يسلك السياق العالمي الراهن مسالك مبعثرة، في الأقطار وفي الأفكار، مما يطرح السؤال حول كيفية إعادة انتظام سياق عامٍ بديل، مثلما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مضمون هذا الانتظام، وحول توازنات مصالح الأطراف التي ستساهم في إعادة "استنباطه".
في موازاة الصورة اللامنتظمة عالمياً، تطرق باب الذاكرة عباراة قيلت من الجانب الاشتراكي الذي صارع الرأسمالية، طيلة عقود. من هذه العبارات، الرأسمالية هي أول من يضع الحراب على جدول الأعمال، ومنها، شعار الاشتراكية أو البربرية. العودة إلى هكذا شعارات "مفتاحية" هدفها استعادة نقاش بدا أنه أقفل على إدانة صلاحيتها المجتمعية، وعلى إعلان هزيمتها أمام الرأسمالية التي صارت قدراً عالمياً، وثقافة معولمة، تستر الجشع الرأسمالي المنفلت راهناً، وتدير الظهر لما يشبه الحرب العالمية الثالثة التي افتتحتها الإدارة الأميركية من مدخل الرسوم التجارية، واستكملتها بالسيطرة على فنزويلا، ويبدو أنها مصممة على متابعتها في غرينلاند الأوروبية، بعد سلاسل التمهيد السياسي والميداني التي نفذتها في أرجاء الشرق الأوسط، حيث ما زالت العربية في حالة غربة لافتة، عن مراجعة قراءتها الوطنية الداخلية، وقراءتها العربية العامة.
في هذا السياق، ما زال الخطاب العربي الرسمي أو الشعبي، يردِّدُ كلمات العروبة والأمة والوحدة، من دون أن ينسى ظلّ التجزئة وصورة الاستعمار. على خطٍ موازٍ، تُستحضر عبارات الأخوة واللغة والدين والتاريخ، لينتهي الأمر إلى صوغ اقتراحات وتوجهات وقرارات، لا تواجه أيَّاً من جوانب المواضيع الإشكالية المطروحة، لسبب وجيه وأساسي، هو أن المواضيع لا تُطرح على حقيقتها، وعليه، فإن الجواب الخاطئ، يطلع من حنايا الفرضيّة الخاطئة. الخطأ الابتدائي، الذي يقع فيه "الخطاب العربي"، هو الاعتقاد باكتمال كل عنوان يتعرض له، وبصحة هذا العنوان ودقته. أما بُنية العنوان، لدى صاحب الخطاب، فتلامس اليقين وتنطوي عليه، وتعيد إنتاجه، أما الشكّ ففعل خارجي، وهو لا يَعدُو الظاهرة العرضية، أو الجملة الاعتراضية، التي يكفي وعيها، ومن ثم إسقاطها من الوعي، ليتابع الواقع اليقيني العربي، سيره من دون التباس مفهومي، أو إشكال نظري، أي ليكمل مسيرة تقدمه، نحو الغايات النهائية التي صاغتها له لغة الخطاب، وبياناته البلاغية.
للبلاغة البيانية، التي تقفز فوق بنية الواقع، وتتجاهله، معنى الإرادية، لجعل العالم الملموس، غير ذي شأن في عالم الإرادة، وفي أفهام القارئين في كتابها. على هذا الوجه، الإرادة والإرادوية، ليستا غريبتين عن مدار المتخيل، والخيالي، لذلك، فإن السياسة المترتبة على إرادة الخيال، لا تعدو كونها أحلاماً أو آمالاً، تنحو حثيثاً منحى الإرجاء والانتظار، الغَيبيّين، كلما بدا أن تحقق الأهداف صعب في دنيا الوقائع، وبعيد المنال.
ضمن هذا السياق المتحوّل، تفقد الشعارات بريقها الواقعي والعقلاني، وتستجيب النخبة الناطقة باسمها، لارتكاسة الوقائع وشكل وعيها، لدى السواد الأوسع من الجمهور. لذلك، تُنحّى المناهج العقلانية في التحليل، ويُستبعد النقد الواعي من التفسير، ويحلّ محلّ هذا وذاك، تفسير جبري وتبرير قدري، يقارب السياسة المعمول بها من قول شائع: "لا يُغني حذر من قدر"!. لا يعود مستغرباً، والحال ما هو عليه، تديين السياسة وتسييس الدين، وإفراغ المجتمع من لمحاته المدنية المكتسبة، ومحو قاعدة ذاكرة المصالح الاجتماعية، وحَشْو الذهن الشعبي وخياله، بسياسة الخرافة، ولا معقول السياسات. عند هذا الحد يقرع "الاغتراب"، باب الاجتماع السكانيّ، وأبواب أفراده، فيجد من يُوسع له الأمكنة، في كل البيوت، وفي شتّى مفاصل الحياة، اليومية. يتدرج الاغتراب من أعلى هرم القضايا الكبرى، إلى قاعدة التفاصيل الصغيرة التي لا تثير الانتباه، فيأخذ الوعْيَ معه، يجزئه ويقزمه، فيحرمه من فعل الإحاطة الشاملة، ويُدْنِيه من حالة "الوعي البيولوجي" الأول، حيث لا مكان إلاّ لسياسة "الماء والكلأ"، أي السياسة التي توفّر أسباب البقاء على قيد الحياة.
ضمن هذه البيئة، من التقهقر الفكري، والتراجع المجتمعي، ماذا يمكن أن تعني كلمات من قبيل، العروبة مثلاً؟ والقومية والوطنية؟ والوطن والمواطن؟ والأمّة والتقدم والحرية؟ أي ماذا يمكن أن تعني على صعيد عام، ما دام الفضاء العام غير موجود؟
أغلب الظنّ، أن الكلمات تلك، لا تؤدي إلى أكثر من وعْيٍ متفرّق بها، وفَهْمٍ متناثر لمضمونها، وخُطَبٍ متنافرة حولها، تستقي مادَّتها من مادة "البنية العربية"، الموزَّعة والمجزّأة والمتمايزة، بحسب تاريخ نشأتها، ومسار تطورها، وخصوصية إشكالياتها. هذه الخلاصة، التي تعتقد بضرورة مقاربة كل "اجتماع" عربي بمفرده، أي ضمن إطاره "الجغرافي – الوطني" المعيّن، والمحدّد، تطرح علامة استفهام مسبقة، حول افتراض الوحدة الأصلية المكتملة غير المنازعة "للعرب"، وحول أسبقيَّة مُعطى الأمة، وتلفت الانتباه، إلى أن مضمون العروبة والأمة، نهض على تجزئة بنيوية، هي الأصل وليست العَرَض، الذي أتى البلاد العربية كفعل خارجي جاء به الاستعمار وأعوانه. الدليل الأوضح على المعطى التكويني للتجزئة، أن خروج المحتلّ الأجنبي، لم يُترجم إلى استعادة ما اعتبر الوحدة المطعونة في "كينونتها"، بل إن ما تبلور بعد حقبة الاستعمار، هو وجود الأجزاء أو الوطنيات، التي أطّرت ذواتها ضمن استقلاليات متفرقة.
وفقاً لما سلف، تبدو رحلة تفكيك بنية الكلام العروبي طويلة، وأطول منها رحلة إعادة تركيب منظومة الفهم العامة. ثمَّة مبادرة مطلوبة، في الاتجاه العقلاني الصائب. حتى لا يستمر اللامعقول في الاستحواذ على قضايانا الوجودية، وحتى لا يجتاحها قطار الرأسمالية المتوحشة في نسختها الاستعمارية المتجددة.
