يقف لبنان اليوم أمام مفترق حاسم، في ظل تصعيد إسرائيلي متدحرج دخلته مناطق شمال الليطاني، واستمرار الرسائل الدولية التي توحي وكأن لا خيار ثالث أمام لبنان: تسليم سلاح حزب الله، أو مواجهة حرب واسعة وشاملة.
لبنان متمسك بعمل لجنة الميكانيزم التي أرادتها إسرائيل في عداد الأموات، ويعمل على إنعاشها. وموقف رئيس الحكومة نواف سلام اليوم من دافوس خلال مقابلة تلفزيونية له، خير دليل على ذلك، إذ أكد سعي لبنان لتفعيل عمل اللجنة، كاشفاً أن "لا مانع من توسيع مشاركة مدنيين لبنانيين في اللجنة". وهذا أحد الملفات التي سيحملها سلام معه من دافوس إلى باريس، خلال لقائه المرتقب بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. على أن الملف الأهم هو التحضير للمؤتمر الدولي لدعم سيادة لبنان، المقرر عقده في باريس في 5 آذار المقبل برئاسة ماكرون. وبحسب المعلومات، سيؤكد المؤتمر التمسّك بالاحترام الكامل والشامل لوقف إطلاق النار من قبل جميع الأطراف، وضرورة أن يبادر لبنان إلى إطلاق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة.
وكان سلام أطلق مواقف متقدمة في ملف حصرية السلام، مؤكداً "أننا دخلنا المرحلة الثانية من العملية تدريجاً، وهي تشمل المنطقة الممتدة بين نهري الليطاني والأولي، ثم بيروت الكبرى فالبقاع".
يأتي هذا فيما يتم التداول بمعلومات مفادها أن واشنطن تسعى للوصول إلى اتفاق مع لبنان، وليس كما يُشاع "اتفاق هدنة"، وهو ما سيُرمى على مسامع قائد الجيش العماد رودولف هيكل أثناء زيارته المرتقبة لواشنطن، والتي ستشمل البنتاغون والأمن القومي والخارجية. ومن الواضح أن هيكل سيواجه بأنّ عملية حصر السلاح تسير بشكل بطيء، ويجب أن يتم تسريعها. كما ستؤكد واشنطن لقائد الجيش أنها لن تسمح لحزب الله بالتصعيد داخلياً.
في المقابل، تتحرك الدبلوماسية على خط باريس – دافوس، على الرغم من أن بيانات التهدئة والشجب لا تؤدي الغرض المطلوب منها، وسط اشتداد القصف الإسرائيلي في اليومين الأخيرين، وتكثيف التحذيرات العسكرية من جهة، وفي لحظة إقليمية بالغة الخطورة.
وفي هذا السياق، جاءت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصف حزب الله بأنه "بات بقايا صغيرة"، مؤكدًا "ضرورة القيام بشيء حيال ذلك"، لتضيف طبقة جديدة من الضغط السياسي والأمني على لبنان، الذي يجد نفسه محاصرًا بين اشتباك داخلي على الأولويات، واشتباك إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات.
مؤشرات ميدانية مقلقة
كلام ترامب يقابله تسارع المؤشرات الميدانية المقلقة، فقائد سلاح الجو الإسرائيلي تحدث عن ذراع هجومية قادرة على العمل في عمق "أراضي العدو"، فيما ترفع تل أبيب مستوى جهوزيتها تحسبًا لتطورات كبرى، وعلى رأسها احتمال ضربة أميركية لإيران، مع ما قد يستتبعه ذلك من ضغط على الجبهة اللبنانية.
وبحسب ما نقلته صحيفة "هآرتس" العبرية اليوم، فإنّ الأجهزة الأمنية الإسرائيلية رفعت خلال الأيام الأخيرة، مستوى الجهوزية تحسّبًا لاحتمال أن يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد اتخذ قرارًا بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران خلال الأيام القريبة، رغم عدم صدور مؤشرات علنية من واشنطن في هذا الاتجاه.
ونقلت صحيفة "هآرتس" أن الجيش الإسرائيلي نشر منذ بداية الحرب منظومات الدفاع الجوي إلى أقصى حد ممكن، وأن مستوى الجهوزية في هذه المنظومات رُفع مجددًا خلال الأيام الأخيرة، وذلك أيضًا على خلفية تهديدات محتملة من اليمن ولبنان.
كما لفتت إلى أن الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمال ممارسة إيران ضغوطًا على إسرائيل عبر الجبهة اللبنانية، من خلال حزب الله، بينما لم تُرصد بالنسبة إلى إسرائيل أي "استعدادات تشير إلى نية الدخول في مواجهة واسعة".
وبذلك من الخطأ الاعتقاد أن الكرة لا تزال في ملعب الدولة اللبنانية أو حتى حزب الله الذي لم يعد لديه الكثير من الخيارات. وقد حمّل الدولة في بيان صدر عن اجتماع كتلة الوفاء للمقاومة الدوري مسؤولية عما يرزح تحته لبنان. الكتلة اعتبرت أن "العبء الحقيقي الَّذي يرزح تحته لبنان اليوم هو استمرار العدوان وغياب الدَّولة عن تحمُّل مسؤولياتها، وتخلِّيها عن شعبها سواء في الحماية أو في الرِّعاية، فيما المفترض أن تتصدَّى الحكومة اللبنانية لأي خرق إسرائيلي للسيادة اللبنانيَّة في كل المناطق اللبنانية خصوصًا في منطقة جنوب الليطاني". واعتبرت أن "أي رهانٍ على المتغيرات الخارجية لتصفية حسابات سياسيَّة ضيقة لن تصب في مصلحة البلد واستقراره ونهوضه وهي ستكون رهانات خائبة"، مؤكدة أن "الخيار الوحيد المتاح أمام اللبنانيين هو الحفاظ على عوامل القوَّة التي يمتلكونها وفي طليعتها تكامل الجيش والشعب والمقاومة، وتلاقي اللبنانيين ووحدتهم لدرء المخاطر المحيطة بهم".
لبنان تحت "ضغط مرتفع"
وفي اللحظة الإقليمية الصعبة، يبدو واضحاً أن كل القوى في لبنان تراجع حساباتها بدقة، خوفاً من "دعسة ناقصة" قد يتسبب بها الخلل في قراءة التحولات والانقلابات، من غزة ومجلس السلام المقترح، إلى التفاهمات الأخيرة في داخل سوريا، وصولاً إلى الملف الإيراني الذي عاد إلى مناخات التصعيد، وهو يشهد ارتفاعاً مستجداً لاحتمالات الحرب. ويحاول الطرفان الأساسيان المعنيان في لبنان، الدولة وحزب الله، تمرير القطوع الذي يفرض نفسه بقوة عليهما، نتيجة الضغوط التي يمارسها الإسرائيليون والأميركيون، بهدف نزع السلاح.
وهذه الضغوط الخارجية تنعكس في الداخل توتراً مكبوتاً حيناً وعلنياً أحياناً بين العهد ورئيس الحكومة من جهة، وحزب الله من جهة أخرى. وقد جاءت مواقف الرئيس جوزف عون الأخيرة، والتي أطلق فيها انتقادات للحزب، ووجه إليه نصائح بـ"التعقل"، لترفع من مستوى السخونة بين الجانبين، على رغم الحرص الذي يبديه كل منهما على التزام الضوابط، لئلا يبلغ الملف حدود المواجهة المفتوحة.
الضغط الخارجي يؤدي عملياً إلى حشر الطرفين بقوة. فالحزب يعتبر أن رئيس الجمهورية يرضخ للضغوط الأميركية في مسألة نزع السلاح، وربما أيضاً يفكر في تطبيق نموذج سوريا، حيث تسيطر الدولة المركزية وينحسر دور الفصائل المسلحة. وفي تقديره أيضاً أن العهد ورئيس الحكومة ربما ينتظران تغير موازين القوى بعد أن تتلقى طهران ضربة عسكرية جديدة، ليفرضا الخيارات في الداخل اللبناني.
في المقابل، يقول خصوم الحزب إنه هو الذي يراهن على إيران ويخوض الحروب دفاعاً عن مصالحها، وأنه لهذه الغاية يغامر بنفسه وبيئته والبلد ويتمسك بسلاحه الذي لم يعد مجدياً في مواجهة إسرائيل، وأنه يغامر بحرب مدمرة من أجل هذه مصالح طهران تحديداً.
في اعتقاد كثيرين أن الجولة الجديدة من الضغط الجدي على لبنان لم تنطلق بعد. وعندما تبدأ، عسكرياً على يد إسرائيل، وسياسياً واقتصادياً على يد الولايات المتحدة، سيكون طرفا المواجهة الداخلية أمام التحدي الصعب. فهل يتوصلان إلى صيغة توافقية أم يدخلان في صراع، وما مصير البلد كله في هذه الحال؟
