يمكن قراءة التصعيد الأخير على الساحل الجنوبي لليمن، ولا سيما في حضرموت والمهرة، لا بوصفه خلافًا محليًا على موانئ أو صراعًا بين قوى يمنية متنافسة، بل باعتباره إشارة أوضح إلى تحوّل أعمق في التفكير السعودي. فالمملكة، التي أمضت سنوات في إدارة التوازنات وتخفيض الكلفة، تبدو اليوم مقتنعة بأن لحظة إعادة تشكيل نظام إقليمي تقوده قد حانت، وأن الاكتفاء بدور المنظّم أو الوسيط لم يعد كافيًا لحماية مصالحها الحيوية.
في هذا السياق، لا تبدو إفادة مسؤول سعودي لوكالة فرانس برس، حول نجاح السعودية وقطر وعُمان في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنح إيران فرصة وعدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، تفصيلًا جانبيًا. بل تعكس منطقًا جديدًا في إدارة الإقليم: التحرك عبر بناء تفاهمات واسعة وضبط مسارات التصعيد، لا الاكتفاء بردّ الفعل أو إدارة الأزمات بالحد الأدنى. اليمن، وتحديدًا شرقه وجنوبه، تحوّل إلى المختبر الأكثر حساسية لهذا التحوّل.
التحوّلات في الأداء السعودي: من صدمة التغيير إلى ضبط النظام
خلال العقد الأخير، مرّ الدور السعودي بثلاث مراحل متمايزة في الأداء والخيارات.
المرحلة الأولى كانت اندفاعية بامتياز، اتسمت بمحاولة فرض السيطرة الداخلية وإعادة هندسة مراكز القرار بسرعة وقسوة. انطلقت هذه المرحلة من قناعة بأن حسم الداخل شرط للإمساك بالمجتمع وإطلاق رؤية تحديثية واسعة تستقطب الشارع، ولا سيما الشباب من ذكور وإناث. ترافقت هذه المقاربة مع انخراط إقليمي حاد، أبرزُه حرب اليمن، بكلفة سياسية وإعلامية مرتفعة، ولكن ضمن شراكة وثيقة مع أبو ظبي التي امتلكت آنذاك خبرة شبكية وعلاقات واسعة.
المرحلة الثانية بدأت فعليًا بعد عام 2018، حين دخلت السعودية طور الحذر والانكفاء النسبي. هنا تراجع منسوب المبادرة الخارجية، وحلّ محلّه سلوك أقرب إلى تحصين الوضع القائم: تخفيض التوتر مع القوى الكبرى، تجنّب الصدامات المفتوحة، وضبط الإيقاع الإقليمي، مع إعطاء الأولوية لترميم صورة المملكة دوليًا وحماية مسار التحوّل الاقتصادي الداخلي. لم يكن هذا تراجعًا استراتيجيًا بقدر ما كان إعادة تموضع تحت ضغط كثيف. وجاء الاعتداء على مؤسسات أرامكو في ايلول 2019 ليزيد الحذر ويعزز الانكفاء والشروع في صياغة علاقات اقليمية ودولية بشكل مختلف.
أما اليوم، فتتبلور مرحلة ثالثة متميزة بالعودة إلى سياسة خارجية نشطة، لكن بأدوات أكثر انضباطًا وبراغماتية. لم تعد المبادرة قائمة على الصدمة أو ردّ الفعل، بل على نظرية أوضح للنظام الإقليمي، قوامها الاستقرار، ورفض مشاريع التفكيك، وتقليص هامش الفوضى المُدارة. في هذه المرحلة، تسعى المملكة إلى لعب دور مركزي، لا بوصفها قوة صدام، بل كقوة توازن أقل تسامحًا مع العبث الجيوسياسي وأكثر استعدادًا لرسم خطوط حمراء حين تمسّ مصالح الاقليم الحيوية.
من ضبط الداخل إلى هندسة الإقليم: لماذا دعم أحمد الشرع ليس تفصيلًا
يتجلّى هذا التحوّل بوضوح في المقاربة السعودية للملف السوري، ولا سيما في قرار دعم مسار الرئيس أحمد الشرع، رغم التحفّظات الكثيرة التي أبدتها عواصم إقليمية وازنة، وفي مقدّمها أبو ظبي والقاهرة. هذا الدعم لا يمكن فهمه بوصفه رهانًا على شخص أو نظام بعينه، بل باعتباره تعبيرًا صريحًا عن منطق الدولة في مواجهة منطق الفوضى.
بالنسبة للرياض، لم يعد السؤال: هل النظام السوري مثالي أو منسجم مع التفضيلات الخليجية؟ بل: هل البديل عن الدولة المركزية القائمة هو فراغ مفتوح، أو تعدّد سلطات، أو شبكات نفوذ عابرة للحدود تُعيد إنتاج التفكك؟ من هذا المنظور، فضّلت السعودية التعامل مع سلطة مركزية قابلة لإعادة الضبط، ولو بحدّها الأدنى، على استمرار سيولة سياسية وأمنية تُدار بالوكالة.
هنا يظهر الفرق الجوهري بين إدارة الداخل وقيادة الإقليم. إدارة الداخل تسمح بالمخاطرة العالية وبمنطق الصدمة لتسريع التغيير. أما قيادة الإقليم فتفترض العكس: تقليل المفاجآت، تثبيت الكيانات، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة، حتى لو كانت هذه الدولة ناقصة أو مثقلة بالإشكالات. دعم أحمد الشرع يندرج في هذا السياق: ليس تبنّيًا كاملًا، بل استثمارًا في الاستقرار النسبي كشرط لأي إعادة ترتيب إقليمي.
بهذا المعنى، يتكامل الموقف السعودي في سوريا مع سلوكه في حضرموت والمهرة. في الحالتين، ترفض الرياض منطق الكيانات الموازية، وتعمل على تحصين الجغرافيا السياسية ضد مشاريع التفكيك، حتى لو تطلّب ذلك قرارات خلافية مع دول صديقة او شقيقة
من تنافس اقتصادي إلى صراع على شكل النظام
لم يعد التنافس السعودي- الإماراتي مقتصرًا على سباق المراكز الاقتصادية أو الموانئ والخدمات اللوجستية. في القراءة السعودية، تحوّل السلوك الإقليمي لأبو ظبي إلى نمط يقوم على تطويق الدول عبر شبكات بديلة: وكلاء محليون، كيانات شبه مستقلة، نفوذ يُدار باللوجستيات والتمويل القابل للإنكار، لا عبر ترتيبات دولة إلى دولة. هذا النمط تكرّر في السودان وليبيا واليمن، وامتد إلى القرن الأفريقي، وصولًا إلى الصومال وأرض الصومال.
هذا النموذج قد يكون مرنًا وسريعًا، لكنه يُنتج تفككًا دائمًا، ويخلق فاعلين محليين تصبح مصلحتهم البنيوية في استمرار الانقسام لا في إعادة بناء الدولة أو توحيد الأرض والموارد. من هنا، لا ترى الرياض في هذا السلوك مجرد منافسة نفوذ، بل تهديدًا مباشرًا لفكرة النظام الإقليمي القائم على الدول.
في المقابل، تقوم الثقافة الاستراتيجية السعودية على منطق معاكس: الدولة هي الإطار، السيادة هي الأساس، ووحدة الأرض شرط للاستقرار. قد تبدو الأدوات أقل رشاقة، لكنها أعمق أثرًا حين تُحشد. وما جرى في جنوب اليمن لا يُقرأ في هذا السياق كاندفاع، بل كمحاولة منضبطة لتفكيك مشروع ترى الرياض أنه يقيّد حريتها الاستراتيجية، برًا وبحرًا.
حضرموت: حدود طويلة وخطر ديمغرافي مؤجّل
تكتسب حضرموت مكانتها المركزية لأنها ليست مجرد محافظة يمنية واسعة، بل تشكّل وحدها قرابة سبعمئة كيلومتر من الحدود السعودية- اليمنية. أي تحوّل أمني أو سياسي فيها لا يبقى شأنًا يمنيًا داخليًا، بل يتحول تلقائيًا إلى مسألة أمن قومي سعودي. هذه المساحات المفتوحة، منخفضة الكثافة السكانية، والبعيدة تاريخيًا عن النفوذ الحوثي، تمثل آخر حاجز بري واسع قبل العمق السعودي.
الأخطر من الجغرافيا هو البعد الديمغرافي. فمشاريع تقسيم اليمن، إذا ما ترسّخت، ستنتج شمالًا كثيف السكان خاضعًا لسلطة الحوثيين، أي كتلة ديمغرافية–سياسية ذات غالبية شيعية على امتداد الحدود الجنوبية للمملكة، في مقابل جنوب أقل كثافة، سنّي بغالبيته، لكنه هشّ ومفتوح على التفكك. من هذا المنظور، لا ترى الرياض في التقسيم حلًا، بل نقلًا للأزمة إلى خاصرتها المباشرة وترسيخًا لاختلال طويل الأمد.
المهرة: كسر الطوق البحري وتحرير القرار
أما المهرة، فتشكّل البعد الاستراتيجي الأخطر في الحسابات السعودية. فهي نافذة اليمن على بحر العرب والمحيط الهندي، أي خارج مضيقي هرمز وباب المندب معًا. في الوعي الاستراتيجي للرياض، لا تُقرأ المهرة كمنطقة هامشية، بل كإمكانية كبرى لكسر أي طوق بحري محتمل. حتى لو لم يُنفّذ مشروع الأنبوب النفطي عبرها، فإن إبقاء هذا الخيار قائمًا بحدّ ذاته يمنح المملكة هامش مناورة حيويًا في أي مواجهة إقليمية.
لذلك، فإن أي تمدد غير منضبط في المهرة يُقرأ بوصفه تهديدًا مباشرًا لحرية القرار الاستراتيجي، لا مجرد تنافس نفوذ على أطراف دولة ضعيفة. هنا، تنتهي مرونة الوكلاء وتبدأ صلابة الدولة.
ما بعد الهيدروكربونات: الجغرافيا بمعناها الجديد
لا يمكن فهم حساسية حضرموت والمهرة من دون ربطهما بصراع ما بعد النفط. فالجغرافيا لم تعد تُقاس بآبار الطاقة وحدها، بل بقدرتها على الربط: الممرات البرية والبحرية، الموانئ العميقة، الكابلات، وخطوط البيانات والطاقة التي ستربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. حضرموت والمهرة تتحولان، في هذا المنطق، من أطراف يمنية مهمّشة إلى عقدة وصل محتملة في شبكات المستقبل.
من هنا، يصبح الصراع عليهما جزءًا من معركة أوسع على مفاتيح البنية التحتية التي ستحدّد من يقود الإقليم حين تتغيّر مصادر القيمة الاقتصادية بين 2035 و2040.
بداية القصة لا نهايتها
ما جرى في حضرموت والمهرة ليس ذروة التصعيد، بل بدايته. السعودية رسمت خطوطًا حمراء واضحة حين لامست التطورات حدودها وممراتها الحيوية، لكنها بذلك فتحت سؤالًا أكبر: هل تستطيع تحويل الردع إلى تسوية، والقوة إلى هندسة سياسية تُغري الفاعلين المحليين بالاندماج لا بالانفصال؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتجاوز اليمن. ففي الحلقة المقبلة، ننتقل من الجغرافيا إلى الاقتصاد والسياسة، ومن اليمن إلى الإقليم بأسره، لنطرح السؤال الأوسع: من يقود الإقليم في مرحلة ما بعد النفط، وكيف يُعاد رسم هذا الدور في ظل تلاقي الإمارات وإسرائيل، وتحولات إيران الحتمية وحضور تركيا ومصر؟
