الجوي في مطار بيروت، لنستلم التابوت ونضعه في سيارة الإسعاف الآتية من بنت جبيل.
هكذا، عادت الحاجة زينب إلى مسقط رأسها، لتدفن حسب وصيتها إلى جانب زوجها، في تلك الجبانة الواسعة. وهي التي ظننتُ دوماً أن التعبير الجنوبي، "الطاهرة"، هو لقبها وصفتها وحدها، طالما أنها كانت تفيض عاطفة وحباً ولطفاً أمومياً على الناس أجمعين.
رحت أتخيل رحلة عمتي وزوجها في أواخر الستينات إلى ميشيغين، للعمل في "الفابريكا" (المصانع)، حسب لغة أهل بنت جبيل المهاجرين آنذاك إلى عاصمة صناعة السيارات والفولاذ، بعدما تدهور حال البلدة منذ إغلاق الحدود مع فلسطين، ومن ثم تحوّلها إلى واحدة من قواعد العمل الفدائي، وما جلبه ذلك من اعتداءات إسرائيلية متكررة، نكبت حياة المدينة الصغيرة ولا تزال.
يقال إن المهاجرين أسسوا بنت جبيل أخرى في ديربورن ونواحي ميشيغان، سكانها أضعاف من بقي في البلدة الأصلية. وكانت عمتي تقول إن جارتها اليهودية هناك لا تشبه "جيراننا" اليهود في فلسطين، وإن الأميركيين هناك طيبون جداً ولا يشبهون أفعال "أمريكا" )كما يلفظها أنصار حزب الله( في بلادنا. ومرة قالت "الموت لإسرائيل إيه، بس مش الموت لأميركا.. لحم اكتافنا من خيرها".
لم يبق من العائلة الكبيرة في بنت جبيل سوى ابن عمي وأسرته: "عمتنا أمينة كانت آخر سكان الحاكورة، ما أن هدأت الحرب حتى سافرت لتقيم عند ابنتها في أميركا".
في أواخر التسعينات، عادت عمتي زينب وزوجها إلى لبنان، متقاعدين، ليشتريا شقة في الضاحية الجنوبية ويعمران منزلاً في بنت جبيل. في العام 2006، اختفى المنزل تماماً بصاروخ إسرائيلي استهدف راجمة صواريخ لصقه. وما لبث أن توفي زوجها كمداً وتعباً. وهي عادت إلى أميركا في أواخر عمرها، بعدما تبخر ذاك الحلم بهناءة العيش في أرض الأجداد.
سيرتها هذه تكررت مع معظم عائلات بنت جبيل والجنوب اللبناني: عمر في الشقاء وتعب السنين يتبدد بخراب العمران.
واليوم، إذ كنت أظن أنني وحدي الذي صلته ببنت جبيل وزيارتها تقتصر فقط على مناسبات الموت، والذهاب إلى المقبرة، إلا أن ابن عمي قال: "لا أحد يذهب في هذه الأيام إلى بنت جبيل إلا للدفن والعزاء، هي الآن مدينة أشباح".
بعد حرب تموز 2006، سألت كبير البلدة الراحل أبو نعيم: ما هي الحياة الاجتماعية في بنت جبيل؟ فأجابني: الحياة هناك في الجبانة، ثقافة الموت جعلت الشبان والشابات لا يستأنسون ولا يلتقون إلا بين القبور. مقاهي بنت جبيل اختفت، وما عاد طريق صف الهوا "طريق العشاق"، ولا مطعم فيها ولا منتزه. المقبرة وحسينيتها هي حياتنا الاجتماعية: دفن وعزاء ومناسبة الاسبوع والأربعين والذكرى السنوية...
والزائر للبلدة لا بد أن يلحظ أن المقبرة صارت تتوسع بوتيرة مهولة، وعلى الأرجح بات "سكانها" أكثر من عدد المقيمين الأحياء. هكذا، راحت الشواهد ترتفع فيما البيوت تنهدم والعائلات تغترب. وابن عمي "الصامد" مثله مثل باقي المقيمين في الجنوب، صار يعرف تفاصيل تلك المسيرات الصغيرة وأنواع الصواريخ "الذكية" التي تلاحق رجال حزب الله وتقتلهم يومياً: لا أحد يمشي مثلاً مع أي عضو في الحزب، خوفاً من ضربة غادرة. لا أحد يزور بيوتهم تجنباً لصاروخ يقتلهم بملح البصر.
على هذا المنوال، يمضي أهل الجنوب حياتهم في البلدات الشبحية، الخاوية والمدمرة، ويمضي شبان "الحزب" إلى موتهم اليومي، وتبقى إسرائيل قابضة على السماء والأرض وأنفاس الناس وأرزاقهم..
