"ما من دخانٍ من دون نارٍ"، مثلٌ شعبي ينطبق بدقةٍ على ما يتداول اليوم حول إمكانية تأجيل الانتخابات النيابية، على الرغم من التأكيدات المتكررة الصادرة عن الرؤساء الثلاثة بوجوب إجرائها في مواعيدها الدستورية. غير أن واقع الحال يوحي بعكس ذلك، في ظل المماطلة المستمرة والتناحر السياسي الحاد المتمحور حول قانون الانتخابات وتعديلاته. وقبل أقل من عشرين يومًا على الموعد الدستوري المحدد لدعوة الهيئات الناخبة، يطرح السؤال نفسه بإلحاحٍ: ماذا سيحدث؟
هل يستبق رئيس مجلس النواب نبيه برّي التطورات ويدعو المجلس النيابي إلى الانعقاد لبحث التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات، ملبيًا بذلك طلب رئيس الجمهورية؟ أم يبقي كرة النار في ملعب الحكومة، التي قد يجد وزير داخليتها نفسه مضطراً إلى دعوة الهيئات الناخبة على أساس القانون النافذ، رغم توصية الحكومة بإدخال تعديلاتٍ تطال الدائرة 16 والبطاقة الممغنطة؟
لقاءٌ مرتقبٌ بين عون وبرّي: الانتخابات في صدارة البحث
علمتْ "المدن" أن لقاءً سيجمع رئيس الجمهورية جوزاف عون برئيس مجلس النواب نبيه برّي في القريب العاجل، لبحث جملةٍ من الملفات الأساسية، وعلى رأسها ملف الانتخابات النيابية. وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر مطلعةٌ لـ"المدن" أن رئيس الجمهورية سيطلب من الرئيس برّي فتح باب النقاش في المجلس النيابي حول القانون الانتخابي، والتعديلات التي اقترحتْها الحكومة، في محاولةٍ للوصول إلى تسويةٍ سياسيةٍ ترضي مختلف الأطراف، وتمنع دفع الاستحقاق النيابي نحو التأجيل.
في المقابل، تشير أجواء الرئيس برّي إلى إصرارٍ واضحٍ وحاسمٍ على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، ووفقًا للقانون النافذ، ومن دون أي تأجيلٍ، متذرعًا بموقفٍ دستوري ثابت. كما سينهي أي نقاشٍ أو جدلٍ حول إمكانية قبوله بتصويت المغتربين لـ128 نائبًا من الخارج، أو إدخال تعديلاتٍ جوهريةٍ على القانون في هذا التوقيت. وسينصح رئيس الجمهورية بعدم القبول بتطيير الاستحقاق الانتخابي، لأن ذلك لا يصب في مصلحة العهد، الذي سيسجل عليه تأجيل استحقاقٍ دستوري في مرحلةٍ شديدة الحساسية والدقة.
جلسة 10 شباط للموازنة
وتذهب المصادر المطلعة، في حديثها لـ"المدن"، إلى أبعد من ذلك، إذ تؤكد أن معظم الفرقاء باتوا مقتنعين بحصول تأجيلٍ تقني، لأسبابٍ تتعلق بالتحضير والتجهيز اللوجستي. إلا أن الرئيس برّي يحسم موقفه بالقول إنه لا تأجيل لستة أشهرٍ أو لسنةٍ، وإذا اتفق على التأجيل، فلن يكون أقل من نصف ولايةٍ أو ولايةٍ كاملةٍ، مع تأكيده معارضته التامة لهذا الخيار، وأنه لا يطالب به ولا يسعى إليه.
وتضيف المصادر أن برّي وحليفه حزب الله مصران على إجراء الانتخابات في أيار، "وصحتين على قلب الربحان"، معتبرّين أن أي تأخيرٍ في استكمال هذا الاستحقاق يعد تخليًا من الحكومة عن واجباتها الدستورية. أما في ما يخص عقد جلسةٍ نيابيةٍ قبل 10 شباط، فالجواب واضحٌ: "أكيد"، لكن لمناقشة الموازنة.
الدائرة 16 والميغاسنتر: خطوطٌ حمراء وتسوياتٌ ناقصة
يحسم الرئيس برّي موقفه من التعديلات كما يطالب بها الطرف الآخر، مؤكدًا انفتاحه فقط على تعديلٍ يفضي إلى إلغاء الدائرة 16 وإجراء الانتخابات كاملةً من الداخل. أما الميغاسنتر، فيبقى خيارًا بعيد المنال. وفي هذا السياق، يحصر الاستثناء بالجنوبيين غير القادرين على الوصول إلى قراهم، حيث ستتاح لهم إمكانية الاقتراع في مناطق أخرى، كما جرى في الانتخابات البلدية.
ولا يقتصر لقاء الرئيسين على ملف الانتخابات، إذ تؤكد مصادر "المدن" أن الاعتداءات الإسرائيلية ودور الجيش اللبناني، إضافةً إلى الفجوة المالية، ستكون حاضرةً بقوةٍ على طاولة النقاش. وتلفت المصادر إلى أن الملف المالي يرتبط مباشرةً بالانتخابات، متسائلةً: كيف يمكن إقناع الناس بالتصويت لقوى ستتهم بالمساهمة في إقرار قوانين "تطير" أموال المودعين؟ "حسب توصيف المصدر".
عين التينة ورسائلها غير المباشرة إلى الحكومة
بناءً على ذلك، سيؤكد برّي لعون أنه منفتحٌ على الحوار والنقاش، لكنه بعيدٌ كل البعد عن القبول بمطالب الآخرين والذهاب بها إلى نهاياتها. هو مصممٌ على أيار، ولن يقف عثرةً أمام تموز، لكنه يرفض "التطيير"، وإن حصل فلن يكون لستة أشهرٍ أو لسنةٍ.
وصراحة مواقف برّي خرجتْ على لسان النائب إلياس أبو صعب، في مشهدٍ "تكلمتْ فيه الكنة لتسمع الجارة"، والجارة هنا هي الحكومة. فقد علمتْ "المدن" أن برّي نقل لأبو صعب امتعاضه الشديد من محاولات "تطيير" الانتخابات، معتبرًا أن الحكومة لا تزال تماطل في حسم موقفها، رغم قدرتها على إجراء الانتخابات على أساس الدائرة 16، خصوصًا أن أكثر من مئة ألف لبناني في الخارج سجلوا لهذا الغرض.
كما أكد برّي لأبو صعب أن على جميع الفرقاء الاقتناع بأنه لن يسير بالتصويت لـ128 نائبًا من الخارج، وهو مصر على الالتزام بالمواعيد المحددة. على أن ينقل أبو صعب خلاصة هذه المداولات، في محاولةٍ لتقريب وجهات النظر. فوفق منطق "خطوةٍ مقابل خطوةٍ"، إذا ألغيت الدائرة 16، تجرى الانتخابات من الداخل، لكن عين التينة، حتى اللحظة، لا تزال متمسكةً بالدائرة 16، ولن تقدم تنازلًا قبل غيرها.
وما أفرزتْه اجتماعات اللجان النيابية المشتركة، ولا سيما لجان الشؤون الخارجية والداخلية والدفاع، كان واضحًا، لا حلول، لا تقدم، ولا وضوح. وعليه، يبرز السؤال: كيف يجمع الجميع اليوم على تأكيد موعد إجراء الانتخابات؟
وزارة الداخلية: لا تأجيل تقنيا من جانبنا
ومع إعادة رمي الكرة في ملعب الحكومة، وتحديدًا وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة التي قد تتقدم بطلب تأجيلٍ تقني، أو اقتراح إجراء انتخابات الداخل قبل الخارج، ريثما تستتب الأمور، أكدتْ مصادر مطلعةٌ لـ"المدن" أن وزارة الداخلية لم تتقدمْ، ولا تحضر لتقديم أي اقتراحٍ لتأجيلٍ تقني، وهي غير معنيةٍ بهذا الخيار.
وتضيف المصادر أن ما قد يصدر في أي وقتٍ عن المجلس النيابي تلتزم به الحكومة، مشيرةً إلى أن القانون واضحٌ لجهة إجراء انتخابات المغتربين قبل 15 يومًا من انتخابات المقيمين. كما أن وزير الداخلية أحمد الحجار سيتقدم خلال الشهر الجاري، بناءً على توصية اللجنة المشتركة بين وزارتي الداخلية والخارجية، باقتراحٍ إلى الحكومة لدراسة إمكانية إصدار المراسيم التطبيقية لاقتراع غير المقيمين، على أن يبقى القرار النهائي بيد الحكومة مجتمعةً.
أسبوعٌ مفصلي: إلى أين تتجه الكفة؟
ما بين إجراء الانتخابات، والتأجيل التقني، والتأجيل الطويل، تبقى كل الخيارات مفتوحةً في ظل الانقسام الحاد وغياب الاستعداد الحقيقي للحوار والتنازل. فكيف ستتمكن البلاد من إجراء الانتخابات في موعدها؟
الأرجح أن التأجيل التقني سيحصل، لكن السؤال الأهم: هل يبقى تقنيا أم يتحول إلى تأجيلٍ طويل الأمد؟ أم أن ضغطًا دوليا واضحًا سيفرض على القادرين في لبنان الذهاب نحو الانتخابات في موعدها، فنراها في أيار كما يجب أن تكون؟
عهدٌ بدأ بشعارات استعادة الدولة وتطبيق القوانين، لا يمكنه تحمل كلفة "تطيير" أهم استحقاقٍ دستوري، حتى وإن لم يكن صاحب القرار الوحيد. نحن إذًا أمام أسبوعٍ مفصلي، ومع مطلع شباط ستتبلور الصورة أكثر، وربما نشهد كباشًا أشد، فلمن ستكون الغلبة؟
