"لاءات" سعودية جديدة: هذا ما حمله بن فرحان إلى لبنان

غريس مخايلالخميس 2026/01/22
يزيد_الفرحان_في_2010.jpg
تبلورت "مجموعة لاءات سعودية"، ترسم الإطار العام للسياسة السعودية الجديدة في المنطقة
حجم الخط
مشاركة عبر

أظهرت اللقاءات التي عقدها الموفد السعودي يزيد بن فرحان مع عدد من القيادات السياسية جملة من المؤشرات التي تصبّ جميعها في خانة التأكيد أنّ الحضور السعودي يتجدد لبنانيّاً وإقليميّاً، وإن بطريقة مختلفة هذه المرّة.
المفارقة التي أجمع عليها معظم من التقوا بن فرحان، أنهم خرجوا من الاجتماعات من دون تصور واضح يحدد  ما تريده السعودية بالمعنى السياسي أو الانتخابي المباشر، لكنهم في المقابل خرجوا بصورة شديدة الوضوح عمّا لا تريده. ومن هنا، تبلورت "مجموعة لاءات سعودية"، ترسم الإطار العام للسياسة السعودية الجديدة في المنطقة.

 

أولاً: لا للتقسيم… نعم لوحدة الدول
"اللا" الأولى، والأكثر تكراراً على لسان الموفد السعودي، هي الرفض القاطع لأي نزعات تقسيمية في المنطقة، من اليمن إلى سوريا، ومن الصومال إلى السودان، وصولًا إلى لبنان.
تؤكد الرياض، وفق ما نُقل عن بن فرحان، تمسكها بوحدة الدول وحدودها المعترف بها دولياً، ورفضها منطق الدويلات والكيانات الطائفية أو العرقية أو المذهبية، مهما كانت الذرائع أو الظروف. وقد لخّص الموفد السعودي هذه الرؤية بعبارة لافتة: "دول مركزية ضعيفة أفضل من دويلات قوية".
وهو ما يعكس قناعة سعودية بأنّ تفكك الكيانات الوطنية يشكل خطراً استراتيجياً طويل الأمد، لا على الدول المعنية فحسب، بل على مجمل الاستقرار الإقليمي.

 

ثانياً: لا لخطاب التحريض السني – الشيعي
"اللا" الثانية تتصل بالبعد المذهبي، وتحديداً برفض إعادة إحياء الخطاب السياسي والإعلامي الذي يقوم على تأجيج التوتر السني–الشيعي.
فالسعودية، بحسب ما قيل في هذه اللقاءات، لا تريد الاستثمار في الانقسام المذهبي كأداة صراع سياسي. وهي ترى أن هذا الخطاب لم يحقق في السابق سوى المزيد من التفكّك، وأعطى مبرراً دائماً لتدويل الأزمات الداخلية وتحويلها إلى ساحات صراع مفتوح.
وبالتالي، فإن أي مشروع سياسي أو انتخابي يقوم على شدّ العصب المذهبي لا يلقى اليوم قبولاً أو دعماً سعودياً، مهما كانت الحسابات الظرفية.

 

ثالثًا: لا للسلاح خارج الدولة
أما "اللا" الثالثة، فتتعلق مباشرة بمسألة السلاح خارج إطار الدولة حيث تؤكد الرياض رفضها القاطع لأي شكل من أشكال السلاح الميليشياوي، بغض النظر عن هويته أو طائفته أو الجهة التي تحمله... سواء كان هذا السلاح درزياً في السويداء، أو شيعياً في لبنان، أو كردياً في شمال شرق سوريا، أو تابعاً لأي جماعة أخرى، فإنّ الموقف السعودي واحد: "لا شرعية لسلاح خارج مؤسسات الدولة".
هذه المقاربة لا تُطرح من زاوية أمنية فقط، بل من منظور سياسي أيضاً، باعتبار أنّ وجود السلاح الميليشياوي يقوّض مفهوم الدولة، ويعطّل بناء المؤسسات، ويحوّل أي تسوية سياسية إلى اتفاق هشّ قابل للانفجار في أي لحظة.

 

رابعاً: لا لتجاوز مفهوم الدولة… في سوريا ولبنان
أما "اللا" الرابعة، فهي أكثر ارتباطاً بالواقع السياسي الراهن في سوريا ولبنان. فالسعودية تعلن بوضوح أنّ أولويتها هي الدولة السورية، وأنها تريد من لبنان إقامة علاقة مع الدولة السورية المتجسدة اليوم بالرئيس أحمد الشرع، بغض النظر عن كل التعقيدات السابقة.
في لبنان، كان الموقف أوضح وأكثر صراحة: السعودية تريد الدولة اللبنانية، وتدعم أداء الرئيس جوزاف عون، وتعتبره "صديقاً أولاً"، وقد انعكس هذا التوجه عملياً في جملة من المؤشرات السياسية، أبرزها الاتصال الذي أجراه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع برئيس الجمهورية جوزاف عون وكذلك زيارة رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل إلى قصر بعبدا.

 

سياسة "النفي" بدلاً من الإملاء
ما يلفت في المقاربة السعودية الحالية أنها لا تقدم "وصفة جاهزة" بقدر ما تضع خطوطاً حمراء واضحة. إنها سياسة تقوم على النفي أكثر مما تقوم على الإملاء: لا للتقسيم، لا للطائفية السياسية، لا للسلاح خارج الدولة، ولا لتجاوز مفهوم الدولة في سوريا ولبنان.
وبين هذه اللاءات الأربع، تترك الرياض للقوى المحلية هامش الحركة لاختيار الطريق، شرط ألا يتجاوز هذه الحدود.
في المحصلة، باتت "مجموعة اللاءات السعودية" تشكّل خريطة طريق واضحة المعالم، تعكس تحولاً في الأولويات، وانتقالاً من سياسة إدارة الأزمات إلى محاولة منع تفكك الدول.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث