الدعوة إلى "التعقّل" التي وجّهها رئيس الجمهورية جوزاف عون لحزب الله في إطلالته لمناسبة حلول الذكرى الأولى للعهد، علِقت في وجدان الحزب السياسي، إن لم يكن قد غدا أسيرها. وقد فُسّرت، وفق قاموس الحزب، على أنها أقرب إلى الذم، وشكّلت بما حملته من دلالات عامل ضغطٍ سلبياً على خطوط التواصل التقليدية بينه وبين قصر بعبدا.
وفقاً لمعطيات "المدن"، فإن حالة من الجمود، تلامس القطيعة، خيّمت على العلاقة بين رئاسة الجمهورية وقيادة حزب الله، علماً بأن أصدقاء مشتركين حاولوا ضخ المهدئات في عروق قنوات التواصل، من دون جدوى. فالمعنيّون في الحزب، الذين كانوا يتولّون تقليدياً الإشراف على التواصل مع القصر الجمهوري، انكفأوا تدريجياً، ولا سيما بعد المواقف العالية السقف التي أطلقها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. أما من بقي على خط التواصل، فلا يرتقي حضوره إلى مستوى "فكّ اللحام"، بل يقتصر دوره على محاولات محدودة لـ"ربط النزاع"، خشية انفجار العلاقة ووصولها إلى قطيعة كاملة، بعدما بدأت موجات الخلاف تتسرّب إلى الشارع.
استخدم الرئيس مصطلحاً فتح أبواب التأويلات على مصراعيها، فاستُغلّ خطابه في محاولة لخلق شرخ، مع التشديد على أن مسألة حصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية باتت، بالنسبة إليه، مبدأً يعلو ولا يُعلى عليه.
القراءة السائدة لدى مختلف الأطراف تميل إلى تقديم مواقف عون على أنها ذات مضمون مخصّص للاستثمار الخارجي، في إطار محاولة ضبط العلاقة غير السويّة، كما يصفها هؤلاء، مع الولايات المتحدة، في وقت لا يزال فيه قصر بعبدا ينتظر دعوة رسمية من البيت الأبيض.
ومن هذا المنظار، يرى متابعون أن مواقف عون أتت إيجابية على مستوى إعادة ترتيب العلاقة عبر بوابة قيادة الجيش، حيث أُعيد تحديد موعد زيارة قائده العماد رودولف هيكل إلى واشنطن الشهر المقبل. لكنها في المقابل أرخت عن لغة تخاطب "خشبية"، وفق توصيف الحزب، وكان طبيعياً أن يذهب إلى الموقع ذاته، بعقلية قيادة تحكمها اليوم حساسية مفرطة تجاه طبيعة التعاطي الرسمي معها، في ظل شعورها بتخلّي الدولة عن أبسط مقومات حماية المكوّن الذي يمثله سياسياً "الثنائي". من هنا، وُلدت مواقف الشيخ نعيم قاسم على الوزن نفسه الذي أطلقه رئيس الجمهورية، ومن دون مداراة أو مسايرة أو مراعاة، وصولاً إلى الرد المباشر، وتذكير الرئيس بـ"حكمة المقاومة" التي ما تزال تحرص على عدم إحراجه، من خلال الامتناع عن كشف بنود اتفاق جانبي سبق عهده. وهو موقف محفوظ عملياً لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي رعى ذلك الاتفاق/التفاهم حينذاك، وبات اليوم، مع اتساع الشرخ بين الحزب والقصر، يُبدي انزعاجاً لا يزال مكتوماً من تصرّفات رئيس الجمهورية وفريقه، ولا سيما في المرحلة الأخيرة، إلى حدّ أن العلاقة "الممتازة" التي يحرص بري على توصيفها باتت محصورة بالتواصل الرسمي وتبادل الرسائل، من دون أن تبلغ مستوى الزيارات المتبادلة التي اعتاد عليها رئيس المجلس بشكل شبه شهري.
زيارة واشنطن ومصير الـ"ميكانيزم"
لعبت المملكة العربية السعودية دوراً أساسياً في الدفع لحجز موعد لقائد الجيش العماد رودولف هيكل في واشنطن، على خلفية الاجتماعات التي عقدها المسؤول في الديوان الملكي السعودي يزيد بن فرحان في بيروت، والتي شكّلت الحلقة الأولى التي قادت الرياض إلى التوسّط لدى واشنطن تحت عنوان إفساح المجال أمام قيادة الجيش لشرح ما لديها من معطيات حول انتهاء المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح. إلا أن اللافت أن زيارة هيكل، المقرّرة خلال الشهر المقبل، ستقتصر على يومين فقط، في سابقة لافتة، إذ اعتاد قادة الجيش اللبناني سابقاً تمضية ما لا يقل عن أسبوع في واشنطن، يتخلله جدول اجتماعات موسّع.
عمليًا، اختارت واشنطن تثبيت الموعد بناءً على وعود أُرسلت من لبنان، مفادها أن قيادة الجيش ستزوّد الولايات المتحدة بخرائط وتقارير شاملة حول نتائج خطة حصر السلاح في مرحلتها الأولى، التي شملت جنوب الليطاني، والتي أعلنت الدولة انتهاءها، على أن تتضمّن هذه التقارير تفاصيل المهام والإجراءات والمصادرات التي وثّقها الجيش، في سياق التأكيد أن المؤسسة العسكرية، ومن خلفها الحكومة، تطبّق قرارات حصر السلاح بحذافيرها.
غير أن ذلك لا يضمن اقتناع واشنطن بما سيقدّمه الجيش، خصوصاً أن الولايات المتحدة باتت تربط مستقبل "الميكانيزم"، في شقّه العسكري، بأداء المؤسسة العسكرية وقرارات مجلس الوزراء، سواء تلك التي سيعرضها قائد الجيش أمامها، أو التقرير المنتظر عرضه أمام الحكومة خلال شباط المقبل، تمهيداً لإطلاق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح شمال الليطاني.
وتكاد المقاربة ذاتها تنسحب على ملف "الميكانيزم" العالق في أتون القرار الأميركي بتجميد اجتماعاته، بشقّيها العسكري والمدني، إلى أجل غير مسمّى. فبدلاً من استغلال هذه الفترة للعمل على تقوية الموقف اللبناني، تلجأ الدولة، عبر بعض القنوات، إلى الاستفهام عن أسباب توقّف الآلية والدعوة إلى إعادة إطلاقها بأي ثمن، وكأنها آلية ثبتت جدواها كعنصر حماية، رغم علمها المسبق بأن الثمن سيكون على حساب صورة الدولة ومواقفها.
هي مرحلة يبدو مستقبلها غامضاً، في ظل قرار حزب الله الامتناع عن التعاون الميداني، ومخاوف الجيش من تداعيات أهلية ومحلية قد يواجهها على الأرض. وهي مخاطر سبق للمؤسسة العسكرية أن طلبت تجنّبها عبر توفير غطاء سياسي واضح، لا يمكن تأمينه إلا من خلال توافق داخلي يبدو غير مضمون في هذه المرحلة. حتى إن الأفكار المتداولة، التي تقوم على فتح ثغرة بين ضفتي شمال الليطاني باتجاه قضاء النبطية بالتفاهم مع "الثنائي"، تبقى رهينة التعقيدات القائمة، من دون أي ضمانات فعلية بإمكانية الوصول إليها، في ضوء مواقف رئيس الجمهورية الأخيرة.
