ليسَ السُّؤالُ اليومَ ما إذا كانَ لبنانُ يحتاجُ إلى ديناميَّةٍ عربيَّةٍ–دوليَّةٍ لإنقاذِهِ، بل إلى أيِّ مدى تستطيعُ هذه الدّيناميَّةُ أن تضعَ حدًّا فعليًّا لتَمييعِ مسألتي السّيادةِ والإصلاحِ، بعدما تحوَّلَتا، في التّجربةِ اللّبنانيَّةِ، إلى عناوينَ مُستهلكةٍ تفتقِد إلى ترجمةٍ مؤسَّساتيَّةٍ مُلزِمةٍ فاعلة.
الخطرُ الحقيقيّ لا يكمنُ في غيابِ المبادراتِ الخارجيَّةِ، بل في محاولة تفريغِها من مضمونِها، وتحويلِها إلى مظلَّةِ إدارةِ أزمةٍ مزمنةٍ، بدلَ أن تكونَ رافعةَ تحوُّلٍ بنيويٍّ، تعيدُ تصويبَ مسارِ الدَّولةِ في هيكليَّة دورها صونًا للدُّستور وللعقدِ الاجتماعيّ الذي يُمثّله.
تُظهِرُ قراءةُ تجربتَي مجموعةِ الدّعمِ الدُّوليَّةِ الخاصَّةِ بلبنانَ عامَ 2012 والخماسيَّةِ الدُّوليَّةِ عامَ 2023 مسارًا واحدًا متكرّرًا. إجماعٌ خارجيٌّ واضحٌ على تشخيصِ المأزقِ اللّبنانيّ، يقابِلُهُ عجزٌ داخليٌّ مُنظَّمٌ عن الالتزامِ المتكامِل بأيِّ مسارِ إصلاحٍ سياديٍّ وسيادة إصلاحيّة قابلٍ للاستمرارِ. ففي التّجربتَينِ، لم يكنِ الخللُ في المقاربةِ العربيّة-الدُّوليَّةُ بحدِّ ذاتِها، بل في الرّهانِ المستمرِّ على منظومةٍ حاكمةٍ أثبتت، بالوقائعِ لا بالشُّعاراتِ، أنّها غيرُ معنيَّةٍ بإعادةِ بناءِ الدَّولةِ، بل بإعادةِ إنتاجِ نفسِها تحتَ عناوينَ مُستجدَّةٍ وشروطٍ ملتبسةٍ. مع انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهوريَّة، وتشكيل القاضي د. نوَّاف سلام حكومة "الإصلاح والإنقاذ" بدأت مرحلة جديدة، رغم أنَّ هشاشةً ما زالت تحكم هذه المرحلة.
إنطلقتْ مجموعةُ الدّعمِ الدُّوليَّةِ عامَ 2012 في لحظةٍ إقليميَّةٍ-دوليّة دقيقةٍ، على وقعِ تداعياتِ الحربِ السُّوريَّةِ، بهدفِ تحصينِ الاستقرارِ في لبنان وتحييده عن وصولِ صراعاتٍ لا تنتهي، ودعمِ المؤسَّساتِ الشّرعيَّةِ، وتعزيزِ سيادةِ الدَّولةِ، غير أنّ هذه الأهدافِ، على أهمِّيَّتِها، إصطدمتْ سريعًا بواقعٍ سياسيٍّ قائمٍ على تعطيلِ المؤسَّساتِ، وتغليبِ منطقِ التّسوياتِ الهشَّةِ على منطقِ الحُكمِ الرّشيدِ، إلى إرتهانِ بعض القوى لمحاور هُنا وثمَّة، فغابتِ الآليّاتُ الإلزاميَّةُ، وتحوَّلَ الدّعمُ العربيّ-الدُّوليُّ إلى عنصرِ استقرارٍ شكليٍّ، يُدارُ عندَ الحاجةِ، لا إلى محرِّكِ ديناميّة عميقة تُعيدُ الانتظامَ إلى الدَّولةِ.
بعدَ أكثرَ من عقدٍ، جاءتِ الخماسيَّةُ العربيّة-الدُّوليَّةُ عامَ 2023 في سياقٍ أكثرَ خطورةً، بعدَ الانهيارِ الماليّ والاقتصاديّ، وانكشافِ سيادة الدَّولةِ، وترهُّل مؤسَّساتِها، وتآكلِ الثِّقةِ العربيّة-الدّوليَّةِ بقدرةِ السُّلطةِ على الإصلاحِ. حملتِ الخماسيَّةُ بُعدًا عربيًّا–دوليًّا أوضحَ، ورسائلَ أكثرَ صراحةً حولَ ربطِ أيِّ دعمٍ بالإصلاحِ الفعليّ، وانتظامِ الحياةِ الدُّستوريَّةِ، وإعادةِ الاعتبارِ لمفهومِ الدَّولةِ، إستهلالًا بتحقيق سيادة الدَّولة بحصريَّة السِّلاح على كامِل أراضيها بقوتها الذَّاتيَّة الشرعيَّة، ومع ذلك، واجهتْ المصيرَ نفسَهُ. تعطيلٌ داخليٌّ، ومراوحةٌ قاتلةٌ، ومحاولاتٌ منظَّمةٌ لشراءِ الوقتِ عبرَ إعادةِ تدويرِ الشُّعاراتِ، من دونِ أيِّ استعدادٍ لتحمُّلِ دقيق لكلفةِ التّغييرِ. ثمّ إنّ بعض الأبواق التي تُهدّد بالحرب الأهليّة يبدو أنَّها تَنْعَم ببعضٍ من آذانٍ صاغِية لدى الاستبلشمنت الحاكم، بِفعل رهانات، ومساومات، وخلفيّاتٍ رثّة.
تكشفُ المقارنةُ بين التّجربتَينِ حقيقةً أساسيَّةً لا يمكنُ القفزُ فوقَها. الدّيناميَّةُ العربيَّةُ–الدُّوليَّةُ قادرةٌ على وضعِ الإطارِ السّياسيّ وتوفيرِ الغطاءِ الفعَّال، لكنَّها عاجزةٌ عن فرضِ المضمونِ السِّيادي-الإصلاحيّ ما لم يقترنْ بشروطٍ وطنيَّة واضحةٍ وآليّاتِ متابعةٍ دولتيَّة صارمةٍ. لبنانُ لا يعاني من فائضِ مبادراتٍ، بل من فائضِ إفلاتٍ من المساءلةِ، حيثُ تلتبِسُ مفاهيمُ السّيادةِ والإصلاحِ في معانيها، وتُستخدمُ كأدواتِ تفاوضٍ داخليٍّ لا كمرجعيَّاتِ حُكمٍ ملزِمةٍ. بعضُ الأداءِ الأخير، وبعض التعيينات الأخيرة كارثيّة.
من هنا، لا يمكنُ الرّهانُ على أيِّ ديناميَّةِ إنقاذٍ خارجيَّةٍ من دونِ إعادةِ تعريفِ العلاقةِ بينها وبينَ الفعلِ الدّاخليّ. ليس المطلوبُ وصايةً جديدةً، بل شراكةٌ مشروطةٌ وواضحةُ المعاييرِ، تُخاطبُ المؤسَّساتِ لا الزّعاماتِ، وتربطُ الدّعمَ بأسس دولةِ الدّستور والقانونِ، لا بتوازناتِ الأمرِ الواقعِ، كما أنّ البُعدَ العربيّ-الدُّوليّ في هذه الدّيناميَّةِ يبقى حاسمًا، ليسَ من بابِ الغطاءِ السّياسيّ، بل من زاويةِ إعادةِ إدماجِ لبنانَ في منطقِ الدَّولةِ السّيّدةِ لا السّاحةِ المفتوحة، أو مَرْتَع مقايضاتٍ مُحْتَمَلة.
خلاصةُ القولِ إنّ الدّيناميَّةَ العربيَّةَ–الدُّوليَّةَ تستطيعُ، نظريًّا، وقفَ تمييعِ السّيادةِ والإصلاحِ في لبنانَ، لكنَّ نجاحَها يبقى مشروطًا بكسرِ حلقةِ الإفلاتِ من المسؤوليَّةِ الدّاخليَّةِ، وببروزِ قوَّةٍ سياديَّةٍ إصلاحيَّةٍ قادرةٍ على تحويلِ الدَّعمِ الخارجيّ من أداةِ احتواءٍ إلى رافعةِ بناءٍ. دون هذا الشّرطِ الجوهريّ، تبقى كلُّ مبادرةٍ خارجيَّةٍ مجرَّدَ إدارةٍ لانهيارٍ طويلٍ، لا مشروعَ تحقُّقٍ لدولةٍ جدّيّةٍ قابلةٍ للحياةِ.
