ربّما يكون من أبرز مؤشّرات المرحلة المُقبلة في الجنوب ما نُقل عن وزير خارجيّة موسكو سيرغي لافروف، إذ قال: "وفق معلوماتنا، إسرائيل ليست معنيّة بسحب قواتها نهائياً من لبنان". يجيء هذا الكلام في لحظةٍ رماديّة يعيشها لبنان بين إعلان انتهاء المرحلة الأولى من خطّة حصر السّلاح، والوعد بانطلاق المرحلة الثّانية، فيما الوقائع الميدانيّة تشير إلى أنّ إسرائيل تُدير جنوب لبنان بمنطق "تثبيت المكاسب" لا بمنطق الانسحاب.
لم يُفاجأ الوسطان السّياسيّ والدّبلوماسيّ في بيروت بـ"معلومات" لافروف، إذ يسود اقتناع بأنّ إسرائيل ستُحاول دائمًا ابتداع الذّرائع للحفاظ على احتلالها لمواقع ومناطق جنوبيّة، أو لتوسيع بقعة الاحتلال ظرفيًّا أو بصورةٍ أكثر ديمومة، كلّما سنحت لحظة انشغالٍ إقليميّ أو دوليّ، طالما أنّها تتحرّك تحت غطاءٍ أميركيّ يسمح لها بهوامش عمليّات داخل لبنان. الأوضح، أنّ تل أبيب بدأت عمليّة إعادة ترتيبٍ لأوراقها في الجنوب، لتشديد القبضة العسكريّة والأمنيّة مع انتقال الجنوب من المرحلة الأولى إلى الثّانية، وتحضير الأرضيّة لمسارٍ سياسيّ واقتصاديّ تُريد إدخاله على خطّ الملفّ.
وفي موازاة التّجميد المُتعَمَّد لعمل لجنة "الميكانيزم"، بالتفاهم مع الولايات المتّحدة، تمهيدًا لإنهائها أو لإعادة تحديد مهامّها، وطبيعة عملها، وأهدافها، بدا أنّ إسرائيل تُراجع انتشارها وأدوارها الميدانيّة بإعلانها سحب الوحدة 888 "الشّبح"، المصنَّفة ضمن وحدات النُّخبة في الجيش الإسرائيليّ، وهي التي استعانت بها تل أبيب في الأسابيع الأخيرة على الجبهة مع لبنان، ونُسبت إليها عمليّات نوعيّة طالت ترسانات السّلاح وعمليّات دقيقة ضدّ أفراد.
ويرى خبراء عسكريّون أنّ هذا السّحب يوحي بأنّ إسرائيل خلصت إلى أنّ منطقة جنوب اللِّيطاني لم تعد تُشكّل تهديدًا بالغًا لمناطقها الشّماليّة، وأنّ بالإمكان استبدال حضور النُّخبة بترتيبات أدنى مستوى. غير أنّ هذا الاستنتاج يتعارض مع ما يروّجه الوسطان العسكريّ والسّياسيّ في إسرائيل عن عدم اقتناعهما بإعلان الحكومة اللّبنانيّة إنجاز مرحلة جنوب اللِّيطاني بالكامل، ما يُعيد طرح سؤالٍ عمليّ: أيّ قواعد اشتباك ستُدير عمل إسرائيل شمال اللِّيطاني في المرحلة المُقبلة، وأيّ سقفٍ سيُضبط به توسيع النّار جغرافيًّا.
وتتقاطع الحسابات الأمنيّة الإسرائيليّة في الجنوب مع اقتراب استحقاق نهاية مهمّة "اليونيفيل"، علمًا أنّ لا دور لهذه القوّات شمال اللِّيطاني وفق القرار 1701. ويبدو أنّ إلغاء "حضانة" النّاقورة لاجتماعات "الميكانيزم" ليس تفصيلًا تقنيًّا، بل إشارة إلى تحضير صيغٍ أمنيّة جديدة للتّعاطي مع الجنوب، قد تتدرّج من تعديل قواعد التّنسيق، إلى طرح قوّة بديلة، أطلسيّة أو متعدّدة الجنسيّات، توازيًا مع محاولة تطوير الطّابع الدّبلوماسيّ والاقتصاديّ لمسار التّفاوض مع لبنان.
وفي أيّ حال، سيكون من أهداف إسرائيل الأساسيّة في هذه المرحلة رصد ردّات الفعل التي قد يُبادر إليها حزب الله ميدانيًّا، إذا اندلعت مواجهةٌ محتملة مع إيران، أيّ إنّ الجنوب قد يتحوّل إلى ساحة اختبارٍ للردع، لا إلى ساحة انسحاب.
وعلى خطّ "الميكانيزم"، وبموازاة تجميد اجتماعاته خلال كانون الثّاني وإرجائها إلى شباط، صعّدت إسرائيل اعتداءاتها ووسّعت بنك أهدافها باتّجاه شمال نهر اللِّيطاني، في نمطٍ يُقرأ كضغطٍ بالنّار على الدّولة اللّبنانيّة كلّما تقدّمت سياسيًّا أو أمنيًّا خطوةً في ملفّ "حصريّة السّلاح". ووسط غياب توضيحٍ رسميّ لبنانيّ أو أميركيّ لأسباب التّجميد، تتقاطع المعطيات على أنّ التّأجيل مرتبطٌ بغياب الجنرال الأميركيّ المعنيّ خارج لبنان، وبمرحلةٍ انتقاليّة داخل التّمثيل الأميركيّ بعد إعفاء مورغان أورتاغوس، بانتظار تسمية ممثّلٍ مدنيّ، فيما تُتداول مقاربة إسرائيليّة تميل إلى حصر الرّعاية بواشنطن وإبعاد أطرافٍ أخرى، بينها فرنسا والأمم المتّحدة، بما يفتح نقاشًا حول تغيير قواعد اللّعبة، لا مجرّد تعليق جلسة.
داخليًّا، استمرّت مفاعيل كلام رئيس الجمهوريّة جوزاف عون عن تكريس "حصريّة السّلاح" جنوب اللِّيطاني، والانتقال لاحقًا إلى استكمال الخُطّة شمالًا. وفي هذا السّياق برزت مواقف الدّبلوماسيّ سيمون كرم، الذي عيّنته بيروت ممثّلًا مدنيًّا لها في لجنة مراقبة وقف إطلاق النّار بين لبنان وإسرائيل، "الميكانيزم"، إذ نقل أنّ ما تطالب به إسرائيل "شديد القسوة" ولا يمكن للبنان قبوله، بعد عرقلة انعقاد اجتماعٍ كان مرتقبًا في 14 كانون الثّاني، ومع تخوّف لبنان من محاولة تل أبيب إلغاء اللّجنة نهائيًّا. وعبر هذه المقاربة عاد سؤالان إلى الطّاولة: ما البديل إذا تعطّل "الميكانيزم" أو جرى تفريغه من وظيفته الأمنيّة، وهل يُراد نقل الملفّ إلى قناة تواصلٍ مباشرة "ما فوق عسكريّة" برعايةٍ أميركيّة حصرًا. كما أشار كرم إلى أنّ لبنان شعر بالارتياب من سلوك الأطراف المعنيّة بعد الاجتماع الأخير، خصوصًا بعد رفض إسرائيل إصدار بيانٍ يُثني على ما حقّقه الجيش اللّبنانيّ في المرحلة الأولى من نزع سلاح حزب الله جنوب اللِّيطاني، فيما أصدر بنيامين نتنياهو بيانًا تضمّن انتقادات للجيش وللدّولة اللّبنانيّة.
أمنيًّا، عُقد قبل ظهر اليوم في مبنى قيادة الجيش في اليرزة اجتماع لجنة الإشراف العُليا على برنامج المساعدات لحماية الحدود البرّيّة، بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، والسّفير الأميركيّ ميشال عيسى، والسّفير البريطانيّ Hamish Cowell، والسّفير الكنديّ Gregory Galligan، وممثّلين عن فريق العمل المشترك اللّبنانيّ، البريطانيّ، الأميركيّ، وفريق التّدريب الكنديّ (CTAT). وعُرضت المراحل المنفَّذة والخطوات المُقبلة لتلبية حاجات الوحدات المكلّفة ضبط الحدود الشّماليّة والشرقيّة، ومكافحة التّهريب والتّسلّل غير الشّرعيّ، وسط تحدّيات التطوّرات الرّاهنة. وخرج الاجتماع بموقفٍ واضح لقائد الجيش إذ أكّد أنّ "التزامنا حماية الحدود التزامٌ نهائيّ"، رابطًا فعاليّة هذا الهدف بالحاجة إلى "دعمٍ عسكريّ نوعيّ" يتناسب مع حجم التحدّيات.
سياسيًّا، عاد ملفّ الانتخابات إلى الواجهة. فقد نقل نائب رئيس مجلس النّواب إلياس بو صعب عن الرّئيس نبيه برّي حسمه بأنّ "الانتخابات في أوّل أيّار بموعدها وفق القانون الحاليّ"، محذّرًا من أنّ فتح المهل أو إدخال تعديلاتٍ واسعة قد يتحوّل إلى بوّابة تأجيل. وفي المواقف العلنيّة شدّد برّي على أنّ الانتخابات "في موعدها" وتتّجه إلى أيّار وفق القانون الحاليّ، فيما أكّد الرّئيس عون، أمام السّلك القنصليّ، أنّ الانتخابات النيابيّة "يجب أن تُجرى في وقتها" لأنّها استحقاقٌ دستوريٌّ يُعزّز المصداقيّة، ويُقرأ كجزءٍ من سلّة الإصلاحات، لا كعنوانٍ قابلٍ للتّأجيل. في وقتٍ تتحدّث فيه المعطيات عن لقاءٍ مرتقب في بعبدا بين عون وبرّي سيكون بند الانتخابات فيها أساسيًّا.
برّي إلى بعبدا.. لمواجهة مرحلة إسرائيلية جديدة من التصعيد
مانشيت - المدنالأربعاء 2026/01/21

ما البديل إذا تعطل "الميكانيزم" أو جرى تفريغه من وظيفته الأمنية (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر