معادلة "لا إعمار قبل نزع السلاح": قرار دولي وأكبر من الحكومة

إبراهيم الرزالخميس 2026/01/22
Image-1768995828
اتفاق على دعم لبنان واخراجه من العناية الفائقةبأقل الاضرار (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يتوقف ملف إعادة إعمار القرى والمناطق المتضررة عن التداول منذ إعلان اتفاق وقف الأعمال العدائية، لكن عودته هذه المرة محمّلة بشروط أوضح وأقسى من أي مرحلة سابقة. فخلف الكلام عن استعداد الدول المانحة لدفع أموال لإعادة بناء ما دمرته الحرب في الجنوب والبقاع وبيروت، يتكرّس ربط صارم بين الإعمار من جهة، ومسارين متلازمين من جهة أخرى: الإصلاحات البنيوية، ونزع سلاح حزب الله وسائر التشكيلات المسلحة. وإذا كان المسار الأول لا يزال قابلاً للأخذ والرد والتدرج، فإن المسار الثاني بات شرطاً حاسماً لا يخضع للتأويل أو المساومة. 

في الأشهر الأخيرة، نجحت الحكومة اللبنانية، مدعومة بجهد فرنسي، في تحسين صورتها لدى عدد من العواصم المانحة، لناحية إطلاق آليات إصلاحية وتقديم التزامات اعتُبرت، في التقييم الدولي، إيجابية نسبياً قياساً إلى تجارب سابقة. وقد قادت باريس، مجموعة ضغط داخل الدوائر الدولية لتصنيف بيانات الحكومة وإجراءاتها في خانة "الخطوة في الاتجاه الصحيح"، ما أدى إلى خفوت نسبي في نبرة الاشتراطات الإصلاحية وفتح الباب أمام تعاون تقني ومالي تدريجي يحتاج إلى وقت طويل. غير أن هذا التطور، على أهميته، لم ينجح في تعديل جوهر المقاربة الدولية لمرحلة ما بعد الحرب، إذ سرعان ما تبيّن أن ملف الإصلاحات لم يعد متوازناً بالقوة مع ملف السلاح.

 

دورة دمار جديدة

فعلياً، لم تعد الدول المانحة تنظر إلى إعادة الإعمار كمسألة اقتصادية أو إنسانية منفصلة عن السياق الأمني والسياسي. فالخشية الأساسية أن تتحول مشاريع الإعمار إلى مقدمة لدورة دمار جديدة. ومن هنا، يصبح ربط الدعم بنزع السلاح خارج الدولة قراراً استباقياً يهدف إلى منع تكرار التجربة والضغط على بيروت.

في هذا الإطار، يكتسب موقف الدول الخليجية والدول الكبرى بعداً كاشفاً، خصوصاً في مواجهة السردية التي يروّج لها حزب الله ومحور الممانعة، والقائلة إن أطرافاً لبنانية داخلية تحرّض واشنطن والعواصم الخليجية على عدم دعم إعادة الإعمار. وفي هذا السياق يقول مصدر ديبلوماسي خليجي لـ"المدن" "إن ربط إعادة اعمار ما تدمر في جنوب لبنان وبقاعه وبيروت، إثر حرب الإسناد التي أطلقها حزب الله نصرة لغزة، بنزع سلاح الحزب، وكل التشكيلات الأخرى هو قرار متخذ قبل انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية وتشكيل الحكومة ومتفق عليه بين دول الخليج والدول المانحة والكبرى، وبالتالي فالقضية أكبر من الحكومة اللبنانية برمتها ومن أي تفسير أو تأويل داخلي لبناني.

 

اخراج لبنان من العناية الفائقة

وكان المصدر الذي لعبت بلاده دائما أدواراً إيجابية مع لبنان، يرد على سؤال عن اتهام الحزب خصوصاً ومحور ما تبقى من الممانعة عموماً لأطراف لبنانية داخلية بتحريض واشنطن وفرنسا ودول خليجية على عدم دعم إعادة الاعمار إذا بقي السلاح موجوداً، فقال: "هذا تسطيح كبير للموضوع وخلل في قراءة الموقف الخليجي والدولي. هناك اتفاق على دعم لبنان وإخراجه من العناية الفائقة بأقل الأضرار، وفي الوقت نفسه هناك اتفاقاً على أن آلية الدعم يجب أن تترافق مع شروط أهمها عدم جواز تدفق المليارات وإرسال الشاحنات للإعمار في ظل المخاوف من إعادة فتح حرب تحت أي ذريعة. نعلم أن الضحية يدفع الثمن مرتين لكن الزمن تغير والوضع تغير وانصراف دولنا إلى التنمية الداخلية أولوية الأولويات والتجارب دلت على أن النار لا تحتاج إلى وعود لتندلع ولا نريد الدخول حقيقة في مساومات مع هذا المحور أو ذاك على حساب المنكوبين اللبنانيين.. 

 

من هنا يرى المصدر أن القصة تتجاوز السلطة في لبنان وأن من يتحدث عن تحريض داخلي "انما حقيقة يستخف بالموقف الحقيقي للدول التي تحب لبنان ولن تتوانى عن دعمه لما يشكل استقراره من استقرار للمنطقة خصوصا مع التحولات الحاصلة، فهذه الدول لا تتأثر بوزير يتحدث أو نائب يزور واشنطن أو شخصية تتناول العشاء مع سفير خليجي او أميركي او فرنسي"

وقال إن "الدعم كان مشروطاً بشكل قوي أيضاً بإجراء لبنان إصلاحات بنيوية معروفة. كاشفاً أن "فرنسا قادت مجموعة ضغط معتبرة أن الحكومة اللبنانية تسير على الطريق الصحيح بما يتعلق بإيجاد آلية للإصلاحات، ولذلك خفتت قليلاً نبرة الاشتراطات الإصلاحية وانفتحت الأبواب للتعاون وهو أمر يحتاج وقتاً إنما لم يعد موضوع الإصلاحات متوازناً بالقوة مع موضوع نزع السلاح."

 

ملف تفاوضي 

بهذا المعنى، لم يعد ممكناً التعاطي مع إعادة الإعمار كملف تفاوضي داخلي أو ورقة تستخدمها السلطة لتحسين شروطها السياسية. فالقرار الدولي سبق الحكومة، وتجاوزها، وحدد سقفه بوضوح: الإصلاحات شرط لازم لكنه غير كافٍ، أما نزع السلاح وحصرية القوة بيد الدولة فشرط حاسم لا بديل عنه. وبين من يراهن على تدوير الزوايا أو شراء الوقت، ومن يقرأ التحولات الإقليمية والدولية ببرود، يقف لبنان أمام معادلة قاسية: إما دولة قادرة على ضبط قرار الحرب والسلم، أو بلد يُترك وحيداً في مواجهة ركامه، بلا إعمار ولا أوهام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث