هل اختارت طهران أثينا بدل إسبرطة؟

عارف العبدالجمعة 2026/01/16
Image-1768507685
الزيارة الأخيرة، اختلفت كلياً عن الزيارات السابقة للمسؤولين الإيرانيين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تميزت زيارة وزير خارجية إيران، عباس عراقجي الأخيرة إلى بيروت، بطابع خاص ومميز عن زياراته السابقة، أو زيارات باقي المسؤولين الإيرانيين كما جرت العادة في السنوات الماضية. 

ففي أغلب الزيارات الإيرانية السابقة، كان اللواء أو الشعار المرفوع إيرانياً في بيروت، يأتي دائماً في سياق توجه إلى تضخيم وتعظيم دعم أعمال ونشاطات المقاومة المسلحة والعسكرية في مواجهة الأعداء، أو في إطار تحمية المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، والإمبريالية الأميركية الملقبة بـ"الشيطان الأكبر"، تحت شعار الممانعة أو المقاومة السياسية والعسكرية في وجه إسرائيل المحتلة لأراض لبنانية وعربية وحاميتها والولايات المتحدة الأميركية.

الهدف والتصميم، كان على الأغلب حث الحزب والأطراف الحليفة له على زيادة الانغماس في أعمال المواجهة العسكرية، أو في إطار إطلاق التهديدات والعنتريات والمزايدات الحربية بالصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى، ساعة لإفناء إسرائيل بربع ساعة، ومرة أخرى بعشر دقائق، وفق إعلانات سابقة لقادة الحرس الثوري وفروعه المتعددة.

المواقف السابقة الحامية والتصعيدية، كانت تخلف موجة من التوتر والضغوط على لبنان، نتيجة تفعيل وتفاعل السجال السياسي أو تبادل الهجمات واللكمات والمواجهات السياسية والإعلامية والدبلوماسية، بين القوى المؤيدة لإيران أو التي تدور في فلكها أو التي تدور في فلك حزب الله من جهة، وبين القوى المعارضة لنهج وسياسة طهران والحزب المرتبط بإيران في لبنان، من جهة أخرى.

 

الزيارة الأخيرة، اختلفت كلياً عن الزيارات السابقة للمسؤولين الإيرانيين بشعاراتها ومقارباتها، بدل تعريف وتفعيل ودعم المقاومة. فقد تم وصمها ووصفها وتسويقها، تحت حجة وعنوان الاهتمام والتعاون الاقتصادي التنموي!

بالرغم من الحماوة أو السخونة في مواقف وزير خارجية لبنان يوسف رجي، الذي حطم كل السقوف السياسية والوطنية في مواقفه وتصريحاته المستهجنة، والمحفوفة بالتطرف العنصري الزائد، عن العدو والحق في العدوان على لبنان. الوزير النمرود والمتفلت خارج حدود الدبلوماسية المعهودة، كان بذل جهداَ كبيراً في الهجوم والتصعيد ومحاولة الاستفزاز في وجه طهران، نسبة إلى استباحتها لبنان سابقاً، عبر إطلاق مواقف نارية وتصعيدية في وجه نظيره الإيراني. بالرغم من كل ذلك، فان الوزير الإيراني، فهم اللعبة، وقابل التصعيد من الوزير "القواتي الهوى" بدراية وتصنع الحنكة والرواق والرصانة الدبلوماسية، لا الانفعال أو الانجرار إلى مشكلة مع لبنان بطابع دبلوماسي. 

قطع الوزير الإيراني المحنك، الطريق على انفعال رجي وعلى تسجيل مشكلات معلنة ومجانية في هذا التوقيت، خصوصاً مع الحالة الإيرانية الصعبة والمحشورة في الداخل مع المتظاهرين وفي الخارج مع واشنطن وإسرائيل الراغبتين في ضربة عسكرية جديدة لإيران.

أقدم عراقجي على استخدام وتحريك الدهاء الإيراني المعروف، المغلف بالتقية المشهودة والمشهورة، عبر اتباع الأصول الدبلوماسية المعمول بها بين الدول ذات العلاقات المحترمة والندية والطبيعية.

 

عمد الوزير الإيراني المتنبه للأوضاع الدقيقة والمتوترة في لبنان تجاه إيران، إلى طلب اللقاء والاجتماع مع المسؤولين اللبنانيين، والرؤساء الثلاثة، عبر وزارة الخارجية اللبنانية المعنية بالأمر، فقطع الطريق على أن يتاح للوزير اللبناني "العصبي والنرفوز" والمتحفز، في أن يفتعل مشكلة أو يعطل زيارة عراقجي إلى بيروت.

الوزير رجي الصنديد والممانع في وجه الهيمنة والمونة الإيرانية، على حق في إبداء الحساسية الزائدة من الدور والأداء الإيراني، ولذلك تولى التصدي إعلامياً وبقوة للهيمنة و"السلبطة" الإيرانية المعتادة والمتعالية والمتباهية، كما كانت في أوقات سابقة على لبنان، لكنه لم يوفق، وكان يفضل أو يحب أن تقع طهران في خطوة ناقصة ولو شكلياً تجاه لبنان، لكن هذا لم يحدث. 

المتغير الذي رافق زيارة الوزير الإيراني كشف أن إيران تدرك بالعمق وساعة تريد، حقيقة دور لبنان وموقعه في المنطقة والعالم. ولذلك زار عراقجي خلال أشهر عدة، لبنان مرتين متتاليتين، لتوقيع كتابه والترويج لمواقف طهران السياسية والدعائية.

عراقجي زار لبنان في حزيران الماضي ووقع الطبعة الأولى من كتابه "قوّة التفاوض"، والأن جاء لتوقيع الطبعة الثانية، بعد أن أضاف إليها فصلاً عن المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

كما هو ظاهر، بذلت إيران جهداً ملحوظاً في اتجاه أساسي، أنها أدركت أنها يجب أن تستفيد من الساحة اللبنانية ليس فقط للحرب والتدريب والتسليح وتخزين الصواريخ، بل للترويج لأفكارها وطروحاتها الدبلوماسية.

 

قبل خمسمئة سنة من ولادة السيد المسيح ظهرت في منطقة الجزر اليونانية صراعات بين جزيرتين دولتين هما أثينا وإسبرطة. الأولى، اهتمت بالإنتاج الفكري والثقافي والفلسفي، والثانية بالتدريب والتسليح والحروب العسكرية وتخريج وتدريب المقاتلين الأشداء.

لكن الذي أفاد البشرية أكثر من أي أمر آخر من إنتاج الجزر اليونانية، هو ما قدمته أثينا من أفكار وثقافة وعلم ومعرفة.

فهل قررت إيران نتيجة متغيرات كثيرة جارية، الاستفادة من لبنان بطاقاته الثقافية والعلمية والإعلامية، أم ستظل تعتبره منصة صواريخ جاهزة للاستخدام والإطلاق لحروبها على شاطئ المتوسط؟  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث