الاعتراض على تعيين القزي يتفاعل: السلطة وضعت نفسها في مأزق

لارا الهاشمالثلاثاء 2026/01/20
Image-1768817001
البيطار سبق وادعى على القزي بجرم الإهمال الوظيفي(مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ انطلاق عجلة التعيينات في عهد الحكومة الحالية، لم يترك أي تعيين صدمة بقدر ما فعلت تسمية غراسيا القزي على رأس المديرية العامة للجمارك. فبالنسبة لخبراء قانونيين وقضاة، لا تكفي قرينة البراءة لتبرير ترقية موظف ملاحق بملفات قضائية. بحسب هؤلاء، على الموظفين العموميين أن يتمتعوا بالنزاهة والاستحقاق من دون أدنى شك وان يكونوا مثالاً في هذا المجال، في موازاة ضرورة احترام مجلس الوزراء لإجراءات القضاء لا للتأثير عليه ولو بشكل غير مباشر. 

 

تعيين من دون معايير

منذ تشكيلها تعهّدت الحكومة باعتماد آلية محدّدة للتعيينات تقوم على الإعلان عن الوظيفة وتلقي السير الذاتية وتقييمها وإجراء مقابلات وصولاً إلى ترشيح بعض الأسماء لاختيار الأنسب. لكن هذا المسار لم يسلك طريقه إذ تقول بعض المصادر إن الآلية لا تسري على بعض الوظائف التي لها خصوصية في التعيين مثل الجمارك، وإنما أقرّت سلة متكاملة قضت بتعيين أعضاء المجلس الأعلى للجمارك وهم العميد مصباح خليل رئيساً ولؤي الحاج شحادة وشربل خليل في العضوية إضافة إلى تعيين القزي مديرة عامة للجمارك الذي أحدث موجة غضب عارمة كون مسيرتها الوظيفية تحمل أكثر من علامة استفهام.

إسم غراسيا القزي أتى من رئيس الجمهورية بحسب مصادر وزارية بناء على اقتراح وزير المال بصفته الوزير المختص، وبموافقة غالبية أعضاء الحكومة، باستثناء الوزيرة تمارة الزين التي سألت عن المعايير المعتمدة وعما إذا كانت ثابتة، والوزير عادل نصار الذي تحفّظ على تعيين القزي لعدم ملاءمته مع الادعاء عليها في جريمة المرفأ ، بمعزل عن احترامه لقرينة البراءة التي تمسّك بها رئيس الحكومة لاحقاً لتبرير التعيين.

لكن بأي حال فإن التعيين مرّ من دون أي معارضة شرسة، حتى أن مصادر وزارية استغربت سكوت أحد وزراء القوات الذي يقف عادة رأس حربة في السؤال عن معايير التعيين. في هذا الإطار تعتبر مصادر وزارية أن التعيين شكل تقاطعاً بين رئيس الجمهورية والقوات التي كانت قزي محسوبة عليها، بعد أن كانت القوات متمسكة بتعيين شربل خليل على رأس المديرية. في النهاية قضى المخرج بتعيين شربل خليل عضواً في المجلس الأعلى للجمارك والقزي مديرة عامة للجمارك. 

لكن عندما تسأل أكثر من جهة في الحكومة عن سبب التمسك بقزي لا يأتيك جواب شافٍ وإنما فقط الافتراض بأنه لربّما تم التوصل إلى هذه التخريجة لبت ملف تعيينات الجمارك المجمّد منذ فترة بفعل التباينات بشكل أساسي عند هذا المنصب. أما عن سبب تجاوز الآلية فتقول مصادر حكومية إن القزي هي من قلبِ إدارة الجمارك كونها كانت مراقباً أساسياً في الإدارة وبالتالي فإن وضعيتها الإدارية تسمح باعتماد الاستثناء أسوة بتعيينات أخرى سبقت.

 

إلغاء التعيين ممكن؟  

مع ارتفاع النقمة الشعبية والقانونية على التعيين، ارتفعت مطالبة نيابية بالعودة عن القرار وإلغاء التعيين، كان أبرزها من نواب مقرّبين من رئيس الحكومة. فالنائب مارك ضو طالب الرئيس نواف سلام بوضع بند إلغاء مرسوم التعيين على جدول أعمال مجلس الوزراء "ليرى حينها الرأي العام من هو المدافع عن المتهمة". بدورها النائب بولا يعقوبيان طالبت الحكومة بالتراجع فوراً عن تعيين غراسيا القزي لأن القرار يشكل استفزازاً مباشراً لحرمة شهداء المرفأ، أما النائب ميشال الدويهي فكتب أن التراجع عن الغلطة يسجّل للسلطة التنفيذية إذا حصل، تماما كما رأى النائب فؤاد مخزومي أن التراجع عن الخطأ فضيلة. لكن هل أن الرجوع عن التعيين متاح دستورياً وقانونياً؟

تقول مصادر قانونية لـ"المدن" إنه منذ اتفاق الطائف بات لقرار مجلس الوزراء صفة التنفيذ حتى قبل صدور المرسوم، وبالتالي فان تعيين القزي بات نافذاً منذ صدور القرار، وإلغاءه يتم بقرار كون السلطة التي عينت هي صاحبة الصلاحية بالإلغاء، إنما ضمن شروط.

 لكن بما أن التعيين ليس مشوباً بأخطاء قانونية خصوصاً أن قزي ليست محكومة، فمن المحتمل أن تطعن الأخيرة بقرار الإلغاء إذا حصل أمام مجلس شورى الدولة، بحيث من المرجح أن يُقبل الطعن استناداً إلى اجتهادات وقرارات سابقة. وعليه ترى هذه المصادر أن السلطة السياسية وضعت نفسها في مأزق سيكون الخروج منه صعباً، في حين كان يفترض بها التمسك بالأخلاقيات التي توجب عدم ترقية شخصية ملاحقة ليس فقط في قضية المرفأ وإنما أيضاً بقضايا فساد.

 

المديرة العامة للجمارك ملاحقة جزائياً 

مع إعادة استئناف التحقيقات في انفجار المرفأ، برز اسم غراسيا القزي من ضمن المدعى عليهم الذين استمع إليهم المحقق العدلي القاضي طارق البيطار الذي سبق وادعى على القزي بجرم الإهمال الوظيفي عندما كانت عضواً في المجلس الأعلى للجمارك. 

هذا الادعاء كان سبباً في تحريك أهالي ضحايا وشهداء المرفأ الذين اعتصموا أمام مبنى الجمارك في المرفأ، ولما لم تكن المديرة العامة موجودة توعّدوا بـ"زيارتها" مجدّداً. في الموازاة تؤكد مصادر قضائية لـ"المدن" أن التعيين لن يؤثر على نتائج التحقيقات أو يعيق إصدار أي قرار في القضية. 

لكن ما لم يكن يتذكره كثيرون هو الادعاء الصادر بحق القزي من قبل النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون بجرائم تبييض الأموال واستغلال الوظيفة وصرف النفوذ. القضية انطلقت من قيام مخلص جمركي ملاحق بمخالفات عدة ببيع القزي عقاراً في قرنة شهوان بأقل من سعره بمرتين، إذ اشترته القزي بمبلغ 158 ألف دولار في حين أن سعره الحقيقي هو 465 ألف دولار تقريباً بحسب التقرير الذي أرسلته القاضية عون إلى التفتيش المركزي، استناداً إلى رأي خبراء، كما أشارت إلى شبهة تبييض أموال كون دفع ثمن الأرض تمّ نقداً لا بموجب شيكات أو حوالات مصرفية.  من جهة ثانية طلبت القاضية عون من هيئة التحقيق الخاصة رفع السرية المصرفية عن حسابات القزي فتبين امتلاكها أموالاً وعقارات خارج لبنان لا تتناسب وقيمة دخلها. بناء عليه ادعت عون على قزي أمام قاضي التحقيق في جبل لبنان نقولا منصور طالبة منه إيقافها عن العمل. لكن وخلافاً لكل ما ورد، واصلت الأخيرة مزاولة مهامها من دون اتخاذ أي إجراء بحقها وبقي الملف القضائي محفوظاً في أدراج قصر عدل بعبدا منذ العام 2019. 

إنه تقصير أو إهمال أو تواطؤ، يوازي بحد ذاته فضيحة التعيين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث