ما الذي تغير في عقل الرياض؟ أبعد من الجغرافيا (2 من 2)

خلدون الشريفالأربعاء 2026/01/21
Image-1768935563
أولوية الاستقرار ومنع تفكك الدول (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

إذا كانت حضرموت والمهرة قد كشفتا حدود الصراع على الأرض والممرات، فإن المعركة الحقيقية تبدأ حيث لا تُرى الخرائط: في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتحالفات التي ستحدّد من يقود الإقليم لا من يحرّك ساحاته. هنا تنتقل المواجهة من الجغرافيا الصلبة إلى هندسة المستقبل، ويُطرح السؤال المركزي: من يقود الإقليم في مرحلة ما بعد النفط؟

في هذه المرحلة، لا تعود المنافسة مسألة نفوذ عسكري مباشر أو سباق موانئ فقط، بل صراعًا على مفاتيح المستقبل: الاقتصاد الجديد، التكنولوجيا، سلاسل الإنتاج ذات القيمة المضافة، والتحالفات التي ستعيد تعريف مركز الثقل الإقليمي خلال العقدين المقبلين.

ما يجري بين الرياض وأبو ظبي لا يُقرأ بوصفه خلافًا ظرفيًا، بل كتنافس بنيوي على شكل النظام الإقليمي المقبل، وعلى من يملك حق صياغة قواعده، لا الاكتفاء بالتحرّك داخله.

 

ما بعد الهيدروكربونات: حيث تُحسم القيادة

لم يعد النفط وحده، على أهميته القصوى، محدِّد المكانة. القيمة اليوم تُصنع في نقاط الربط: الموانئ الذكية، الممرات البرية والبحرية، شبكات البيانات، الذكاء الاصطناعي، والقدرة على دمج الاقتصادات المحلية في سلاسل إنتاج ذات قيمة مضافة عالمية. من يملك هذه المفاتيح لا يملك الثروة فحسب، بل القدرة على فرض قواعد اللعبة.

في هذا المضمار، دخلت السعودية وأبو ظبي السباق من نقطتي انطلاق مختلفتين. الرياض تمتلك ثقلًا جغرافيًا وديمغرافيًا وماليًا كبيرًا، وتعمل على تحويله إلى منظومة إنتاج جديدة قادرة على المنافسة في اقتصاد ما بعد النفط. أبو ظبي، في المقابل، استثمرت مبكرًا في بنى تحتية مالية ولوجستية وتكنولوجية، ونسجت شبكات عالمية من الشراكات، ما منحها أفضلية زمنية لا يمكن تجاهلها.

الصراع هنا ليس على من "يربح" اليوم، بل على من يحدّد شكل الإقليم غدًا، ومن يصبح عقدة الربط التي لا يمكن تجاوزها في سلاسل القيم المضافة الجديدة.

 

إسرائيل: رافعة تسريع لا مرجعية أخلاقية

في هذا السياق، لا يمكن فهم موقع إسرائيل إلا بوصفها عامل تسريع اقتصادي-تكنولوجي مهيمن، يضاف إلى قوتها العسكرية المفرطة. بالنسبة لأبو ظبي، لم يكن التطبيع خيارًا أمنيًا فحسب، بل مدخلًا إلى منظومات الابتكار، والذكاء الاصطناعي، ورأس المال المعرفي، والشبكات العالمية للشركات الناشئة. هذه الشراكة سرّعت الانتقال إلى اقتصاد ما بعد النفط، ومنحت الإمارات تفوّقًا تنافسيًا إضافيًا في سباق الزمن.

من هذا المنظور، تُقرأ إسرائيل كأداة ضمن استراتيجية نفوذ شبكي، لا كقضية سياسية أو أخلاقية: شراكة مرنة، عابرة للحدود، تمنح مكاسب سريعة من دون تحمّل أعباء قيادة سياسية أو أمنية مباشرة.

السعودية تتعامل مع إسرائيل من موقع مختلف. فهي لا ترفض التطبيع من حيث المبدأ، وقد فاوضت عليه في واشنطن ضمن حِزم أوسع تشمل ضمانات أمنية وتعاونًا نوويًا وشراكات اقتصادية متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات والطاقة البديلة. لكنها ترى أن توقيت التطبيع وشروطه يجب أن يخدما مشروع استقرار الإقليم، لا أن يتحولا إلى رافعة تمنح طرفًا واحدًا أفضلية قصوى يصعب كبحها لاحقًا. من هنا، يتحوّل الخطاب المؤيّد لفلسطين، إلى جانب بُعده الأخلاقي والإنساني، إلى أداة سياسية في صراع القوة.

 

فلسطين كسردية في صراع القيادة

يتضح هنا جوهر الاشتباك. أبو ظبي تنظر إلى الخطاب السعودي المناهض لإسرائيل بوصفه محاولة لعرقلة تفوّقها الاقتصادي والتكنولوجي في سلاسل الإنتاج ذات القيمة المضافة. في المقابل، ترى الرياض في المسار الإماراتي–الإسرائيلي سعيًا لاحتكار شراكات المستقبل، وفرض وقائع إقليمية يصعب تعديلها لاحقًا.

في هذا السياق، لا تختفي فلسطين، لكنها تتحول إلى ساحة رمزية تُستخدم لتعبئة الرأي العام وتبرير التموضع السياسي. لم تعد القضية وحدها مركز الصراع كما في العقود الماضية، بل باتت جزءًا من تنافس أوسع على من يقود الإقليم حين تتغيّر قواعد القيمة. ومع ذلك، أثبت التاريخ أن فلسطين، مهما خَفَتَ حضورها، تعود إلى الواجهة بأشكال جديدة كلما نضجت الظروف وتبدّلت موازين القوة.

 

إيران المتحوّلة: من مركز الاشتباك إلى عامل إعادة تموضع

لا يكتمل سؤال "من يقود الإقليم؟" من دون التوقف عند إيران. فهي اليوم ليست القوة الصاعدة التي أربكت الحسابات الإقليمية قبل عقدين، ولا قوة منهارة خرجت من المعادلة. إنها في مرحلة تحوّل مربكة: استنزاف اقتصادي مزمن، احتجاجات اجتماعية متكررة، وتراجع في جاذبية سردية "محور المقاومة"، من دون فقدان أدوات التعطيل بالكامل.

هذا التحوّل أعاد تحديد موقع إيران في الحسابات الإقليمية. لم تعد محور النظام، لكنها لم تخرج منه. السعودية قرأت هذا الواقع بوصفه فرصة لتقليص الاستنزاف، فذهبت إلى سياسة التهدئة والاحتواء مع إيران تحديدًا، لا لأن طهران تحوّلت إلى شريك، بل لأن تحييدها النسبي يفتح المجال لإعادة ترتيب الأولويات بعيدًا عن منطق الاشتباك الدائم.

في المقابل، ترى أبو ظبي وإسرائيل في هذا التحوّل فرصة لتوسيع نفوذهما عبر ممرات بديلة وتحالفات مرنة وتكثيف الحضور في مناطق الفراغ. غير أن هذا النهج يصطدم، مرة أخرى، بمنطق الدولة حين يقترب من خطوط حمراء تتعلق بالحدود والممرات والطاقة لدول إقليمية مؤثرة، من مصر وتركيا إلى السعودية وإيران نفسيهما.

 

السيادة مقابل الشبكات: معركة النظام الإقليمي

يتضح أن الصراع ليس ثنائيًا ولا بسيطًا. فمن جهة، هناك معركة على الاقتصاد والتكنولوجيا وموقع القيادة داخل سلاسل التوريد العالمية. ومن جهة أخرى، صراع على شكل النظام الإقليمي نفسه: هل يُدار عبر دول مركزية تعيد بناء سلطتها، أم عبر شبكات نفوذ تُبقي المناطق في حالة سيولة دائمة؟

السعودية تراهن على النموذج الأول، لا كرؤية مثالية، بل كخيار براغماتي: دول قابلة للإدارة، استقرار نسبي، وتفاهمات إقليمية تقلّص كلفة الفوضى. أبو ظبي تراهن على النموذج الثاني: نفوذ مرن، قدرة على العمل في المناطق الرمادية، تحقيق الخروقات، وتسريع المكاسب عبر شراكات عابرة للحدود.

هذا التباين يفسّر لماذا تبدو العلاقة بين الطرفين تنافسًا مضبوطًا لا قطيعة. فكلفة الانفكاك الكامل أعلى من كلفة إدارة الخلاف.

 

كوابح الانفجار: القاهرة وأنقرة وإسلام آباد

وسط هذا التنافس، تلعب قوى أخرى دور الكوابح. القاهرة، بحساسية البحر الأحمر وقناة السويس، ترفض أي إعادة هندسة للنفوذ تُهدّد استقرار الممرات الحيوية. أنقرة، بقدراتها العسكرية والصناعية وتموضعها في القرن الأفريقي، وقبرص وسوريا والعراق، تشكّل شريكًا محتملًا لمنطق الدولة في مواجهة الشبكات المسلحة. أما إسلام آباد، بثقلها العسكري وعلاقاتها العميقة مع الخليج، فترفع كلفة أي تفكك حاد وتدفع نحو إبقاء الخلاف ضمن سقف مضبوط.

هذه القوى لا تقود الإقليم، لكنها تمنع انفلاته، وتُجبر اللاعبين الكبار على حساب خطواتهم بدقة.

 

الدوحة: شريك إقليمي بلا أجندة تفكيك

إلى جانب هذه العواصم، تحتل قطر موقعًا خاصًا في معادلة إعادة تشكيل الإقليم. فالدوحة ليست في وارد التنافس مع الرياض، لكنها تجمع بين استقلالية القرار السياسي والقدرة على العمل ضمن أطر تعاون وثيق مع السعودية في ملفات حساسة.

تتقاطع الدوحة مع الرياض في أولوية الاستقرار ومنع تفكك الدول، حتى وإن اختلفت الأدوات. وفي ملفات إيران وفلسطين وأفغانستان، شكّلت قناة تواصل فعّالة خفّضت منسوب التصعيد من دون تحويل الوساطة إلى أداة نفوذ شبكي أو مشروع كسر للسيادة.

 

قيادة تُصاغ ولا تُعلَن

في المحصلة، لا يُحسم سؤال "من يقود الإقليم؟" بخطاب أو تحالف واحد. القيادة تُصاغ عبر القدرة على إنتاج الاستقرار لا إدارة الفوضى، وعبر تحويل القوة إلى تسويات قابلة للحياة، وربط الاقتصاد الجديد بجغرافيا سياسية مستقرة.

السعودية تقف اليوم أمام اختبار تاريخي: هل تنجح في تحويل ثقلها الجغرافي والاقتصادي -الذي برز في حضرموت والمهرة- إلى مركز جاذبية يعيد تعريف النظام الإقليمي؟ أم تكتفي بإدارة تنافس طويل مع شريك يتقن كسب الوقت؟

الجواب لم يُحسم بعد، لكنه لم يعد مؤجّلًا كثيرًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث