في هذه السّاعة المتأخِّرة من تاريخ العالم، وبعد كلّ النَّكبات والمجازر الّتي لا تزال عالقةً بالضَّمير والوعي الإنسانيَّيْن، قد يبدو مجرَّد التفكير بإعادة النظر في حقوق الإنسان البديهيّة، وضمنًا حقّ كلّ إنسانٍ في التماس السّلامة والأمان عند خطر الاضطهاد والقتل، سورياليًّا إلى حدِّ السُّخرية. لكنّه في لبنان بات كأنّه معبرٌ إلزاميّ لإعادة فهم هذه الدولة، دولةٌ عُرفت طويلًا بأنّها "بلد الحريّات"، فيما تتكشّف يومًا بعد يوم كبلدٍ يتنازع معنى الحرّية وحدودها ومَن يملك قرارها. وفي لبنان اليوم، حيث تفشل الدولة ومؤسّساتها في وضع هيكلٍ متين لسلطتها واحتكار الشَّرعيّة وفرض انتظامٍ عامّ على مواطنيها، بل وفي صياغة سياسةٍ دبلوماسيّةٍ واضحةٍ ولائقةٍ مع المجتمع المحليّ والدوليّ في مختلف الملفّات، يصير سؤال الحقوق أشبه بسؤال الدولة نفسها. ليس لأنّ اللّبنانيّين اكتشفوا فجأةً بديهية حقوقهم، بل لأنّهم يختبرون كلّ يومٍ كيف تتحوّل البديهية إلى امتياز، الأمان امتياز، العدالة امتياز، حرّية التعبير امتياز، وحقّ اللُّجوء إلى القانون امتياز، في بلدٍ يتصرّف فيه القانون كأنّه خيارٌ سياسيّ لا قاعدةٌ عامّة..
في جنيف، مساء اليوم الاثنين 19 من كانون الثاني، لم يكن لبنان "ضيفًا" على مجلس حقوق الإنسان بقدر ما كان "موضوعًا" على طاولة تدقيقٍ علنيّ. انعقدت جلسة الاستعراض الدَّوري الشامل الرابعة لسجلّه الحقوقي ضمن الدَّورة 51 للفريق العامل، وبُثَّت عبر الإنترنت، على وقع سؤالٍ بسيطٍ تتقنه الدبلوماسيّة كما تُتقنه السّياسة الدَّاخليّة، ماذا أنجزتم من الوعود، وماذا بقي حبرًا على ورق؟
ترأّست الوفد اللبناني وزيرة الشؤون الاجتماعيّة حنين السيّد، وشارك فيه ممثّلون عن وزاراتٍ وأجهزةٍ أمنيّة، في محاولةٍ لإظهار "مقاربة دولة" لا "تقرير وزارة" فقط. غير أنّ الاستعراض الدَّوري الشامل، بحسب توصيف الأمم المتحدة، ليس جلسة مجاملة ولا تمرين علاقاتٍ عامّة، بل مراجعة أقران تُوضع فيها الدولة أمام الدول، تُسأل وتجيب، ثم تُترك الأسئلة مكتوبةً على شكل توصياتٍ تنتظر موقفًا رسميًّا لاحقًا.
ما يضاعف حساسيّة الاستعراض هذه المرّة أنّه يأتي بعد ثلاث جولاتٍ سابقة (2010 و2015 و2021)، وفي لحظةٍ لبنانيّةٍ تتكاثر فيها "الإنجازات الورقيّة" مقابل تآكلٍ متسارعٍ في ثقة الناس بقابليّة النظام على حماية الحقوق الأساسيّة. والآليّة نفسها لا تمنح الدولة رفاهيّة "تحسين الزاوية"، فهي تُبنى على ثلاثة أعمدةٍ وثائقيّةٍ متوازية، تقريرٌ وطنيّ تقدّمه الدولة، وتجميعٌ أمميّ لملاحظات هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصّة وكيانات الأمم المتحدة، ثم خلاصة مساهمات أصحاب المصلحة، وبينهم المجتمع المدني. وهنا يصبح الاستعراض مواجهةً بين سرديّتين، سرديّةٌ رسميّة تُحسن عادةً صياغة التقدُّم، وسرديّةٌ ميدانيّة تُحسن عادةً إحصاء الفجوات.
ولأنّ الاستعراض عمليّة "مراجعة أقران" تشمل سجلات حقوق الإنسان لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (193 دولة)، فإنّ لبنان لا يواجه لجنةً واحدة، بل مزاجًا دوليًّا متراكمًا، أسئلةً تتقاطع فيها السياسة بالحقوق، وتُقاس فيه قدرة الدولة اللّبنانيّة على تحويل التعهّدات إلى مؤسّسات، والقوانين إلى ممارسات، والوعود إلى مساءلة.
الرأي، المدافعون، واللاجئون: عنوان الامتحان
داخل القاعة، تكرّرت محاور بعينها. معظم التوصيات تمحورت حول ملفّ تفجير بيروت، وحرّية إبداء الرأي والتعبير، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وحقوق الإعلام، إضافةً إلى ملفّ اللاجئين السوريّين وما يتّصل به من مبدأ عدم الإعادة القسريّة، وفق ما يُشير مدير مركز "سيدار للدراسات القانونيّة" المحامي محمد صبلوح.
تحدّث لبنان عن تعهّدات، ودافع عن نفسه في كلّ نقطة، وذهب بعض ممثّلي الأجهزة إلى التّأكيد على وجود هيئاتٍ رقابيّةٍ وآليّاتٍ للمحاسبة، بما في ذلك في قضايا التَّعذيب. لكن بين ما تقوله الدولة وما يرصده المجتمع المدني مساحةٌ هي جوهر الاستعراض، المساحة التي تُقاس فيها الحقوق، لا النوايا. وفي هذه المساحة تحديدًا، صبلوح قراءةً أكثر حدّةً، قائلًا في حديثه إلى "المدن"، "المراجعة تُجرى كلّ أربع سنوات، ويُسأل فيها لبنان عن الإصلاحات، وعن مستوى الإصلاحات التي قام بها لإطلاع الرأي العام الدولي عليها". ثم يضيف، بلهجةٍ لا تُجامل، نحن كمنظّماتٍ نقدّم توثيقاتٍ تؤكّد الانتهاكات وتبيّن إن كانت الإصلاحات أُنجزت فعلًا، "وللأسف لبنان يسنّ قوانين استجابةً لمطالب المجتمع الدولي، لكنّه يعجز عن تطبيقها".
"مغالطات وتهويل"، أم اختلاف روايات؟
يذهب صبلوح أبعد من توصيف الفجوة بين النَّصّ والتطبيق، ليطعن مباشرةً في صدقيّة السرديّة الرسميّة، "كلّ من يقرأ تقرير لبنان يعرف حجم المغالطات والتهويل الوارد فيه، وهو على خلاف الواقع تمامًا". في السّياسة تُسمّى هذه المساحة "اختلاف روايات"، أمّا في حقوق الإنسان فاسمها أدقّ، قابليّة الدولة للمساءلة. لأنّ التقرير الوطني ليس مقالًا ترويجيًّا، إنّه وثيقةٌ تُبنى عليها توصيات، وتُقاس عليها تعهّدات لاحقة.
ومن هذه النقطة بالذات، يشرح صبلوح كيف يتحوّل هامش الأمم المتحدة إلى ساحةٍ موازية، "على هامش الأمم المتحدة سيُستمع إلى لبنان، وسيكون هناك متحدثٌ باسم الدولة اللبنانيّة ووزارة العدل، وممثّلون عن القيادات الأمنيّة، ونحن كمنظّماتٍ دُعينا إلى مؤتمرين، وسيتمّ نشرهما عبر مواقع التّواصل الاجتماعي من داخل أروقة الأمم المتحدة، لإعلان الحقيقة للرأي العام العالمي والمطالبة بتغييرٍ حقيقيّ".
الرّسالة الأقسى في كلام صبلوح ليست وصف الانتهاكات، بل التهديد السّياسي، الحقوقي الذي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليّاته، "إذا استمرّ لبنان في تقديم معلوماتٍ غير صحيحة، فإنّنا كمنظّمات سنطالب المجتمع الدولي بوقف المساعدة المقدَّمة للأجهزة الأمنيّة في لبنان إلى حين إصلاح قضايا حقوق الإنسان فيه".
وفي ذلك انتقالٌ من منطق "التوصيات" إلى منطق "الاشتراط"، ومن لغة "نأمل" إلى لغة "نضغط". وفي بلدٍ تُعدّ فيه علاقة الأجهزة بالدّعم الخارجي أحد أعمدة الاستقرار الأمني، يصبح ملفّ حقوق الإنسان مادّةً تمسّ توازنات الدولة نفسها، لا فقط صورتها.
المادّة 47: حقوقٌ على الورق
يستعيد صبلوح سلسلة ملفاتٍ يعتبرها اختبارًا ملموسًا لصدقيّة لبنان. يذكّر باعتصاماتٍ نُظّمت في الأعوام 2021 و2022 و2026 أمام مبنى الأمم المتحدة "لإظهار الانتهاكات"، ويركّز على ثلاث نقاط:
-
مخالفة المادّة 47 من أصول المحاكمات الجزائيّة لجهة حضور المحامي خلال التحقيقات الأوّليّة.
-
القانون رقم 65 لعام 2016 (تجريم التَّعذيب) الذي "ما يزال حتى اليوم حبرًا على ورق".
-
قضايا التَّرحيل، ومنها ترحيل الشاعر عبد الرحمن القرضاوي وغيره، بما يخالف مبدأ حظر التَّعذيب.
وكي لا يبقى الكلام في العموميّات، يستحضر مثالًا صادمًا من عام 2026، وفاة محمد حرقوص، واصفًا ما جرى بأنّه "فضيحة كبرى"، مع اتهامٍ واضحٍ بحصول تضليلٍ للرأي العام "بحجّة حماية الجهاز الأمني ومخابرات الجيش"، إضافةً إلى مخالفاتٍ أشار إلى وقوعها لدى شعبة المعلومات والأمن العام وأمن الدولة في تطبيق المادّة 47. في المقابل، يورد صبلوح وعدًا سمعه من بعض الأجهزة، ومنها الأمن العام، بإصلاحاتٍ تتعلّق بتطبيق المادّة 47 "في الأيّام المقبلة". وعدٌ جديد يُضاف إلى دفتر الوعود القديم، ويُترك لميزان التنفيذ أن يقول كلمته.
"هل سيواجه لبنان الحقيقة؟"
هذه هي الخلاصة الّتي يضعها صبلوح بصيغة سؤال، "اليوم، هل سيواجه لبنان الحقيقة ويعترف بها ويعد المجتمع الدولي بالتغيير، أم سنبقى دولةً تمارس أبشع الانتهاكات، ثم نتغنّى بالحرّية والدّيمقراطيّة؟". إنّه السّؤال الذي يتجاوز تفاصيل الجلسة إلى جوهر الدولة، هل نريد حقوق الإنسان كعنوانٍ للتّفاوض الخارجيّ، أم كعقدٍ اجتماعيٍّ داخلي؟ هل نحتاج الإصلاح لنرضي المجتمع الدوليّ، أم لنحمي المواطن والمقيم واللاجئ من التَّعذيب والاعتقال التَّعسّفي والإسكات والتَّرحيل القسريّ، مُداراةً للبراغماتيّة والعمليّة في وضع حلولٍ للقضايا الشائكة؟
الاستعراض الدَّوري الشامل لا ينتهي بانتهاء ساعات النّقاش. بعد الجلسة تأتي مرحلة التّوصيات التي تقدّمها الدول، وغالبًا ما تُقاس جدّية الدولة بطريقة تعاملها مع هذه التّوصيات، قبولًا، أو "أخذَ علمٍ"، أو رفضًا. وفي بلدٍ يعيش على حافة الانهيار المؤسّساتي، تبدو توصيات جنيف كأنّها دفتر شروط، لكنّه في الحقيقة دفتر فرص، فرصةٌ لإعادة بناء الثّقة عبر خطواتٍ قابلةٍ للقياس، لا عبر تعابير فضفاضة.
