بتأكيد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون مجدداً على حصرية السلاح بيد الدولة، والإعلان عن سيطرة الجيش اللبناني عملانياً على منطقة جنوب الليطاني، يكون قد حدد المسار العام الذي لن يحيد عنه، وكان قد لاقاه فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي صرح بأنه يدعم خطاب القسم وحصرية السلاح ووضع القرار بيد الدولة. بذلك يقفل أركان الدولة الباب على أي التباسات تتصل بملف السلاح، في مقابل إصرار حزب الله على سرديته، بأن "السّلاح لا يمسّ"، وأن النقاش الفعلي بالنسبة إليه هو الاستراتيجية الدفاعية وما بعد تطبيق إسرائيل لاتفاق 27 تشرين 2024. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن اسرائيل تتعاطى مع ذلك الاتفاق على أنه لم يعد موجوداً، كما أنها تتجاوز القرار 1701، وتسعى إلى فرض وقائع جديدة، وهو ما ينعكس على آلية عمل لجنة الميكانيزم التي لا تزال معلّقة، وسط تساؤلات لبنانية عن سبب عدم تفعيلها أو فعاليتها. في السياق، تبرز معطيات خارجية كثيرة عن بحث في تغيير آلية عمل الميكانيزم أو فتح قنوات أخرى للتفاوض.
وفي السياق، تقول مصادر متابعة لـ"المدن" إن أفكاراً كثيرة يتم بحثها حول كيفية التفاوض، وسط معلومات تشير إلى حصر الميكانيزم بالاجتماعات العسكرية فقط، مع جعلها ثلاثية، وإخراج فرنسا والأمم المتحدة منها، وأن تصبح اللجنة مخصصة للبحث في مسار سحب السلاح شمال الليطاني، إضافة إلى ترتيب الوضع الميداني، في موازاة فتح مسار آخر للتفاوض السياسي والديبلوماسي حول البحث في ملفات عديدة، من بينها ترسيم الحدود، والانسحاب وما يسميه الاسرائيليون تعاوناً اقتصادياً.
كلام عون يحمل ردوداً على السردية الإسرائيلية، التي تشكك بالإنجازات التي حققها الجيش. فعندما قال أمام الدبلوماسيّين: "ما ترون، لا ما تسمعون"، يلمّح مباشرةً إلى الفارق بين خطاب الحزب وإصراره على التمسّك بالسّلاح، وبين ما يقول إنّه حاصلٌ على الأرض، وأنّ منطقة جنوب اللّيطاني أصبحت خالية من السّلاح غير الشّرعيّ، ومسار سحب مستمرّ، وقرار الدّولة، وفق رواية العهد، انتقل من التمنّي إلى التنفيذ.
المقصود برسائل عون لم يكن بحاجةٍ إلى كثير شرح. فحين يتحدّث رئيس الجمهوريّة بهذه النبرة أمام السّلك الدبلوماسيّ، هو لا يخاطب جمهورًا محلّيًّا فقط، بل يضع روايته في التداول الدّوليّ، حيث تقاس الدّول بقدرتها على فرض احتكار القوّة. مصادر مقرّبةٌ قرأت كلامه كإشارةٍ محسوبةٍ إلى "حزب الله" تحديدًا، من دون أن يسمّيه، لأنّ الفكرة الأساسيّة التي أراد عون تثبيتها هي أنّ الجنوب لم يعد مساحةً رماديّةً بين "الدّولة" و"اللادولة"، بل بات يدار "بقواه الذاتيّة حصرًا"، وفق العبارة التي يكرّرها العهد في أكثر من محطّة. هذا التوصيف، حتى لو قدّم كحقيقةٍ ميدانيّة، يحمل مضمونًا سياسيًّا صريحًا. فمرحلة شراء الوقت عبر ربط حصريّة السّلاح بحوارٍ طويلٍ حول "الاستراتيجيّة الدّفاعيّة" لم تعد ترفًا مقبولًا بنظر الرئاسة، أو على الأقلّ لم تعد الإطار الوحيد الذي يسمح له بإدارة الملف. كلام عون بحسب معلومات "المدن" أزعج حزب الله الذي اعتبر أن رئيس الجمهورية لا يزال مصراً على سقفه التصعيدي.
هذا المسار سيدفع سريعًا نحو محطّةٍ عمليّة، مع جلسة لمجلس الوزراء يفترض أن تسبق زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن بين 3 و5 شباط. في هذه الجلسة، سيقدّم هيكل تقريره الدّوريّ المتعلّق بالسّلاح، لكنّ الأهمّ أنّه سيضع على طاولة الحكومة سلّة مطالب مرتبطةً مباشرةً بقدرة المؤسّسة العسكريّة على الانتقال إلى شمال اللّيطاني وتنفيذ مهامّها هناك. المعادلة هنا مكشوفة. الدّولة تقول إنّها تريد احتكار السّلاح، والجيش يقول إنّه يحتاج إلى موارد وتجهيزاتٍ وقدراتٍ وتمويلٍ كي لا تتحوّل "حصريّة السّلاح" إلى شعارٍ بلا أدوات. لذلك علم أنّ هيكل سيحمل لوائح مفصّلةً باحتياجات المؤسّسة العسكريّة، ليس للاستهلاك المحلّيّ فقط، بل لعرضها أيضًا على الأميركيّين ضمن مسار دعمٍ يراد له أن يكون أكثر صلابةً، من "ثقةٍ سياسيّة" إلى معداتٍ وقدراتٍ وتدريبٍ وشروط اشتباكٍ واضحة.
أمّا الزيارة لواشنطن فهي واحدةٌ من حلقات إدارة ملفٍّ أكبر يجري تقسيمه إلى محطّات، واشنطن أوّلًا، ثمّ مؤتمر دعم الجيش في باريس في 5 آذار، مع حديثٍ عن اجتماعٍ تحضيريٍّ في الدوحة منتصف شباط لوضع اللّمسات النهائيّة وتوزيع الأدوار. والمفارقة أنّ العهد، وهو يرفع "الإنجاز" في الجنوب، يحتاج إلى تثبيت هذا الإنجاز سياسيًّا وماليًّا، لأنّ أيّ فراغٍ في الدّعم أو أيّ تباطؤٍ في عملية حصر السلاح سيعيد إنتاج الثغرات التي لطالما استخدمت كذريعة من نمط "الجيش غير قادرٍ وحده"، و"الدّولة غير قادرةٍ وحدها"، و"السّلاح الآخر" يبقى ضرورة. من هنا تبدو لوائح هيكل بمثابة "دفتر شروط" مضادّ، إذا كان المطلوب من لبنان أن يواصل مسار حصريّة السّلاح، فليكن الدّعم بمستوى المهمّة، لا بمستوى الخطابات.
وفي الوقت نفسه، تعود "الآليّة" إلى الواجهة لكن بصورةٍ مختلفةٍ عمّا يراد تسويقه. المؤشّرات تميل إلى أنّ لبنان سيكون أمام اجتماعٍ عسكريٍّ روتينيّ، لا اجتماعٍ سياسيّ، لأنّ الاجتماع السياسيّ بات معلّقًا لأسبابٍ متعدّدة، أبرزها عدم الاتفاق الأميركيّ على تسمية البديل عن المبعوثة مورغان أورتاغوس. وعمليًّا، تتقدّم البنية العسكريّة للاجتماعات بينما تتعطّل المظلّة السياسيّة.
في الدّاخل، يتقدم ملفّ الانتخابات مجدداً، حيث البحث بقانون الانتخاب مستمرّ، لكن من دون أيّ مؤشّراتٍ على مقاربةٍ جامعة، بل أقرب إلى مزاد اقتراحات. الأربعاء يتّجه إلياس بو صعب إلى رئيس مجلس النوّاب لبحث المشاريع المقدّمة في هذا الملف، وعددها 14 اقتراح قانون. كثرة المشاريع هنا لا تعني غنًى ديمقراطيًّا، بقدر ما تعكس رغبة قوىً عدّةٍ في وضع "ألغام" تشريعيّةٍ مبكّرةٍ على طريق الاستحقاق، كلّ طرفٍ يقدّم نصًّا ليحجز مكانه في المفاوضات، لا ليقرّ قانونًا. وفي بلدٍ يتقدّم فيه الأمن على السياسة، تصبح الانتخابات ساحةً إضافيّةً لإدارة موازين القوى، لا لإنتاج تمثيلٍ أفضل، وفي موازاة تأكيد الكتل المختلفة على إجراء الانتخابات في موعدها، فإن النقاش مستمر في الكواليس حول التمديد ومدته.
